عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Nov-2018

"قطف الزيتون" موسم الخير والفرح يتجدد مع أولى زخات المطر

 

تغريد السعايدة
 
عمان-الغد-  مع أولى زخات المطر التي غسلت بقطراتها أوراق وحبات الزيتون العالقة، أُعلن عن بدء الموسم الزراعي الذي تنتظره العائلات، بحثاً عن كمية كافية "لتمويل مونة البيت من زيت وزيتون"، وهو يعد وجبة أساسية في جميع بيوت الأردنيين على مدار العام.
وفي مثل هذا الوقت من كل عام، تكون أم طارق قد جهزت كميات من الزيتون "الكبس" أو المخلل، والذي يعد مونة لا يخلو منها أي البيت، غير أنها لهذا العام لم تتمكن من تجهيز كميات كبيرة، كون الزيتون ليس بالجودة ذاتها في الأعوام السابقة.
ذلك دفعها إلى شراء كميات من الزيتون الأخضر قبل أيام، وتجهيزه في البيت، وتوزيع كميات منه على أبنائها المتزوجين، كما اعتادت كل عام.
وتعمد عائلة أبو طارق إلى تأخير قطف الزيتون "للزيت" إلى الفترة التي يسبقها تساقط للأمطار؛ حيث يتم من خلال هذا المطر غسل الزيتون والتخلص من الغبار العالقة عليه، حتى تتمكن الأسرة من التعاون في قطف الثمار، بدون حدوث أي حالة "تحسس مرضي" من الغبار، عدا عن أن الشتاء قد يساعد على مضاعفة إنتاج الزيت بعد ري الأشجار.
أم طارق الستينية، ما تزال تحاول مع عائلتها أن تستمتع بأجواء قطف الزيتون التي لطالما كانت جميلة وتجمع أفراد العائلة، يرافق ذلك العديد من الطقوس التي تحتفظ بها في ذاكرتها، منذ طفولتها ولغاية الآن. ولكن مع مرور الوقت وزواج الأبناء، أصبحت هذه الأجواء تتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت مجرد ذكريات تجتاحها كلما هلّ موسم القطاف.
بيد أن عائلة الحاج نمر محمود، ما تزال تعيش الأجواء ذاتها التي اعتادوا عليها منذ سنواتٍ طويلة، كما تقول ابنته المتزوجة أم خالد؛ إذ تؤكد أن والدها الثمانيني ما يزال يُصر على لمة الأسرة في موسم قطف الزيتون، ليكون موسم فرح وبهجة للأطفال قبل الكبار.
وتقول أم خالد، إنها تستعد في كل عام لهذا الموسم، وتهيئ أبناءها وتحدثهم عن ذكرياتها في موسم القطاف، وما يرافقه من جلسات وتناول وجبة الغداء والفطور في "الحاكورة" برفقة أهلها وأعمامها، وتحاول أن تزرع في وجدان أبنائها حب تكرار هذه الطقوس من خلال تحضير الغداء لهم أو الفطور، والتوجه لمساعدة جدهم في القطف، خلال العطلة المدرسية، وتناول الطعام في الأرض.
وتعتقد أم خالد، وهي موظفة كذلك، أن هذه الأجواء جميلة بكل ما تحمل ما تفاصيل، فهي صورة للتآلف، والتعاون بين أبناء العائلة الكبيرة، خاصة وأنها تجمع الكبار والصغار، والشباب والفتيات، ليستلم كل منهم مهمته في هذا العمل، والجميع يعمل بحب وسعادة، لتظهر نتيجة هذا العمل العائلي بعد أن يتم توزيع كميات من الزيت على الأسر، وهو شعور ما تزال "تنتظره لغاية الآن"، كما تقول.
ويحرص المتقاعد أبو حسام على أن يجمع كل أفراد الأسرة خلال عطلة نهاية الأسبوع في هذا التوقيت من كل عام، للمشاركة في قطاف الزيتون، الذي يرى أنه موسم خير وعطاء وأجواء أسرية جميلة عاشها سنوات طويلة مع أهله، وكان في هذا الوقت من كل عام خلال تواجده على رأس عمله يتقدم لإجازة لا تقل عن أسبوع بهدف مساعدة الأهل على قطف الزيتون، كونها مهمة كبيرة، ويجب تقسيمها على الجميع، فالخير يتوزع عليهم جميعاً في النهاية.
ويبدي أبو حسام استغرابه في الكثير من الأحيان، من العائلات التي تملك مساحة متواضعة من الأرض المزروعة، ويقومون بـ"تضمينها" لقطف الزيتون، ومن ثم عصره، وإعطاء أجر مقابل ذلك.
ويبرر أبو حسام تعجبه من ذلك، كونه يرى أن الإنسان هو الأقدر على المحافظة على أشجاره وعدم الإساءة لها خلال فرط الزيتون، بينما العاملون بأجرة قد يقومون بضرب الشجرة بالعصا، لإكمال العمل بأقرب وقت، كما يصف أبو حسام.
ويتمنى لو أن كل أسرة تستغل هذه المناسبة الاجتماعية في التجمع والتسلية في الوقت ذاته، خاصة وأن قطف الزيتون ليس بالأمر الصعب، ولا يتطلب جهداً كبيراً بوجود تعاون عائلي وتقسيم الأدوار على الجميع.
ويعتبر أخصائي علم الاجتماع، الدكتور سري ناصر، أن هناك العديد من التقاليد والطقوس الاجتماعية التي لا يمكن أن تغيب مع مرور الزمن؛ إذ يمكن أن تشهد تغيراً على تفاصيلها، فهي تعد من الثوابت لدى العائلات الممتدة، ومن بينها موسم قطاف الزيتون، الذي يعد إشارة إلى استمرارية تقاليد المجتمع والتمسك بما بقي منها منذ عقود.
ويعتقد ناصر أن الاهتمام بهذا العمل كان في المجتمعات القروية وامتد للعائلات التي استقرت في بيوت مستقلة، وبدؤوا بزراعة أشجار الزيتون، لتصبح مصدر دخل لهم، وتؤمن مونة غذائية، خاصة وأن هذا الموسم يسبق الشتاء الذي يتطلب "تخزين البيت بالمؤن".
لذا، كان لزاماً أن تحافظ الأسرة على هذه التقليد، حتى تطور إلى أن أصبح عادة اجتماعية أسرية في الوقت ذاته، كما يبين ناصر، وقد تختلف في بعض تفاصيلها أو طبيعة الأدوات المستخدمة، ولكن ما يزال جزء كبير من المجتمع يحاول التمسك بهذه الطقوس والأجواء العائلية الحميمية لما تحمله فيما بعد من ذكريات جميلة لدى الكثيرين تتجدد في كل عام.
وتعد الأردن من الدول العربية التي تتميز بإنتاج زيت الزيتون بجودة عالية، ولا يخلو بيت في القرى إلا وفي محيطه مجموعة من أشجار الزيتون، عدا عن المزارع الكبيرة التي تنتج كميات ضخمة قد يتم تصدير جزء منها للخارج، وبيع نسبة في الأسواق الأردنية، وبأسعار متفاوتة بحسب كمية الإنتاج من عام لآخر.
وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في الأردن بحوالي 640 ألف دونم تشكل حوالي 74 بالمائة من المساحة المزروعة بالأشجار المثمرة، ويبلغ عدد أشجار الزيتون المثمرة قرابة 12 مليون شجرة، أما غير المثمرة فيقدر عددها بحوالي مليوني شجرة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات