عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Apr-2018

إنشاء الدوائر!

 القدس العربي-رضا نازه

 قبل أن أدخلها عرفتُ عن بُعد أنها جارةُ بحر قاسٍ وذاتُ فصلٍ وحيد. عرفتُ.. كما يُعَرِّفُك الألمُ مكانَ عُضوٍ منك كانتِ العافيةُ تستره. مسيرةُ ساعتين قلبَتْ عقربَ العام، وجوٌّ بارد استقبلَنَا فورا. لقد فررنا نغيرُ جوَّ صيفٍ حار على بعد كيلومترات فإذا بنا نغير الفصول. 
نادانا شفناج القرية حين مررنا أمامَه نداءَ مودِّع، وأشار بيديه مرارا وبإلحاح. لم أعره اهتماما وأنا السائق والسائقُ أميرُ الركب، ولا يخلو أميرٌ من تحكم، لكنني كنت في شُغْل من خيبتي، ولو أمكنني أن أعودَ أدراجي وأهربَ منه ومن قرية زَّمهرير- بول (على وزن كابول وستانبول) هاته لفعلت فورا. وهل تجوز مغادرةُ قرية قبل جولة؟ تجاوزته بقسوة اللامبالاة وهو ما زال يلوح بيديه في المرآة المعكوسة. عجيبٌ كيف أنه لا يختفي ولا يخفت.
لا يُستساغ أن تقول لشخص مثلا «فور وصولك الدار البيضاء أو مراكش أو طنجة دع الشفناج عن يمينك وسِر يسارا، أو دعه عن يسارك وسِر يمينا..» نعم المدن الكبيرة تعج بالشفناجين والجزارين والنجارين والحرفيين، لكنْ تحجبهم الدروبُ والبنايات والإدارات والشوارع ويحجب بعضَ ذلك بعضٌ، والكلُّ تحجُبه دهشةُ الدخول والوصول. أما في هذه القرية فالشفناج الوحيد يطلع عليك مباشرة وتطلعُ عليه، وريحُ عجينه المقلي يحملها إليك الأثيرُ مباشرة صافية كأمواج إذاعةٍ يتيمة في الفيافي. وحرارتُه؟ لا بد أن تتحسر عليها وتندم. إنه بجدارةٍ مَعلمُ المكان الرئيس، ويصلح لبحث فردي صغير أو لمسح خرائطي كبير. 
أكملنا المسير ولم يواسني الاستكشاف. كل الدروبُ تؤدي إلى الماء وتصب في البحر كأنها دلتا نهر جافٍّ شارد بارد. لا أستطيع فتحَ النافذة. الرياح عاتية تتلقفك عُنوة عند كل منعطف، والسيارة صارَ لها زفير وصفير لم أسمعه منها قط. لم نلبث أن بلغنا في لمحة عين نهايةَ القريةِ المترجلة في بحر، فإذا هي مترجلة في نهرٍ أيضا، وإذا النهر حين سألتُ عنه هو تانسيف. إنه مصب تانسيفت وموقع الحصن الذي ارتبط بتوسعات البرتغال وقضْمِ السواحل، وبالقائد يحيى أوتعفوفت، حبيبِ البرتغال وربيبِهم. كلاوي القرن السادسِ عشر وشيخُه الأويسي في القيادة. لقد وجدتُ «أكوز» رغم أنني دفعتُ ثمن اكتشافها من صيفي الغابر. أكوز.. الخنجر بالأمازيغية والخنجرُ بلغة الريح كذلك.
كان تانسيفت يزج مياهَه في البحر رغم مقاومة الموج، وعلى صفحة مائه تبدو آلاف النتوءات مثل جلودنا المقرورة. حتى النهر مقشعر والبحر كذلك، وقشعريرةُ البحر أكبر. تساءلتُ في نفسي لماذا تانسيفت جافٌّ في مراكش كُبرى حواضره ويجري هنا وينهمر؟ بعد تأمل فهمتُ أن البحر سابع سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، وأنه ينفق بيمين المد ما لا ترى شِمالُ الجزر، ويحفظ للنهر مياه وجهه في صمت.
عند الشاطئ خرجنا من السيارة نريد المشي بتمهل فوجدنا أنفسنا نهرول، كأن العطلة انتهت وعلينا الإسراع إلى مقر العمل كي ندْفَأ. نزلنا الشاطئ. كان امتدادا للمصب ومليئا بحجارة الوديان الملساء الفطحاء. انتقينا منها حباتٍ للعبة القذف والارتداد. لكن رغم جوارها للبحر لم يكن البحر يسعفها. البحر غير لعوب. البحر جاد وغيرُ مُسالم كالبحيرات. رغم ذلك قذفنا بعضها فالتقمَها الموج فورا، وخشية نفادها منا دون متعة احتفظنا ببعضها لذِكرى عبورٍ هناك ذاتَ خريف في عِز الصيف.. ولا حديثَ عن حصة سباحة وقد كنتُ في الطريق متلهفا لدافعة أرخميدس. يكفيني من أرخميدس أوريكا أكوز.. ويا ليتني ذهبتُ إلى نهر وريكة فقط!
استعجلتُ العودة للسيارة لتقيني سياط الريح وأتممنا جولتنا على متنها. مررنا بمخيم التلاميذ. مساكين. كم رثيتُ لحالهم لكن الرثاء أحيانا كثيرة يكون إسقاطٌا وهميا للذات على الغير. لعلهم من ذرية ملاحين كبار وفي شفرتهم الوراثية حمضُ الزمهرير النووي. 
وعادت بنا الطريق لنقطة الانطلاق: «الشفناج!» هو بداية دائرة القرية ومنتهاها، وحرفتُه إنشاء دوائر العجين المُخمَّر المقلي. الآن اشتهيتُ دوائرَ عجينه التي تتضمن شفرةَ تاريخ من حميم الزيت ومن حميم الحرب وصراع النفوذ. وصلنا محله الدافئ فتحسرتُ أن لم أتوقف في البداية. لأجل الدفء، ولأجل أننا وجدناه يهيئ آخر ربطة إسفنج لزبونٍ كان معه رفيقٌ آسيوي. ظنّا منه أن الشخصَ الآسيويَّ صينيٌ بالضرورة وبحكم شكله صار الشفناج يحدثه عن بروس- لي وجاكي شان. لكن الآسيوي انتفض وقال: «نو نو.. سامسونغ.. سامسونغ» وانصرف مع رفيقة في خطو سريع متوتر كلعبة إلكترونية. لبث «الشفناج» يدير عينيه ويتساءل عن المقصد من ذكر سامسونغ؟ وما دخل الهاتف الذكي؟ ولابد أنه صيني غبي؟ فلكل قوم نصيبٌ من أغبياء. خرجت عن صمتي وقلت: 
«- لقد قال لك إنه كوري!» 
سامسونغ جنسية وهوية.. سامسونغ كوكب.. يا صديقي يا صانع أصفار العجين اللذيذة!
اختفى المواطن السامسونغي وصفعني «الشفناج» بقوله «الإسفنج انتهى..» قالها بنبرة متعالية لم تشفع فيها معلومتي عن جنسية زبونه؛ ولعله حسبها إهانة انضافت لإهانة مروريَ الأول ولامبالاتي بندائه. لكنه في المقابل ناول زوجتي إسفنجة واحدة اقتطعها بأريحية من زبون شاب، إما أنه قريبُه أو أنه فهم عنه ما لم أفهم. حسبته ينتقم من إعراضي عنه أولَ مجيئي. ناولها الإسفنجة وهو يلح عليها أن تأكل ويستسمحها ويستعفيها من المزيد. تظاهرتُ بالغضب واحتججتُ على العنصرية ومقاربة النوع حتى في أكوز.. لكنه قال لي في نبل لا يُرى على وجهه الملوح بلفح الزيت:
«- الإسفنجة أعطيتها لامرأتك.. لا أدري لعلها تكون في وَحْم.. «
علمتُ حينها أن جوار الرياح لا يطفئ اللهيب بالضرورة، وأن اللهيب لا يحرق الحنيفية الإبراهيمية بالضرورة، وأن القرَّ غيرُ بعيد عن الحر بالضرورة، وأنه بات ضرورة أن أنصرف لحالي.
 
٭ قاص مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات