عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Jan-2018

أكتشفها أمريكي مصادفة وأطلق عليها تُوِينْبِي (قلعة العمالقة): «مَاتْشُو بِيتْشُو»… حصن الأبدية المقدسة في البِيرُو

 «القدس العربي» ـ محمد محمد خطابي: زيارة «قلعة ماتشُو بيتشُو» ليس بالأمر الهين، فالصعود إلى هذه البناءات الأثرية الشاهقة صعبٌ ومتعبٌ ومحفوفٌ بالمخاطر. فقد واجهتنا ونحن في الطريق إلى هذه القلعة الشامخة أدغال كثيفة، وأشجار متداخلة، وأحجار كثيرة مدببة، وانعراجات والتواءات ومنعطفات ودروب وعرة، ومسالك ضيقة وسط جبال وآكام ومرتفعات. 

مدينة «كوسكو» المجاورة لماتشُو بيتشُو تقع على ارتفاع شاهق يصل إلى 3400 متر على سطح البحر، ما جعلها أعلى البناءات التي أقامها الإنسان في هذا الشق النائي من العالم. فالطريق إلى مَاتشُو بيتشُو يبدو وكأنه طريق لمعانقة السحاب.
 
قلعة خلف الضباب
 
ظلت قلعة ماتشُو بيتشُو مُخبأة تحت جُنح الزمن، ومتوارية خلف الضباب الكثيف، ووسط الأدغال المُوحشة، حتى يوليو/تموز 1911عندما اكتشفها لأول مرة عن طريق المصادفة الأمريكي هيرام بنغهام مع فريق آثاري من جامعة بالي الأمريكية. وبعد مرور عام على هذا الاكتشاف المثير، بدأت الحفريات في هذه المنطقة التي لم يرها أحد منذ ما يقرب من خمسمئة عام، ثم بدأت الزيارات العلمية المتواترة والمتوالية لدراسة مختلف الآثار التي وجدت بها، ونوعية التربة، والنبات والمعادن. وفي عام 1934 قررت الدولة البيروفية دعم هذه العمليات، والقيام بمسحٍ شاملٍ للمنطقة والبدء بترميم آثارها. وللمفارقة لم يتم الاكتشاف التاريخي في الواقع لهذه القلعة الغريبة إلا في بداية الأربعينيات من القرن الفارط، عندما اكتشف بول فيخوس الطريق المؤدية إليها داخل شِعب وأخاديد خفية بين جبال وادي أروبامبا، وكانت هذه الطريق هي ذاتها المُستعمَلة من طرف شعوب الإنكا للصعود إلى قمة هذه «القصبة» المعزول، وهذه الطريق في حد ذاتها تعتبر مثالاً رائعاً لمدى التفوق الذي أدركه الإنكا وأجدادُهم في هندسة شق الطرق وسط المسالك الصعبة، والمناطق الجبلية الوعرة، وقد شقت هذه الطريق بشكلٍ يتلاءم مع الوسط الطبيعي المحيط بها حتى تصل إلى قمة ماتشو بيتشو، بعد صعود حوالي 3000 درجة بكد وجهدٍ منقطعيْ النظير.
 
مدينة النساء
 
وعندما بدأت عمليات الحفر في هذه القلعة الحصينة كانت مفاجأة علماء الآثار المحيرة، فمن مجموع 280 هيكلاً بشرياً عُثر عليها 34 فقط منها كانت للرجال، والباقي للنساء! ويتساءل الباحث البيروفي لويس كونتريراس عن سر هذه البناءات الغريبة، ولماذا عُثر على هذا العدد الهائل من هياكل النساء؟ ويجيب عن تساؤله قائلاً إن هذا الأمر هو ليس الوحيد في تاريخ الحفريات الآثارية في البيرو، فقد عثر كذلك في مقابر شبيهة بتلك التي تم العثور عليها في مقابر ماتشو بيتشو في مدينة ساحلية تُسمى «باشاكا ماك»على هياكل بشرية للنساء أكثر بكثير من هياكل الرجال. ويرجع سبب ذلك حسب كونتريراس نفسه إلى أن كلا من «ماتشو بيتشو» و«باشاكا ماك» هما مدينتان لإقامة الشعائر والطقوس، ولم تكونا للإقامة والسكنى من طرف العوام. وهكذا كان يقطنها لهذه الغاية النبلاء وكبار رجال الدولة، وكان هؤلاء محاطين بالنساء الخدم اللائي يُطلق عليهن بلغة الإنكا (أكلاكونا) أي (النساء المختارات). وكان عليهن المكوث هناك حتى الممات، حيث يتم دفنهن في المكان نفسه الذي كن يقمنَ فيه. وكانت حياتهن وثيقة الصلة بهؤلاء النبلاء والحكام من أباطرة الإنكا في كوسكو. وكان عدد المقيمين في هذه القلعة حسب المؤرخين بين 400 و800 شخص. وهذا ما يفسر وجود هذه النسبة الكبيرة من النساء مقارنة بالعدد القليل من الرجال. وحسب بعض المؤرخين المتخصصين في تاريخ البيرو، فإن تاريخ هذه القلعة يعود لأكثر من 3000 سنة، وهي لا تبعد عن العاصمة السياسية والدينية للإنكا كوسكو سوى 112 كيلومترا.
 
عصر ماتشُو بيتشُو
 
هذه المعالم الأثرية التي تُبهر الناظر بضخامتها، وعلوها وإتقانها وهندستها المعمارية الفريدة أدركتْ أوجها في القرن الخامس عشر، فعندما وصل الإسبان إلى البيرو كان الإنكا يعيشون آخر أيام عزهم، ومعظم الموجودات التي عثر عليها في هذه القلعة من أوان وفخاريات وخزفيات ومعادن وأحجار منحوتة، بل حتى طبيعة البناء نفسه يعود حسب علماء الآثار إلى عهد الإنكا بالذات. هذه الدور والقصور والبناءات الغريبة المتداخلة والمتشابكة، والمشدودة إلى بعضها بعضا في إتقانٍ بديع، وكأن كل حجرةٍ من أحجارها، وصخرةٍ من صخورها تعانق الأخرى عناقاً أبدياً مُدهشًاً، بطريقة تتداخل في ما بينها بدون أي ملاط، إنها مثل أهرامات مصر في الجيزة أو سقارة، ما زالت تعتبر لغزاً مُحيراً بالنسبة للعلماء حتى اليوم. وتشق القلعةُ الأزقة الضيقة، والدروب الطويلة التي تفضي برمتها إلى وسط الحِصن، وهكذا حتى نصل إلى الساحة الرئيسية لماتشو بيتشو التي تُسمى «شاوبيباتا» وأعلى وأجمل وأفخم بناءاتها تُسمى «واكاباتا» ويليه مبنى «أوسنو»، حيث يوجد ما يطلق عليه بالساعة الشمسية المسماة «انتيواتانا». وبعد عدة قصور نصل إلى قصرٍ فخمٍ كبير آخر يُسمى بـ«القصر المُدور». ومن بعيد تتراءى لنا دور صغيرة، متناثرة، قليلة الأهمية بالنسبة لعظمة القصور الأخرى الشاهقة. وعلى الجانب الشرقي من القلعة وجدنا خمسة قصور أخرى أهمها قصر «التجاويف» الذي يُعتبر من أكبر القصور داخل هذه القلعة الحصينة، ثم وصلنا في الأخير إلى «الصخرة الجليلة» التي وقف يوماً ما المؤرخ البريطاني المعروف أرنولد توينبي مبهوراً أمامها. وإلى جانب هذه البناءات، خارج الأسوار المتداخلة وصلنا إلى مكانٍ نطل منه على هذه القلعة، وتمتد أمامنا أراض شاسعة كان الإنكا يستعملونها للفلاحة. وحتى تاريخ قريب كانت هذه الأراضي تُزرع من طرف أحفادهم. كما تكثر في الهضاب والسهوب والمرتفعات المحيطة بالقلعة حيوانات اللاما والألبكة. وللقلعة باب كبير يُغلق من الداخل بواسطة رافدة مصنوعة من جذع شجرة متينة، ثم تليها أبواب أخرى تُغلق بالطريقة نفسها التي يُغلق بها الباب الرئيسي. ثم تراءت لنا دور صغيرة كانت تُستعمل كإقامة للزوار المتوجهين للهيكل الكبير. وفي تنسيق بديع تنتشر عدة طرق تفضي إلى مختلف البناءات الموجودة داخل الحصن. ومعظم هذه الطرق تحيط بها منابع الماء، بل هناك طريق يطلق عليها اسم «طريق الينابيع». وتوجد داخل الهيكل الكبير «واكاباتا» حجرة الشمس التي تُسمى»انتيواتانا» التي هي في شكل عين الأفعى، والطريق المؤدية إليها هي ذات التواءات في شكل جسم أفعى كذلك. وإذا نُظر إليها من علٍ تبدو بالفعل وكأنها أفعى عملاقة تتوسط المكان. وحجرة الشمس عند الإنكا كانت مثلما هو الشأن عند الأزتيك وسيلة لمراقبة الزمن، وحسابه كما لو كانت ساعة شمسية. ذلك أن أشكال الظلال التي كانت تحدثها عندما تتسرب أشعة الشمس من النوافذ تجعلهم يحسبون بدقة مختلف مراحل الحوْل وفصوله. وهيكل «واكاباتا» ذو أبنية ملتوية ومتداخلة كلها تفضي إلى الباحة الكبرى التي تتوسط الهيكل. ويبدو أنه كان المكان الرئيسي لتقديم القرابين، حيث يتوسط مذبح كبير، وهو ذو هندسة معمارية جميلة. ولهذا المبنى نوافذ ثلاث تطل على مكان شروق الشمس. ولا بد أن هذه النوافذ كانت وثيقة الصلة بالعادات الخاصة بطقوس الشمس. وقد عُثر في هذا المكان على عدة أوان فخارية دقيقة الصنع.
 
عاصمة أمريكا الآثرية
 
منذ حوالي سبعين سنة أصبحت كوسكو العاصمة الأثرية لأمريكا، أي بعد اكتشاف بنغهام لقلعة ماتشو بيتشو، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مدينة كوسكو المجاورة لها مقصد الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم، في كل مكان في هذه المدينة تشم روح حضارة الإنكا. وتبذل السلطات البيروفية جهوداً كبيرة لتغيير وجه المدينة، فبعد أن كانت أطلالاً مُهملة، تقف اليوم إلى جانب أكبر عواصم العالم القديم مثل مدينة أثينا التي تمت توأمتها بهذه المدينة بالذات، كما أعلنت اليونسكو أن (كوسكو) هي تراث للإنسانية جمعاء. وقد أصبحت مدينة نظيفة، حيث ينطق كل حجر من أحجارها بالتاريخ. وقد شيدت فيها كما كان الأمر على عهد الإنكا حدائق غناء، وشق فيها العديد من السواقي والجداول، وشيدت أماكن للراحة والاستجمام، حتى أصبح حي «سان بلاس» في المدينة معرضاً دائماً في الهواء الطلق يتسابق الفنانون من أجل عرض أعمالهم الفنية فيه، فضلاً عن المتاحف التاريخية التي تزخر بالعديد من نفائس الماضي التي تُصنع من كل ضربٍ من ضُروب المعادن وما أكثرها في بلد مثل البيرو. كما دشن في هذه شارع كبير يحمل اسم إحدى الشخصيات التاريخية عند الإنكا وهو «باشكوتيك»، الذي أمر بتشييد قلعة ماتشو بيتشو الأسطورية، كما أقيم في المدينة مجسم كبير لهذا القائد الإنكي. وتنظم في المدينة في 24 يونيو/حزيران من كل عام تظاهرة ثقافية فولكلورية كبرى يطلق عليها «إنتي رايني» (يوم الشمس) حيث تزدان شوارع المدينة وأزقتها بمختلف مظاهر الزينة، وتجول فيها الفرق الشعبية التقليدية التي ترتدي أجمل الملابس المزركشة التي تعكس بشكلٍ أو بآخر إشعاع حضارة أجدادهم الإنكا. ومن العجب ان تواجهنا في عاصمة الإنكا أسماء أماكن عربية وقد مزجت بلغة السكان الأصليين بعد أن وصلتهم عن طريق الإسبان مع لغتهم «القشتالية» التي هي مدينة للغة العربية بالعديد من الكلمات التي دخلتها واستقرت فيها، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها. وهكذا نجد في هذه المدينة أسماء مثل: الريان، والصوان، والقبة، والطلائع، والبِرْكة، والبالوعة، والجُب، والبحيرة إلخ. وكلها أسماء أطلقها الإسبان على الأشياء التي تعنيها في لغتها الأصلية، بعضها تُنطق على أصلها، وبعضها الآخر طرأ عليه تحريف طفيف.
 
أسطورة القائد
 
يَحكي لنا التاريخ قصصاً وحكاياتٍ حول هذه القلعة الحصينة، خاصة القصص التي لها صلة بوصول الإسبان والمواجهات التي كانت لهم مع الإنكا. ومثلما حدث مع حكام الأزتيك في المكسيك، فقد نكل الإسبان كذلك بآخر حكام الإنكا في البيرو، وطوردوا في كل اتجاه. ويروي لنا الكاتبُ الأورغوائي الكبير إدواردو غاليانو في كتابه القيم «مذكرات النار» أن أحد حكام الإنكا الذي كان يُدعى «مانكو أنكا» ثار ضد الرجال ذوي الوجوه الملتحية (الإسبان) فاعتصم في مدينة كوسكو ومعه جيش عظيم، وأضرم النيرانَ حول المدينة، وأمطرت السماءُ رماحاً ونبالاً وسهاماً حادة على رؤوس الإسبان، إلا أن الجوع أوهن المُحاربين وأنهك الطوىَ المُعتصمين، وبدأ جيش مانكوانكا ينسحب شيئاً فشيئاً على امتداد نصف العام. 
ويتقدم قائد الإنكا ويقتحم الجمع، يقطع الوادي الكبير لنهر «أوروبامبا» ثم يغيب في قمم الضباب الكثيف، فالطرق القديمة التي شقها أجداده الإنكا بين أخاديد الجبال سبق له أن قطعها من قبل وهو يعرفها جيداً، إنها الطريق المؤدية إلى القمم في أعالي ماتشُو بيتشُو.
ولم يعرف الإسبانُ أين اختفى هذا القائد الإنكي الذي حارب حتى آخر رمقٍ في حياته. الإسباني «دييغو منديس» وحده أمكنه الوصول إلى هذا المكان الخفي خلف المُرتفعات، إذ جاء هارباً بعد أن غرز سيفه في حنجرة القائد الإسباني الشهير الذي دخل هذه البلاد وهو فرانسيسكو بيسارو، الذي كان قد رحب به مانكوانكا، وآواه وأكرم وفادته، إلا أن بيسارو بعد ذلك مِثل بروتوس خدعه وغرز خنجرَه في ظهر مانكو أنكا الذي ظل أتباعه وأنصاره يتغنون مُتحسرين.. «سنشرِبُ في جماجم الغادرين/من أسنانهم سنصنع قلائدَ لنا/ومن عظامهم سنصنع ناياتٍ/ومن جلودهم طبولاً/ثم بعد ذلك نغني ونرقص».
 
قلعة العمالقة
 
سبق للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أن زار البيرو عام 1956 وفي مؤلفه «من الشرق إلى الغرب» يصف لنا مروره بالعديد من بلدان العالم ومنها البيرو، وقد ظل توينبي مشدوهاً مما رأى في بلاد الإنكا، وكان ماتشو بيتشو أغربَ ما وقعت عليه عيناه، فأطلقَ على هذه المدينة اسم «قلعة العمالقة»، وقال عن الإنكا: «كان عمر مملكتهم قصيراً، إلا أن كل ما شيدوه كان للأبد».
ويتساءل توينبي: ما هو ماتشُو بيتشُو؟ ويجيب أنه بالمعنى الحرفي يعني «القمة الكبرى»، ويضيف توينبي: «إلا أنه لا هيرام بنغهام ولا الأثريون الآخرون أمكنهم تحديد تاريخ القلعة أو استكناه مهمتها، فهل كانت قلعة لرد هجومات الشعوب الهندية المُغيرة من غير الإنكا؟ أم كانت حصناً اعتصم فيه آخر الإنكيين بعد اندحار إمبراطوريتهم وأفول شمسها على يد الإسبان؟ أم كانت قلعة منيعة، أو ثكنة عسكرية حصينة؟ ويشير توينبي إلى أنه اتضح له أن هذه القلعة كانت مكاناً لتقديم القرابين، وهي تضم مختلف الأساليب المعمارية عند الإنكا». 
ويسترسل في وصف هذه القلعة قائلاً: «إن الناظر من أعالي بناءات ماتشُو بيتشُو يرى أمامه بساطاً أخضر لامتناهياً، ثم يبدو له النهر مترامي الأطراف يحيط بقلعة ماتشو بيتشو التي تغدو شبيهة بشبه جزيرة محاطة بغلالة من ضبابٍ كثيف».
أما نحن.. فبعد أن وقع نظرناعلى كوسكو، وبعده على ماتشُو بيتشُو، راعنا ما رأيناه.. توقفنا قليلاً لنسترد بعض الأنفاس، ومثلما كان يفعل قدماء الإنكا، ومثلما فعل توينبي نفسه عام 1956 جلسنا قليلاً في مكانٍ يُسمى «ككنكو»، وبينما أشق طريقي مع الرفاق بين الأخاديد والشروخ والمتاهات، والأحجار الصلدة.. لم أصدق نفسي، إذ كأنني كنت أوجد في قلب «جازيلي كايا» أمام الصخرة المخطوطة التي كانت ذات مرة المكان المبجل عند الحيثيين، ففي الأناضول وفي البيرو نجد الأشكال الغامضة نفسها التي تحفل بالغرائبية وتبعث على التساؤل والعجب، والتي تثير في قلوب الناظرين إليها أحاسيس ومشاعر من الرعب والرهبة والدهشة والذهول، هذه «الصخرة» هي دليل تشابه وتقارب وتماثل وتثاقف وتداني الطبيعة البشرية، على الرغم من بعد المسافات ونأي الأماكن والأزمان .. إنها عجائب ماتشو بيتشو .. قلعة العمالقة!
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات