عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-May-2017

العرض اللبناني «جوغينغ».. حيث يمكن أن تحتمل التراجيديا بعض المرح

القدس العربي-حسن داوود
 
كانت المسرحية قد بدأت من قبل أن ندخل إلى الصالة، نحن من جئنا لمشاهدتها. حنان الحاج علي ، حين دخلنا، كانت تستأنف تمارينها، ممدّدة على الأرض، وتردّد مغرغرة كلمات ثلاثية الأحرف، تبدأ كلها بحرف الخاء، و»هي تمارين طبية تقوّي عضلة اللهاة في سقف الحلق».
الكتيّب الذي يحتوي نصّ المسرحية يذكر أيضا، أن حنان الحاج علي تبدأ عملها من قبل أن يصل جمهورها، ذلك يشبه دخوله خطأ قبل أن يكتمل التجهيز للعرض، كأن يفاجأ شخص بأن أحدا هناك يمارس حياته في الغرفة التي فتح بابها في سهوه. سيكون علينا أن ننتظر قليلا حتى يبدأ العرض الرسمي، لكن الخالي من المراسيم، والذي ستستأنَف من بعده المسرحية، أي أن لا شيء سيبدأ بعد الافتتاح طالما أنه بدأ قبله. هي رياضة صباحية، تقوم بها «حنان الحاج علي بنت علي أمين درويش، مواطنة لبنانية من أكثر من عشر سنوات، مواطنة فرنسية جَلَب» مولودة في بعبدا وهي من النبطية، ومتزوّجة من الماروني الذي، من دون أن تذكر اسمه، يعرف الكثيرون ممن أتوا لمشاهدة العرض أنه روجيه عساف.. إلخ.
كل شيء حقيقي هنا، حتى الكلام المراوغ عن الرياضة والنوم والهواجس والأفكار. وكذلك هو حقيقي الكلام الغامز المرح الذي يكاد يلامس الحميمية المنزلية. والجمهور، الذي يعرف أن حنان الحاج علي، ربما كانت أول ممثلة تؤدي أدوارها وهي مرتدية حجابها، وما تزال، يجد ما يحيّر في كلامها عن الجنس والدين، وما هو من قبيلهما. ولنضف إلى ذلك أن ما تقوله عن «النفس الدنيّة»، «حين نحلم بزلمي بيستاهل الفوته عجهنّم» تحملنا به إلى إفصاحٍ لن تخفّف من لبسه، إلى قوله بلغة مرحة، مستنكَرة طالما أن هذا الزلمي قد يكون السنيورة، وهنا، في تناول السياسة وأشخاصها باب يضاف إلى مجال المسرحية اللامحدود في الكلام عن كل شيء يخطر لها.
وإلى هذا المجال المتسع تنضاف اللغة التي يجري اللعب بها. فحينا هي فصيحة وحينا ساخرة، وفي حين ثالث هي مراوغة ومقلّدة لكيف يحكي الناس لغاتهم.
ثم، إلى هذه الحرية في التنقل بين اللغات وأدوارها، هناك التنقل بين المواقف، حيث يبدو الانتقال مما هو محزن إلى ما هو ساخر وفكاهي هيّنا. كل ذلك يتعاقب في ذلك التداعي الذي يظل مستمرا حتى تلتقط حنان الحاج علي موضوعها من واحدة من لحظاته. إنه في تلك الصلة بين ما بلغته من ذروة قاسية في حياتها الشخصية تلك، حين أصيب ابنها بمرض عضال، وهو في عمر السابعة، وما حفظته من إعجاب لميديا بطلة إحدى مسرحيات يوريبيديس. الأولى منهما، حنان الحاج علي، أقرّت في المسرحية بأنها تمنت موت ابنها بعد فقدان كل أمل له، وهي راحت تتخيّل الإطباق على وجهه بالمخدة، أما الثانية، ميديا، فأكملت هذا حتى نهايته بأن قتلت ولديها (بعد أن كانت قد قتلت أخاها) وحملتهما معها ميتين صعودا إلى الشمس.
وعلى نحو ما جرى «اللعب» بكل ما يحيط بالحياة، ها هو اللعب يصيب التراجيديا اليونانية. تلك الرحلة التي قطعتها ميديا نحو قتل ولديها لم تخلُ روايتها من سخرية، قوامها إنزال التراجيديا، بلغتها ومشاعرها، إلى مستوى ما ينكّتّ به كلام السخرية العادي، المحلي، بل الأكثر عادية ومحلية، في وصفها للعلاقة بين جازون حبيبها الأسطوري، والملك كريون، الأسطوري أيضا، بأنهما «طيزين بفرد لباس». وهذا على الرغم من أنها، في ذكرها لعلاقتها المسرحية بشخصية ميديا، تنقل جانبا من شغفها بالميدان الذي تعمل فيه.
القناعان اللذان يرمزان إلى المسرح (القناع الضاحك والآخر المتجهّم) مختلطان هنا، حيث كل شيء قابل لأن يكون بخلاف ما هو. ما يُحزن يمكن العبث به في حين، كما يمكن، في موقف مجاور، أن يرتفع الحزن ليصل إلى ذروة من التراجيديا، تلك التي انقضى عهدها، حسب ما تقول حنان في أحد تداعياتها. وذلك يحدث مرّتين، مرّة مع إيفون التي كانت قد قتلت ولديها انتقاما لعشقها زوجها، وزهرة التي قضى أولادها الثلاثة، اثنان في جنوب بلدهما، وثالث في شماله، رغم العهد الذي قطعته مع الله على حبه وعبادته.
على حافة ما يستدعيه الشك بالدين أيضا، تضع حنان بطلتها زهرة، التي حكايتها، شأن حكاية إيفون، وكذلك شأن حكاية ميديا، مدعاة للتساؤل عن كل جدوى. ونحن في الصالة نتساءل، مرة أخرى، إلى أين ستذهب حنان، هي التي تبقى مرتدية حجابها. في أحد المشاهد تراوغنا برفعها الحجاب عن رأسها لينفلت الشعر الغزير المخبّأ منذ سنين كثيرة، لكننا لم نلبث أن رأينا هذا (الشعر) يُخلع هو أيضا، كاشفا عن حجاب آخر تحته.
قرأت خطأ ما كُتب تحت كلمة «جوغينغ»، عنوان مسرحية حنان الحاج علي، جملة «مسرح قيد التطوير». بدا لي من النظرة السريعة، وأنا خارج من مشاهدة عرضها في جامعة القديس يوسف، أن ما يسبق «.. قيد التطوير» هو مسرحية وليس مسرحا. وربما، في ما أنا أسير باتجاه سيارتي المركونة غير بعيد من الجامعة، أدخلت تعديلا على كلمة تطوير، كأن تكون إضافة، أو توسيعا، أو حتى تطويرا يتيح للمسرحية أن تكون قاعدة لإعادة تفكير كاتبتها بما كانت رأته قبلا، أو اعتقدتْه. أي أنها تركت عملها مفتوحا لإعادة الشغل فيه، أي أن نصّ المسرحية الذي يحتويه ذلك الكتيّب قد يتمدّد أو يتشعّب، أو يتبدّل، تبعا لما سيطرأ على تفكير كاتبته ومؤدّيته. وكقارئ للروايات خصوصا، لطالما تساءلت عن ذلك الفارق الذي بين الرواية والمسرح، ففي الأولى يبدو الروائي سائرا في خط واحد، ينبغي عدم الإزاحة عنه أبدا. فالرواية يجب أن تبقى ملتزمة فكرتها وأسلوبها، وهي لذلك هشة وشديدة الحساسية، إلى حدّ أن أيّ خروج عنها قد يعرّض بنيانها كلّه إلى الخلل. بداية أحداث الرواية متعلّقة بخاتمتها، أما ما بين البداية والخاتمة فمجرى واحد، متسلسل كتابيا، أو منطقيا. ينبغي عدم مزج الضحك بالمأساة، ولا أن تتنقّل الرواية حرّة بين هنا وهناك، معقبة لحظة الحزن بالضحك المقهقه، على نحو ما يفعل المسرح.
مسرحية «جوغينغ» كانت قد افتتحت عروضها في صالة صالح بركات للفنون المعاصرة في بيروت، ثم في الفضاء الثقافي Station ، والآن تقوم بجولة عروض لامركزية في كافة مناطق لبنان.
 
٭ روائي لبناني
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات