عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Mar-2018

ماذا تعني انتخابات إيطاليا للاتحاد الأوروبي؟

 الغد-لوكريزيا رايشلين

روما- ينبغي للانتخابات التي شهدتها إيطاليا مؤخراً -حيث رَفَض الناخبون الأحزاب التقليدية لصالح الحركات المناهضة للمؤسسة والأحزاب اليمينية المتطرفة، وهو ما أفضى إلى برلمان معلق- أن تعمل عمل ناقوس الخطر في أوروباً. فالمشروع الذي استغرق عقوداً من الزمن لبناء الوحدة الأوروبية قد لا يكون أقل قوة مما كان مفترضاً فحسب؛ بل وربما لا يكون قابلاً حتى للحياة إذا لم يخضع لإعادة النظر بعمق.
كشفت الأزمة المالية في العام 2008 وأزمة الديون التي أعقبتها عن عيوب كبرى في إدارة الاتحاد الاقتصادي والنقدي. وقد استجابت الدول الأعضاء ببناء مؤسسات جديدة، مثل آلية الإشراف المنفردة وآلية الاستقرار الأوروبي. ولكن يكاد يكون من المؤكد أن هذه الجهود غير كافية لجعل الاتحاد الاقتصادي والنقدي مرناً بالقدر الذي يمكنه من الصمود في مواجهة الأزمات المالية في المستقبل. وينبغي لكل من يؤمن بالمشروع الأوروبي أن يأمل في قدوم المزيد من الإصلاحات قريباً.
لكن هناك مهمة أكثر إلحاحاً. فالآن يواجه الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي والنقدي بشكل خاص تحديا سياسياً بالغ الخطورة، والذي تجسد في انتخابات إيطاليا الأخيرة. فهل تكون المؤسسات الأوروبية قوية بالقدر الكافي للتصدي لهذا التحدي، أو يتعين علينا أن نعيد النظر في -وربما نعيد صياغة- الركائز التي يستند إليها التعاون الأوروبي.
الواقع أن الارتباط بين الأزمات الاقتصادية والسياسية واضحة ومعروف جيدًا. فبين دول الاتحاد الأوروبي، شهدت إيطاليا ثاني أكبر انخفاض في الناتج (بعد اليونان) خلال العقد الماضي -وهو الاتجاه الذي تسبب في إحداث تدهور كبير في الرفاهة الاقتصادية. وكما تشير أبحاث حديثة، فإن ارتباط تراجع الرفاهة بالدعم السياسي الذي يحظى به الشعبويون أقوى من ارتباط المستوى المطلق للرفاهة بهذا الدعم.
وعلى هذا، يكاد يكون من المحتم أن تفضي الأزمات الاقتصادية إلى تقويض الاستقرار السياسي. لكن الخطر شديد بشكل خاص في الاتحاد الأوروبي، لأن القوى السياسية الشعبوية من المرجح إذا فازت بالسلطة أن ترفض، باسم السيادة الوطنية، القواعد فوق الوطنية التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه المؤسسات الأوروبية.
الملجأ الوحيد أمام الاتحاد الأوروبي في مواجهة عدم الامتثال على هذا النحو هو العقوبات -وهو حل مؤقت ولا يكفي لإبقاء الحكومات التي أقامت برامجها السياسية على عدم قبول قواعد الاتحاد الأوروبي المشتركة تحت السيطرة. وربما تعمل مثل هذه العقوبات حتى على تعزيز الدعم الشعبي للشعبويين. وتتجلى هذه الديناميكية في الخلاف الحالي حول الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وبعض دوله الأعضاء في الشرق، مثل المجر وبولندا.
بطبيعة الحال، إذا كانت القواعد موضوع المخالفة مالية، فقد تفرض الأسواق الانضباط اللازم، كما حدث في الفترة 2011-2012. ولكن اليوم، يعمل التعافي الاقتصادي الجاري ــ فضلا عن حقيقة مفادها أن الحكومات والبنوك المركزية تحتفظ بالقسم الأكبر من ديون الدول -على جعل استجابة السوق غير مضمونة على الإطلاق.
وتعمل الفوارق الإقليمية، مثل تلك التي تجلت بشكل صارخ في انتخابات إيطاليا الأخيرة، على زيادة الأمور تعقيداً على تعقيد للاتحاد الأوروبي. ففي حين كان أداء الأحزاب السياسية المناهضة للمؤسسة قوياً في مختلف أنحاء إيطاليا، وهو ما يعكس الإحباط واسع النطاق من الأحزاب الرئيسية، فإن الأمر لم يخل أيضاً من انقسام واضح بين الشمال والجنوب.
فقد فضل الشمال الصناعي في إيطاليا حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف، الذي يحابي التخفيضات الضريبية ويعارض الهجرة. وفي المقابل، صوتت المناطق الجنوبية المحرومة اقتصاديا في إيطاليا -حيث بلغ معدل البطالة بين الشباب في بعض المناطق ما يقرب من 60 %- بأغلبية ساحقة لصالح حركة النجوم الخمسة، والتي تدعو إلى دخل أساسي مضمون وتدين فساد النخب المحلية.
ولا تقتصر أوجه التفاوت بين الناس على المستوى الإقليمي على إيطاليا. بل على العكس من ذلك، اتسعت فجوة التفاوت في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي منذ ثمانينيات القرن العشرين. والاتحاد الأوروبي لديه ميزانية لتضييق هذه الفجوة، والتي يستخدمها لدعم سياسات التماسك. ولكن في حين كانت تدابير تشجيع التقارب الاقتصادي ناجحة في العديد من المناطق، فإنها فشلت في مناطق أخرى، مثل جنوب إيطاليا، وتحديداً بسبب الضعف المؤسسي والفساد المستشري الذي يشجبه الشعبويون.
وكما يعرف أي شخص لديه خبرة في سياسات التنمية، فإن التحويلات المالية لا يمكنها توليد نمو التقارب، ما لم تدعمها تغيرات مجتمعية عميقة -ويتطلب هذا قيادة محلية نشطة. ومن المهم إذن أن يلقي الإيطاليون بكل ثقلهم خلف دعم أولئك الذين انتقدوا إساءة استخدام السلطة من قِبَل النخب المحلية والأحزاب التقليدية، بدلاً من الاعتقاد بأن تلك النخب المحلية، ناهيك عن الاتحاد الأوروبي البعيد، قادرة على حل المشكلة.
قد يبدو أن هذا يعني ضمناً أن الاتحاد الأوروبي في احتياج إلى التمكن من فرض شروط أكثر تساهلاً للتعاون، بما في ذلك فوائد أقل من العضوية. ولكن في حين قد ينجح هذا في المجر على سبيل المثال، فإنه غير وارد في نظر دولة تنتمي إلى عضوية الاتحاد الاقتصادي والنقدي مثل إيطاليا. وفي كل الأحوال، إذا كان للاتحاد الأوروبي أن يظل قائما لفترة كافية لتنفيذ الإصلاحات المؤسسية اللازمة، فيتعين عليه أن يعمل على إيجاد السبل الكفيلة لجعل المشروع أكثر جاذبية في نظر الجميع.
 
*المديرة السابقة للأبحاث في البنك المركزي الأوروبي، وأستاذة علوم الاقتصاد في كلية لندن للأعمال.
*خاص بـ ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات