عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Mar-2017

مكتبة النور عثمان أبكر*أمير تاج السر

القدس العربي-افتتحت يوم الثلاثاء الماضي في السودان، مكتبة عامة مصغرة باسم الشاعر الكبير: النور عثمان أبكر، الذي رحل منذ أكثر من سبع سنوات، تاركا إرثا كبيرا، سواء في تلك المجموعات الشعرية التي ظل يبدعها منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى قبل سنوات قليلة من وفاته، أو الكتب القيمة التي ترجمها عن اللغتين الإنكليزية والألمانية، أو الكتب التي كان يقتنيها من أي مكان في العالم، وبأي طريقة، وضمت آلاف المعارف التي هضمها النور في حياته، وقدم جزءا كبيرا منها للناس.
وهذه المكتبة التي افتتحت أخيرا، في بيته الذي يقع في ضاحية الخرطوم بحري، بعد ترتيب محتوياتها وتصنيفها، وفهرستها، من أجل تسهيل الاستعارة، هي كتبه التي كانت تحتل من قبل، مساحة كبيرة في بيته في الدوحة، تحتل كل صالات البيت تقريبا، وقسما من الغرف، وتبدو للزائر، مكتبة عامة بالفعل، تستحق أن تسجل هكذا، وتتاح كتبها للقراء، لا مكتبة بيتية، يستطيع أي أحد إنشائها، ولطالما انبهرت بتلك المكتبة في الزيارات المتكررة التي كنت أقوم بها لبيت النور، أتصفح الكتب قديمها وحديثها، وأعثر على كتب سمعت بها ولم أكن أتوقع أن أجدها أمامي، وكتب شاهدتها متوهجة وغالية السعر، في مكتبات في القاهرة وبيروت، ولم أستطع اقتناءها، وقد كان النور سعيدا بهذه المكتبة، سعيدا بها جدا، يتغذى منها باستمرار ويغذيها، وقد وضع طاولته وكومبيوتره في وسط غابة الكتب، يعمل في التأليف والترجمة، ويلتقط بين حين وآخر مرجعا يبحث فيه عن شيء، أو حين تباغته نشوة الشعر، يلتقط ديوانا للمجذوب، أو محمد عبد الحي، أو أي شاعر آخر، من أولئك الذين تركوا حصادا وافرا منغما، يقوم بقراءة قصائده بصوته العميق، وإلقائه الذي كان إلقاء شاعر حقيقي، درس الإنكليزية والألمانية وبقي شاعرا عربيا فخما، وقارئا عربيا، في معظم قراءاته، ويؤمن أن هذه اللغة التي ربما لم يحتف بها العالم كما يجب، هي اللغة التي تصنع النغم، وتعطي موسيقى بلا حدود في الشعر.
وبالطبع كان ذلك صحيحا، فلا توجد في رأيي الشخصي، لغة غاصة بالبلاغة والمفردات الجزلة مثل هذه اللغة العظيمة، اللغة العربية، وحتى اللهجات العامية، المشتقة منها، وتستخدمها الشعوب المختلفة تجد فيها عذوبة وموسيقى.
النور كما هو معروف، كتب ديواني: «صحو الكلمات المنسية»، و»غناء للعشب والزهرة» مبكرا وكانت قصائدهما لامعة، ومحقونة بالتساؤلات، وعُدّت فتحا في الكتابة الشعرية، ذات الهوية الوطنية، وكتب بعدها مشاريع كثيرة، منها ديوان: «أتعلم وجهك» الذي كان تنوعا حداثيا بين الواقع والرومانسية ولكن فيه بصمات النور، الذي ظهر من ضمن جيل متفرد، كل يكتب بأدوات مميزة اختلفت عن أدوات الآخر، ومنهم محمد المكي إبراهيم، الإنسان، وأستاذ الشعر الذي تأثرنا به كلنا، وما تزال مفرداته طرية ورطبة ومواكبة، كأنها تجدد نفسها يوميا بلا رغبة في النزوح إلى القدم أبدا، ومنهم محمد عبد الحي الذي مات مبكرا، وكان أفريقي الهوى والكتابة، ورائدا أيضا من رواد الحداثة الشعرية في السودان.
تلك الأيام كان الشعر كما هو معروف، هو السيد في كل الكتابات، ولم تكن للرواية أي سمعة كبيرة، كانت أو صغيرة، وكانت محصورة عند كتاب معروفين، يكتبون باستمرار، ونادرا ما يهل روائي جديد، تتجه إليه الأنظار.
كان النور يسمح، كما قلت، بالتجول في صالات بيته وتصفح الكتب، لم يكن يمانع أبدا حتى بالجلوس يوما كاملا في بيته، لقراءة كتاب ما، لكن نادرا ما كان يسمح بأن ينتقل كتاب من أحد رفوف المكتبة، إلى شخص أراد مطالعته في مكان آخر، وغير معروف إن كان سيرده مرة أخرى أم لا؟ لذلك كنت أصادق مكتبته في مكانها، ولكن وفي بادرة نادرة للغاية، سمح لي باستعارة كتاب «الطبقات» لود ضيف الله بتحقيق يوسف فضل، وهو كتاب نادر من كتب التراث السوداني، جمعت فيه سير الأولياء الصالحين، بكثير من الأسطرة، وينبغي لكل أديب وكاتب، الاطلاع عليه، لما فيه من إيحاءات خصبة، ومواقف مؤثرة، تمنح الخيال بذورا يقتاتها. وأظنني استفدت منه كثيرا، وتعلمت منه شيئا من صياغة الأساطير، لكنه لم يبق معي لزمن طويل مع الأسف، فقد زارني النور ذات يوم، ولم يكن في مزاج جيد، استعاد الكتاب، ورده إلى مكانه الطبيعي في مكتبته، أيضا أعارني مرة بعض روايات حنا مينا، مثل «الشراع والعاصفة»، و»الياطر»، وكنت متشوقا لأقرأ له بعد غيبة. أيضا أعارني رواية جيمس جويس الشهيرة «يوليسيس»، وكنت متكاسلا من قراءتها، لكنني قرأتها. وفاجأني مرة بأن أهداني نسخة من ديوان «ورد أقل» لمحمد درويش، ما تزال عندي وأعود إليها كلما اشتقت إلى شعر حقيقي. ولا بد أن أذكر أن بداياتي الكتابية، منتصف التسعينيات، كانت برعايته، وكان يقوم بمراجعتها، ومنحي بعض الأفكار، قبل أن أشرع في طباعة أي عمل. ولأنه شاعر في النهاية، كانت تستهويه تلك الكتابات التي كان للشعر نصيب كبير من لحمها.
مكتبة النور التي انتقلت من بيته في الدوحة، بعد وفاته المؤلمة، إثر مرض مفاجئ، إلى بيته في السودان، تضم أكثر من سبعة آلاف كتاب ومجلد، معظمها بالعربية، وثمة كتب بالإنكليزية والألمانية، وأظن مثل هذا العدد من الكتب، كافيا ليجد فيه كل قارئ أراد زيارة المكتبة، ما يريد. توجد كتب في الرواية، في الشعر، في النقد، في التاريخ والجغرافيا، وعلوم الأديان، وتوجد كتب رحلات سجلها أوروبيون، قاموا بزيارات للوطن العربي وللسودان خاصة، باختصار، توجد مكتبة عامة مكتملة، وفي مكان جيد، ويسهل الوصول إليه، وأعتقد أنها ستجد من يقصدها، ومن يستفيد من ذلك الخير الوفير الذي تحتويه.
 
٭ كاتب سوداني

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات