عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2018

قراءة في كتاب «فرسان الذاكرة» لغالب سمرين

 الدستور-خليل الشواقفة

كان من الرائع حقا أن يبدأ الكاتب غالب محمد سمرين هذه المحتويات النفيسة بالمشهد الأزلي للحوار والتمرد وإعلان الحرب بين آدم والشيطان وثم تلته مشاهد إدراكية لعالم النفوس التائهة والمتكسرة وجفوة الهزات المصيرية من الابتعاد والقوقعة والاستمراء للحرام عند بوابات العام 2017.
وهذا ما يقودنا إلى عمليات الإجهاض والذي قدم لنا هذا الإنسان الفارس بأسلوبه المشهدي عناصر المفاجآت القاتلة لكل ما هو إنساني وثبات النزعة الحيوانية التي تلف كثيرا من البشر. يقول كاتب السيرة في الصفحة الثامنة إن «من مدعاة السخرية والعار موقف نجيب محفوظ وهو يعتذر لليهود... وبأنه من أنصار السلام... فيرد عليه الكاتب ردا مرا على ثرثرته وتهافته على كسب رضا يهود وثقتهم.
بيد أن هذه المشاهدات التي حدثت دون تشوهات المكياج والأقنعة المزيفة لكثير ممن هم أشباه البشر كانت الدليل الواضح أننا نحن البشر ارتكبنا كل خطيئة، ولا مناص من القول إن هذه الحقائق والتي دفع القسم الأكبر من الفاتورة الإنسانية من لا ذكرى لهم في تطبيقات القرن الواحد والعشرين ولا يزيد الأمر بأكثر من هوامش الأدبيات عند الفرسان الأحرار الذين باتوا ولم يزالوا يذكروننا بأننا لم نكترث بما أوصونا به من رعاية ماضيهم وأفراده من الأبناء والأحفاد وأحفاد الأحفاد «هذا مؤلم» والقول الحق أننا بئس الوارثون للوصايا الخالدة.
يقول فارس فرسان الذاكرة في الصفحة التاسعة: «فقد شاهد وعايش الكاتب كيف يوفر» أشباه العرب البنية الإقليمية والدولية لدولة الغزاة يهود في تدميرهم لكل ما هو عربي ومسلم في فلسطين... ويمضي الكاتب معلنا اشمئزازه وقرفه من أمة تجللت بالعار وتجلببت بالدنيئة والخسة.
ما أجمل أن نحب والأجمل أن نجد من يحبنا... استهلال جريء لفارس آخى أحاسيسه التعبة من همزات السنين مع من أحب برؤية هادئة ودافئة تشعرك بالحنين إلى كل ما هو طيب وحنون... مشاهد أكثر من رائعة وهو يكشف بسلاسة ويسر عن أعماق الأحاسيس التي زرعها الله بنا ومن عشق العشق لهذه المرأة الرائعة مصدر الجمال والحنان والسكينة والهدوء والأروع من هذا كله ثمرات هذه العلاقة الإنسانية التي لم ولن تبخل علينا جميعا بهذه الزينة المتألقة في أكناف حياتنا ومع من أوفوا بحاضرة الوفاء والعطاء بلا حدود. لقد أسهب الكاتب في العطاء اللامحدود الذي قدمه الفلاسفة والمفكرون والأدباء والفنانون... اسحق نيوتن، ليوبولد رانك، مايكل أنجلو، والشاعر غوتة، وسقراط، والرئيس الأمريكي هاريت هوفر، والمصري شريف حتاتة، ومحمد حسنين هيكل... تألق الجميع وأصابوا ذروة نجاحهم في أعمارهم قبيل وما بعد التسعين.
وبالعودة إلى ما أثاره فينا هذا الفارس من ذاكرتنا العتيدة في 1978 عندما وقف على مدرج كلية الآداب في جامعة دمشق الشاعر والإنسان والثائر وغير الديوث العراقي مظفر النواب عندما قال بيتا من قصيدته الرائعة (قتلتنا الردة يا مولاي قتلتنا... إن الواحد منا يحمل في داخله ضده).
لقد استبق الزمن هذا الفارس وهو يروي لنا بقشعريرة أدب الرواية من خلال السرد لإحداثيات حقيقية مؤلمة ومدركة لسعة أفق هذا الفارس من وجد وحنين إلى ثورة النفس والإنسان على كل ما هو دنيا في الزمان والمكان... فيمر بنا عبر عصور الإلحاد الأوروبي ذي النزعة الديناميكية عند فردرك نيتشه، وديفيد هيوم، وجون لوك، وجان جاك روسو، وفولتير، وأتباعهم في صدامهم مع السلطة الدينية من أجل التقدم والتطور على حد زعمهم.
رؤية حادة وقوية في متاهات التمرد البشري على ذاته... والأروع من كل هذا تلك العفوية التي تدخلك إلى عالم الفرسان دون استئذان... فيكتب عن مرحلة الصبا مرحلة التفتح المبكر على الناس، مجالسته لوالده، وحماس والده وشغفه الشديد على اصطحاب صبيه معه كثيرا لارتياد مجالس الرجال... وفي زيارات مكوكية إلى القرى المجاورة لبلدته، يسيران بالليل يقطعان الطريق الطويلة كلها جبالا وتلالا ووديانا وحواف وسهولا وشعابا ومغاور وكهوفا، يدير أبوه الحديث معه حول الأرض: اسمها واسم مالكها مما حفر في وجدان الصبي هوس شديد بتذكر كل ذلك (صفحات 144-146). إلى جانب تلك الزيارات المكوكية السابقة اصطحاب الوالد لصبيه معه في زيارات نوعية لعظماء صنعوا التاريخ في حينه في الزمان والمكان... القادة الفلسطينيون عبد القادر الحسيني في منزله بالقاهرة، والقائد الأشهر المجاهد إبراهيم أبو دية بطل معركة القطمون وقائد سرية من سريات الجهاد المقدس، وزيارة أبرز قائد عربي إسلامي من الأردن الفاتح الثالث للقدس البطل عبد الله التل فاتح القدس في العصر الحديث.
نعم الفرسان الذين أضحوا هذه الأيام مجرد فرقة كواليس ليس لهم ظهور بين أسماء الذين جلسوا في المقدمة وأصبح لهم لغاليغ وكروشا يسومون بعدد الفرسان الذين قضوا والذين همشتهم زوايا المنحنيات في هذا الزمن الجريح... سرد جميل في زوايا المنحنيات في مذكرات داخلية لا يطلع عليها الكثيرون... لا نزال نلتمس في الأمر العجيب من هؤلاء الفرسان ذاك الشوق إلى نزهة معطرة في جبال وأودية الرفض لما يجري من بيع وشراء ومهادنة ومفاوضات لم تجلب لنا سوى العار والخزي...
مذكرات خالدة ورائعة في أي وجه قرأت... سياق أدبي ملتزم وجاد. أشبه ما يكون بإحداثيات رواية جميلة عشقها الرجال قبل النساء وهم يعيشون مع هذا الفارس خطواته الأولى من دبه على الأرض وحتى قطاف الورود من خدود الجميلات الصغيرات إلى شفافية الجلوس بحكمة والاستماع إلى المعرفة من خلال الكبار بكل معاني هذه الكلمة وهم يستثيرون فيك الرغبة الجامحة في ركوب هذه الخيل المتبقية على سفوح جبال الهامات ويأخذك معه في رحلة عفوية يملؤها صدى المعلوماتية في الإخبار عن ما هو يحضُر من وازع العطاء المعرفي من غير انتظار ولا سؤال... ويذكرني هذا الفصل بالساحر الذي عاش بمصر والذي يجد نفسه بأن ليس له أي شأن بالذي جرى... ويبين الكاتب ذلك بإيجاز بليغ ببيت من الشعر الرائع:
في كل شيء إذا أمعنت فلسفة
هيهات نقرأها في أعظم الكتب
إبهار وإبداع في تصويره وتعبيره الأخاذ في المشاهد واللحظات التي اقترفتها يداه وهو بلاغ شك الفارس الذي لم يغط رأسه تحت شعاع الشمس... ومهما كان من الإحداثيات من فرعونية مصر حتى العام 2017 أوجد لها هذا الفارس صدى في النفوس الحائرة والمصدومة من جرح هذا البلد العربي الأبي وهو يعلم بأن هذا البناء العظيم الشامخ لكل من حمل مصر العروبة بقلبه وأحسها بيديه وجوارحه عاش طويلا ومات شابا فتيا. يقول الفتى وهو يكتب سيرته الذاتية في مصر إنه ليس من المشاهير وليس يقصد الكشف عن العورة، وإنه لا يخشى اتهامه بالفعل الفاضح، كما لا يحسب لمحاسبته بأثر رجعي من قبل قرائه، فيكتب حول هذا دون مساءة أو حرج:
وانشر الفضل ما أوتيته علما
وما عليك إذا لم تفهم البقر
شطحات أدبية في معترك أزمنة الفتوة والشباب وهي تنساب بتدارك الزمن بهيبته على صفحات علو هذا الفارس من وجد وألم لطالما أتعبته مدارك البوابات للبلدات القديمة للقدس وقرى فلسطين الجريحة في طول الذكريات ولذة المتغيرات لرؤيا هذا الفارس في مراحل عمره...
إن فكرة الأدب والأديب منذ القدم احتوت قدرة اللغة على أن تنقل إلينا حقائق الأشياء والتاريخ، وإنها – إن جاز التعبير – تثير فينا صورا ذهنية قديمة نتلقاها من الخارج والداخل والتي توقع فينا ولوج الأفكار والأحاسيس من الكاتب إلى القارئ.
ومع هذا الجزء من الاحتواء فإني أرى مدى براعة كتابة هذه الذاكرة بأدب الواقع وتلميحاته ورموزه التي أسبل عليها أدب التراث الممزوج بروحانية الألم لموقعه المفروض من مواقع الأحداث المجردة عن كل نفاق اجتماعي. يقول الكاتب حول الرمزية والتجريد: «عشت الرياضيات منذ الصغر: أساسياتها وتعقيداتها في كل فروعها... الحساب والجبر والهندسة: هندسة المثلثات، واللوغاريتمات ونظرية فيثاغورس والمنطق الرياضي... هي اللغة الثانية لغة التجريد فأحببت علوم التجريد وعشقتها: الفلسفة والمنطق الصوري وعلم النفس بجميع حقوله ومجالاته وعلوم الاجتماع إلى جانب مادة العلوم والفيزياء والأحياء والكيمياء.
يمكن القول بأن حجم القدرة على الخيال الأدبي اللماح الذي جسده هذا الفارس أدت إلى كل عقلانية وامتداد، وبالرغم من قيود الوعي المرتهن بثقافة أدب الواقع.... أعتقد أن الاستدراك للترتيب بين هذه الحوادث ظاهرة لهذه الذاكرة قد يوصلنا إلى إدراك الأسباب واستنباط التعبير عن الحقيقة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات