عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jun-2018

الإسلام وأزمة أنساق إنتاج المعرفة: من لغة الفقيه إلى فقه اللغة

 القدس العربي-بشير عمري

 يتسم العقل الإسلامي المعاصر (لاسيما الحركي منه) بوصفه ظاهرة اعتراضية في نسق العقلانية الخالصة المستوية على التاريخ اليوم، بشيء من التعالي عن منجز التاريخ، وحسبان ذلك ضلالا حضاريا كونه ينبع من ضلال عقدي يصادم الناموس الفطري، الذي كان يتوجب أن تبنى عليه أسس البناء الحضاري الإنساني أو الرباني، حسب توصيفات وتصنيفات خطاب الاعتراض والنقض الإسلامي للتاريخ، حتى إذا ما تفجرت أسئلة كبرى من نبع العقلانية التاريخية اليوم، لم تجد حسما إيجابيا ومجيبا من المرجعية الإسلامية ذات المعرفة المرتبطة بالنص، كون أدوات الاستنباط الحافرة في بُنى هذا النص لم تعد تفي بغرض لحظة تاريخ تكتسح فيها أداة السؤال العابر لليقينيات كل متاريس الغيب وتابوهات الشهادة.
فإلى وقت قريب جدا كان يُعتقد أن نظرية التطور التي تُدرس في الغرب، باعتبارها يقينا عقلانيا لا يمكن تجاوزه لتفسير انبثاق الوجود الأول لمركز الوعي الوجودي أي الإنسان، هي أبعد من أن تفرض قلقها على النظرية الإسلامية في هذا الصدد، التي حفلت بها تأويلات تراثية أولى بالحسم في الخلق الخاص الإنسان وفق القصة المروية في القرآن الكريم، في أكثر من سورة وآية، توقف فيها العقل الإسلامي عند التأكيد على أن جنس البشر طارئ على الوجود جنسا ووعيا، وظل ذلك يقينا نصيا غيبيا ماضيا في تاريخ المعرفة الإسلامية بلا إشكال أو اعتراض مذهبي أو فلسفي، وهذا حتى في ظل تطور سؤال المعرفة الإسلامية زمان التماس مع عقلانية الفلسفة اليونانية، إلى أن تفجرت اللغة المعرفية من خارج النسق المعرفي الإسلامي، ذي التأسيس التراثي القديم، فاقتحمت النص متجاوزة متراس المنتج الثقافي التراثي، لتعيد السؤال وفق منطوق القرآن ذاته اللغوي والبياني، حول مسألة انبثاق الإنسان وظهوره المرحلي في الوجود، كما حمله ملمح اللغة القرآنية ذاته، ذاك الملمح الذي لن تقبض عليه نظرات لغة التراث وعيون العقل الآني.
ففيما بين لفظي التسوية التي رأى الفقيه اللغوي الراحل عبد الصبور شاهين أنها برهان بياني واضح على وجود البشر قبل صيرورتهم للإنسانية، بأداة الوعي الطارئة التي وسمها النص القرآني بنفخ الروح، مستعملا التفصيل النحوي ذي الدلالة والوظيفية التزمينية في حركية السرد القرآني، في ما يعرف بظرفي الزمان والمكان مثل إذا، إذ وثم، عزز طرح كهذا المفكر والطبيب الراحل مصطفى محمود، الرؤية عبر لفظة مفهومية أخرى تتيحها قدرة اللغة العربية على الاشتقاق ونحت المفاهيم وإيجاد مخرجات لها، وفق منطق ومطلق العربية وفقهها الواسع، إذ رد على الداروينية بتكسير لبنية لفظة حتى يستحيل في التفسير الإسلامي، وفق رؤيته طبعا من «التطور» إلى «التطوير» أي نفي عفوية وتلقائية التطور ونسبها لفاعل وإرادة معلومة.
لكن السؤال الذي فرض نفسه في سجال الانبثاقية الإنسانية في الوجود بعد استراحة الحسم اليقيني، التي عاش في ظلالها العقل الإسلامي، هو كيف خرج سلطان التأويل والحسم من يد الفقيه بشمولية وعمومية معوله المعرفي، الذي اعتاد به تفسير الإسلام للوجود وتأكيده على عدم قدرة الوجود وحركيته واصطخابه في العقل الإنساني على مساءلة الإسلام، إلى فضاء نخب التدبر العقلاني التي لا تنصرم عن الدائرة أو النسق المعرفي الإسلامي ذي الخلفية التراثية؟
يحيلنا سؤال كهذا في البدء إلى ضرورة رسم ترتيبات وتأثيثات بيت النقاش في القضايا الفكرية والعلمية الإسلامية، إذ عادة ما تظهر مواضعها وموضوعاتها مصنفة ومحددة وفق الانتماء للدوائر الفكرية المعلومة، فكل حامل لرؤية خارج منطوق التراثي الفقهي القديم، فهو بالضرورة قاطع مع الرؤية الإسلامية، وبهذا صارت الرؤية الإسلامية هي ما دون التراث وإنتاجه المعاد في رسائل وأطاريح لا تتجاوز أعتاب الرؤى السلفية الأولى، وأي سعي لتعدي حدود النص التراثي ستفسر بكونها تعديا لحدود النص المرجعي، الذي هو القرآن، كما لو أن العقل التراثي قبض على الحقيقة القرآنية، ولم يعد هناك من مجال لتمثل النص وتدبره من جديد مثلما تقتضيه صبغته الخلودية، ولذلك وجد الإسلام في شرطية اندراجه في التاريخ بين أزمة خلود نصه المرجعي وتخليد مرجعيات تأويله.
هنا تتوجب الإشارة إلى حقيقة اللغة بتنوعها الألسني في تفاعلها التاريخي كصانعة للحضارة، وكيف أنها تشكل أداة ربط معرفي بين جل خطابات المعرفة على اختلاف أجناسها ومذاهبها، وقدرة تطورها التفاعلي العلمي والعملي على خلخلة نظام معرفي لأي جماعة حضارية أو فكرية، فتطورها الذي ينشأ من أسباب ذاتية وموضوعية متصلة بتطور العقل والمعقولية الإنسانية قد يفضي إلى كسر حواجز التراث الحافظة منها والمحافظة، فالجدل الحاصل حاليا في قضايا كانت مسلمات بذاتها وموضوعاتها الاجتهادية في التراث الفكري والفقهي الإسلاميين صارت محل إعادة تنظير وتفكير عميقين، وفق المستجد من أسئلة التماس النسقي المعرفي المشترك الذي أتاحه تقارب فضاء اللغة بتقارب الأزمنة والأمكنة على صُعد الاتصال والتواصل، الحافلة والمصطخبة بنقاش الحقيقة ومطلقات الفُهوم التي تستهدفها، وبدون أن تقبض عليها طبعا.
إذن هي بالتالي حالة دنو من حسم جدلي كبرى يعيشها مسرح التفكير الإسلامي بين قطبيه التجديدي من جهة والمحافظ من جهة أخرى، أي بين حملة فقه اللغة، الحافر في جسد النص المقدس والمسلحين بلغة الفقيه ذات البنية الدلالية التراثية، سيكون لنهاية هذا الحسم تأثير كبير على مستقبل التفكيرالإسلامي، بحيث سيتحرر من قيود لغة أعجزته عن القفز على ثوابت أسستها لغة مستقرة في فضاء معنى خاص يأبى العقل السلفي أن يقبل بنهاية الكثير من محطاتها الدلالية، بوصفها معقولية اللحظة ومقاربة مفهومية عبر متن تأويلي للنص المرجعي، الذي هو القرآن الكريم والذي ما اكتسب صفة الخلود سوى بحمله لهذه القدرة الرهيبة والعجيبة على استيعاب المعقولية التاريخية، التي تمضي في سنن تجديدية ممتدة وهادرة بهدير نهر الزمن الطويل، مصاحبة لقصة الحضارة بتناوب أجناسها على قيادتها وطليعة نموذجها التاريخي، وهو السياق التجديدي الذي أورده القرآن ذاته في معرض ربط قدرة الإنسان على البناء الحضاري وخطيئته في فصل تلك القدرة عن مصدرها المطلق، في ما أشار إليه ووصفه بنسيان تلكم القدرة التي ترد بالعقاب المثلي والأمثل حين تنسي هذا الإنسان المتعالي بمنجز حضارته نفسه.
 
٭ كاتب جزائري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات