عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jun-2018

شعراء: في الرواية يوجد كل شيء… إلا المتعة

 «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: بين الشعر والرواية حروب استرداد خفية وطاحنة معا؛ حروب يخوضها كل جنس إبداعي منهما في النص وخارجه لاسترداد القارئ، ولنَيل الاعتراف الجَمعي به. هكذا يبدو أمر الشعر والرواية العربيَين، أو على الأقل هذا ما يفهَم من علاقتهما من خلال ما يلمح إليه أصحاب هذين الجنسين الإبداعيين، كلما سنحت لهم فرصة الهجوم ووجدَوا عتادَه. غير أن هذه الحروب الخفية لا تقدر على إخفاء حقيقتها المتناقضة، التي تقول إن في كل شاعر روائيا في حالة كمون، ينتظر فرصة ما ليظهر، وإن في كل روائي شاعرا مخنوقة لغته ومكدودا جهده. ولتقديم صورة عن هذه الحال الإبداعية توجهنا بأسئلة ثلاثة إلى مجموعة من الشعراء وهي: هل تلبي الرواية العربية الراهنة أفق انتظارك الجمالي؟ وهل ترغب في كتابة الرواية؟ وكيف يستطيع الشعر العربي الراهن أن ينجح في إدارة شأنه القرائي مع الناس؟

 
رواية تعود إلى رشدها
 
يقول الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار «لست قارئا جيدا للرواية العربية. وهذا راجع، فضلا عن كسلي، إلى تعودي منذ سنوات عديدة على قراءة روايات مترجمة: يابانية ولاتينية في الأساس، إضافة إلى روايات أخرى من أمريكا وأوروبا، وروايات أقل من إفريقيا السوداء. وهناك سبب آخر يرتبط بروايات مغربية قرأتها أيام دراستي أعطتني، كطالب يقرأ خارج المنهاج الدراسي أيضا، انطباعا مفاده أن كل شيء يوجد في هذه الروايات إلا المتعة. ما أقوله ربما يكون سيئا، لكنه الحقيقة. وهذا لا يعني أنني ألغي الرواية العربية، إن بعض الروايات التي كتبها مغاربة وعراقيون ومصريون وكويتيون وتوانسة ولبنانيون وسوريون وسودانيون أعلى قيمة وأدبا من الكثير من روايات أمريكية مشهورة. وهذا يجعلني رغم قراءاتي القليلة أؤمن بحاضر الرواية العربية وأتفاءل بمستقبلها. الاهتمام الراهن بالرواية العربية على مستوى الإعلام والتدريس والنقد والتتويج حمّس الكثيرين لكتابة هذا الجنس الأدبي، ووسط هذه الوفرة وصلتنا، كقراء لا يعنيهم سوى النص بعيدا عن ثنائية الضوء والظل، نصوص روائية عربية رائعة حقا، خصوصا من لدن الشباب الذين يكتبون وهم محمومون بالرغبة في القول أكثر من انشغالهم بتقنيات الكتابة. لقد ضاعت منا الرواية العربية في فترة من الفترات، حين صارت تكتب على ضوء المناهج النقدية والمعارف النظرية، الآن تعود الرواية العربية إلى رشدها. كتاب أمريكا مثلا وضعوا النظريات والمناهج في «الجارور» وأحكموا إغلاقه، ثم شرعوا في الكتابة، ما يهم في الرواية هو حياتها، وليس ما يوظفه الكاتب من معارف نقدية، تلك المعارف التي تجعل من العمل الأدبي نصا دراسيا جيدا، ورواية غير جيدة. ما يشدني، كقارئ، هو تلك الروايات الضاجة بالحياة. ينبغي أن تعيش الرواية قبل أن تكتبها. وأنا هنا لا أتحدث عن السيرة الذاتية، بل أقصد تلك القدرة المذهلة على تقمص حيوات الآخرين أيضا».
 
رواية تراوح مكانَها
 
أما الشاعر التونسي فتحي قمري فيرى أنه «من الإجحاف أن أقطع بالقول إن الرواية العربية الراهنة عاجزة عن تلبية أفق انتظاري لأسباب عديدة، أهمها كثافة ما ينشر اليوم من أعمال روائية في العالم العربي وصعوبة متابعتها بشكل مستمر، مقابل تقصيري في مواكبة هذا الكم من الأعمال، ما يجعلني عاجزا عن الجزم بموقف محدد. لكنني أرى من خلال ما أتيحت لي قراءته، ومن خلال بعض المؤشرات الموضوعية إن الرواية العربية مازالت تراوح مكانها في بحثها المستمر عن الخصوصية الثقافية، مقارنة بغيرها، بدليل تواضع مقروئيتها إذا ما نظرنا إلى هذا الشغف الكبير بقراءة الرواية المعربة، خاصة اللاتينية وشرقي آسيا، حيث نجح الروائي هنا وهناك في جذبنا إلى مناخات مختلفة وتصورات نراها مبتكرة في سرد وقائع تنسجم تماما مع ثقافة المكان الصادرة عنه، ومعبرة بدقة عن قيم مجتمعه ونواحي سلوكه. في حين ظلت الرواية العربية صدى لأصوات بعضها موروث وبعضها مما هو وافد، وعجزت عن أن تعبر عن لحظتها التاريخية بعمق.
إني وإن كنت محبا لقراءة الرواية، وآمل كتابتها فإنني أعتقد أنه لا يمكن للرغبة في كتابة الرواية وحدها أن تقود إلى تحققها، إذا لم تكن هذه الرغبة مرفوقة بمشروع روائي له خصوصيته وأهدافه. فكثير من الشعراء جربوا كتابتها، ولكن غالب أعمالهم ظل مجرد نزهة أو مزحة. والرواية ليست ضربا من المزاح فهي تستدعي معرفة واقتدارات غير متاحة لجميع الكتاب، والوعي بخطورة دورها اليوم يقتضي التروي قبل التفكير في خوض التجربة. ولا بد أن نعترف بأن الحاجة إلى الشعر اليوم تراجعت كثيرا، إن لم تكن في طريقها إلى الانعدام، بفعل ما صار يفصله عن الناس من حواجز مردها تصورات الشعراء عن الشعر وتثمينهم الخاطئ لقيمته. ومن ثمة على الشعر اليوم أن يحدد لنفسه قبل كل شيء الوظيفة التي تحقق لذة قراءته ومتعتها وتجعله يستعيد قارئه.
 
رواية الغثيان
 
يذهب الشاعر التونسي عبد الفتاح بن حمودة إلى تأكيد حقيقة أنه لم يجد إلى الآن الرواية التي يحلم بقراءتها، ويفسر ذلك بقوله: «وهذا تقصير مني، لأنني لم أطلع بالشكل الكافي على الروايات التونسية والعربية، فأنا أقرأ ما أعثر عليه باقتناء أعمال حسب المقدرة. ولكنني أرفض قراءة الروايات التي تحدث ضجيجا وبهرجا من خلال الجوائز. وأكيد أن هناك روايات أجمل منها وأفضل ولكنها لم تنل الشهرة. المشكلة حقا أن الكثير لا يفرق بين الرواية والسيرة الروائية والسيرة الذاتية وكتابة اليوميات والمذكرات. ظللت أبحث عن كتاب ماهرين في الرواية يستطيعون توظيف فنون السرد لفائدة الفن الروائي. وألاحظ ذلك الخلط المرعب الذي يدل عن جهل من خلال ما قرأت من أعمال روائية تونسية وعربية. كما ألاحظ كثرة الأخطاء بشكل مقرف حتى في أعمال نالت جوائز من بلدان عربية. ومن الطرائف أنني بدأت قراءة روايات مشهورة (أو كانت في طريقها الكاذب إلى الشهرة (تونسيا وعربيا) فشعرت بالغثيان والحاجة إلى التقيؤ منذ الصفحات الأولى، فلم أستطع إكمال تلك الروايات، بل هي أجداث روايات. إن ما ألقي به من روايات مهلهلة لا أعود إليه أبدا. وإذا أكملت قراءة رواية فهي إلى حد ما رواية. وثمة روايات مختلفة قرأتها تشجيعا لأصحابها لا غير. لأنني أعرف أنهم سيصبحون روائيين أفذاذا إذا واصلوا العمل بدون غرور. لكن للأسف المواهب الحقيقية تجد عراقيل كثيرة في بلدي. وأنا أنتظر صديقا تونسيا تحول من القصة إلى الرواية، يكتب في صمت رواية وأراهن عليها. كما أنني لا أقرأ الروايات التي يكتبها الدكاترة العرب. فأصحاب الدالات الفخمة أو المفخخة كما أطلق عليهم، لا يجيدون سوى النقد، هذا إذا تمكنوا من إجادته، ولا يجيدون سوى شروح تعيسة و«لَكلَكَة» عظام! كتبت منذ سنوات بعيدة الكثير من فصول السيرة الروائية ونشرتها بعضها في صحف، وللأسف ضاع أغلبها، بعد أن أكلتها الفئران. أعتقد أنني لا أصلح أبدا لكتابة الرواية. وربما أجد الوقت للعودة إلى مشروع السيرة الروائية. لا أرغب مطلقا في كتابة رواية فأنا لا أحب الضجر والملل. إن الشعر العربي يتطور، وتطوره خفي جدا، ولكن في ظل انتشار الفوضى والقذف الروائي، انحسر الشعر، والسبب الأول في نظري يعود إلى الشعراء أنفسهم، فالشاعر الأصيل لا يذهب إلى فنون السرد للحصول على جوائز، وإنما يعمل على تعميق تجربته الشعرية أولا. ظل الشعر نخبويا إلى حد ما. وهذا طبيعي. فالشعر الجيد نخبوي بالضرورة. ولا تغرنكم طوابير المتشاعرين والمتشاعرات في الملتقيات والمهرجانات والرمضانيات البائسة. إنها مجرد مقاولات ووحوحات شعرية لا غير. ورغم ذلك يظل الشعر الأصيل مخفيا (ولا أقصد بالأصيل الموزونَ مطلقا، فللأصالة عندي معنى آخر تماما) وسيصل الشعر إلى القراء لو برزت عدة عوامل. لا يصل الشعر دفعة واحدة. وهذا من طبيعة عمل الشعر فهو خفي ولا يرى. إن الشعر يعمل على تغيير الحساسيات وخلق جماليات جديدة وطرائق في القول مستحدثة لكنها لا تخرج عن النظام النحوي، أي ليس بكسر النظام النحوي العربي سنكتب شعرا. وللأسف الشديد أجد الكثير مما يكتب اليوم تحت يافطة الشعر، ومنه كثير منشور في مجموعات شعرية، مليئا بالأخطاء لغة ورقنا. لقد عم الاستسهال والإسهال، ورغم ذلك ستظل التجارب الشعرية الأصيلة تعمل في الخفاء بعيدا عن البهرج والضجر.
 
الرواية التي تشغل الناس
 
«العرب أمة تداركها الله على رأي صديقنا المتنبي، ضحكت من جهلها الأمم وما تزال تضحك»، بهذا يفتتح الشاعر التونسي عبدالوهاب المنصوري إجاباته، ويضيف قوله: «هي أمة لها مهمة واحدة ووحيدة على الأرض وهي العيش وكفى، العيش بما توفر وبما أمكن وكما اتفق. ويحدث أثناء رحلة العيش هذه أن ينزلق أحدهم في ميدان السياسة فيتسيس، وأن ينظم أحدهم شعرا، وأن يكتب أحدهم حكاية أو قصة أو قصة قصيرة أو قصيرة جدا حسب طول النفس في صدر كل قلم. غير أني لا أجد فرقا جوهريا ومهما بين القص والحكي والرواية… كلام مرسل منسرح مستريح من القيود التي فرضها القدامى على اندفاع الشعراء… ويحدث أن يمارس أحدنا لعبة كرة القدم ويفشل الجميع في ميادينهم ونعلل الفشل الذريع بمؤامرة حاكها أعداء الأمة بإتقان. وعادة ما يعمد العرب إلى الخلط بين الأشياء حتى لم يعد شيء قائما بذاته، فيتقمص الشاعر دور الراوي ويسطو الراوي على صدر الشاعر وعجزه وقافيته وإيقاعه متحججا بأن الرواية استكمال للقصيدة. وينتحل الناثر صفة الشاعر ليقدم للقطيع شعرا أو شعيرا منثورا أو نثرا مشعورا… فكان هذا الخلط العربي أحد أسباب الفشل في الكتابة، فلم نعثر على شاعر يسرق الأضواء في هذا العالم المبدع، ولم نجد رواية عربية تملأ الأرض وتشغل الناسَ. كيف نكتب ونبدع ونبلغ مستوى العالمية؟ وكيف نكون أمة مبدعة ونحن على هذه الحال من البلاهة والسذاجة والغباء؟ كيف نبدع ونحن أمة تقتل الإبداع؟ نحن أمة تنشئ جيشا من الموظفين في وزارات الثقافة ودواوينها لإفساد الذوق العام وتهميش المبدعين ونشر الرداءة لوجه الله، ولمنع الناجحين من الوصول إلى المتلقي في المناسبات. نحن أمة مناسبات بامتياز من عكاظ إلى ولائم أيامنا هذه. لذلك صديقي القارئ لا تحلم كثيرا برواية عربية جميلة أو ديوان شعر ساحر. أنا متشائم جدا».
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات