عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Apr-2018

المهدي: الأمن المجتمعي في بلداننا يتطلب صحوة فكرية ثقافية
الرأي - محمد الخصاونة
 
قال رئيس المنتدى العالمي للوسطية الإمام الصادق المهدي أن الأمن مطلب لكل الكائنات، ومع أن الكائنات الحية أمم أمثالنا في وجوه، لكن الإنسان من عالم الحيوان ومفارق له في ثلاثة أمور: ملكة روحية، وملكة عقلية، وحرية الاختيار، إن لله في الكون ثلاث آيات هي الوجود، والإنسان، والتنزيل، ومن دراسة حياة الإنسان قبل وبعد التنزيل يتضح أن للإنسان عشر ضرورات لا يتحقق له أمن شامل إلا إذا توافرت له تلك الضرورات بصورة متوازنة.
 
وأضاف المهدي في حديث إلى «الرأي» على هامش مشاركته في المؤتمر الدولي «الأمن المجتمعي واثره في وحدة الامة» الذي ينظمه المنتدى العالمي للوسطية بالتعاون مع رابطة العالم الاسلامي، أن الضرورات هي: روحية، مادية، عقلية، أخلاقية، عاطفية، اجتماعية، رياضية، جمالية، ترفيهية، وبيئية، وكل هذه الضرورات تدخل في تكوين الأمن المجتمعي، وبخاصة التنمية، فهي ليست مجرد النمو أي زيادة الثروة، ولكنها تشمل التنمية البشرية.
 
وحول الأمن المجتمعي في الإسلام قال المهدي أن الدول التاريخية في العالم الإٍسلامي قامت على شرعة المتغلب، وبالتالي كان مفهوم الأمن لديها أمن الدولة هذا مع أن نصوص الوحي الإسلامي واضحة في بيان للأمن واضح يحدد أمن الأفراد، والأسر، والجماعات، ويكفل للناس المشاركة، ويتطلب العدالة الاجتماعية، وقبول الآخر الملي وتأسيس العلاقة المنشودة على العهد والأمان.
 
وأضاف أن نصوص الوحي تحث على التكافل الاجتماعي ورفض التمايز الطبقي، وإيجاب توزيع الأموال، وأن الفهم الإسلامي للمال العام وظيفة اجتماعية محددة، وهو حتى لدى الأفراد يوجب مراعاة الوظيفة العامة للمال، أما المال العام فهو مسؤولية الجماعة.
 
وعن قصور تجارب المسلمين عن الإسلام بين المهدي أن أهم فريضة غائبة في العهدين الأموي والعباسي هي الشورى أي المشاركة في الشأن العام، وقيام الولاية على المغالبة كما جاء في مجلس البيعة ليزيد بن معاوية، والحقيقة أن حكام بني أمية وبني العباس التمسوا لحكمهم صفة إلهية تجنباً للمساءلة في تصريف الحقوق والأموال واعتبار أن أمن دولتهم هو إرادة الله والأمن المأمور به، وهذه المفاهيم هي التي ارتضاها جمهور الفقهاء.
 
وتابع: غابت المساءلة ومنها المساءلة عن المال العام وعن العدالة الاجتماعية والعدالة الإثنية والعدالة النوعية، وهذا الفهم هو الذي جعل غالبية بلداننا الآن أكثر بلدان العالم تقصيراً في ممارسة الحكم للمشاركة والمساءلة وأكثرها تمايزاً طبقياً، وأكثرها استقطابات إثنية وعرقية وظلما نوعيا، نعم حدث ويحدث نمو اقتصادي، ولكن الدراسة التي أجراها خبراء تشير إلى وجود نمو في البلدان العربية لا تنمية، فالتنمية تشير لتنمية الخدمات الاجتماعية في الصحة والتعليم ومحو الفقر والعطالة وتوافر الحريات.
 
وزاد: كل ما في مؤشرات الأمن المجتمعي والتنمية البشرية من مفاهيم بينتها الحضارة الإنسانية موجود في المبادئ التي أرشد إليها الوحي في الإسلام ما يجعل التجربة الإنسانية النيرة حجة داعمة لنصوص الوحي من باب، وصحيح هنالك تماثل بين العقد الاجتماعي والإنساني الحديث ونظام العلاقات الدولية القائم على الأمان والعهد ولكن الفرق أن العقد الاجتماعي والدولي الإٍسلامي توجبه هداية إلهية ما يجعل له أساساً روحياً وأخلاقياً وجزاء أخروياً.
 
وحول أمن الدولة لفت المهدي إلى أن الاستبداد ملة واحدة، وما أسس بالقوة تحميه القوة، وبالتالي تقام نظم مخندقة بالوسائل العسكرية والأمنية والأولوية لأمن الدولة وأمن النظام، ولا مكان للمشاركة والمساءلة والعدالة الاجتماعية في أشكالها الاقتصادية والخدمية والإثنية والنوعية والبيئية المختلفة، وهذه نظرة قصيرة لأن التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية من أهم ركائز استقرار المجتمع، فإن إهمال الفئات الفقيرة والشباب العاطل سوف يحولهم إلى قنابل اجتماعية لزعزعة أمن المجتمع، إن المجتمع الذي لا يهتم بأمر الأكثرية المحرومة لن يستطيع أن يحمي من غضبهم الأقلية الثرية، ونفس الشيء ينطبق على العدالة الثقافية والإثنية، فغيابها وشيوع خطاب قيمي أو عنصري يعلي البعض ويحط آخرين يؤدي لغبن يتفجر حروباً ونزاعات من أجل إثبات القيمة والذات الثقافية والحضارية سواء داخل البلدان أو في العالم.
 
ووصف المهدي الدور الدولي بالسالب، مؤكدا أن الدول الغربية تمارس عقداً اجتماعياً مستنيراً داخلياً فإنها في أكثر الأحيان تتعامل مع بلداننا بصورة انتهازية أهم معالمها: دعم استمرار الطغاة لأن التعامل مع الطغاة محجوب من المساءلة الشعبية، وأنهم تجاوزوا النزاعات القتالية بينهم، فإنهم يحرصون على دعمها في منطقتنا ويتمنون ألا ينتصر أحد طرفيها، والنظام الاقتصادي العالمي والعولمة وحتى نظام الأمم المتحدة يسخرونه لتغريب ثروة بلداننا والحيلولة دون توطين التكنولوجيا فيها لتستمر هذه البلدان مستهلكة.
 
وزاد: هنالك مظلمة أخرى، صحيح أن في ثقافتنا ومجتمعاتنا حواضن للتطرف هي: التكفير والمظالم، ولكن التطرف والإرهاب المنتشر حالياً صناعة مستوردة، ورغم ذلك يحملون المسلمين وأحياناً الإسلام المسؤولية عن ظواهر صنعوها.
 
وعن الأمن المجتمعي في الحضارة الغربية، أكد المهدي: في ماضي الإنسانية المظلم قامت نظم الحكم على التغلب بالقوة والاستبداد، وفي كثير من الثقافات عززوا سلطان الحكام بادعاء حقوق إلهية، والحضارة الغربية كانت خاضعة لمفاهيم سلطان ملوك ادعوا ولاية إلهية، ولكن على إثر عوامل ذاتية ومؤثرات من الحضارة الإسلامية انتقلت أوروبا من عصورها الوسطى إلى العصر الحديث عبر ثلاث ثورات: ثورة ثقافية انتصرت لحرية البحث العلمي، وثورة اقتصادية سخرت قوى الطبيعة لصنع الثروات، وثورة سياسية حررت الإنسان من وصاية السلاطين.
 
وقال المهدي: كان مفهوم الأمن لدى حكومات السلاطين هو أمن الدولة كمرجع نهائي، ما يعني التضحية بحقوق الأفراد والفئات الاجتماعية من أجل أمن الدولة، نتيجة لهذا التحرير من قرونهم الوسطى تطور مفهوم حقوق الإنسان، وحكم الشعوب، والحريات العامة، وتوافرت ثروات حسنت مستوى المعيشة والخدمات الاجتماعية، هذا التطور جرى عبر مدافعات كثيرة، وحروب أهلية وبينية، ما أثمر عقداً اجتماعياً جديداً بين الحكام والشعوب وعقداً دولياً بين الدول.
 
وزاد: في تجربة الحضارة الغربية صحب الاستثمار المادي الرأسمالي مظالم طبقية داخلياً وإمبريالية في الخارج، هذه المظالم هي الدافع للحركة الاشتراكية التي بشرت بثورة تحقق ولاية الطبقات المظلومة، ولكن في النهاية اتجه الفكر الأكثر قبولاً للاشتراكية الديمقراطية.
 
وتابع: في إطار المفاهيم الديمقراطية الاشتراكية هذه ترعرعت مفاهيم لحقوق الإنسان جسدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الأخرى، هذه المفاهيم نقلت الأمر من مفهوم أمن الدولة القديم إلى مفهوم الأمن المجتمعي، والمدهش أن الاستنارة في التعامل داخل أقطارهم لم يواكبها استنارة في التعامل مع الشعوب الأخرى خارج أوروبا، بل مارسوا إمبريالية فرضت الإرادة الأوربية على الشعوب الأخرى، وصاروا يعتبرون الأمن فيها هو أمن الإمبراطورية هذا عيب وهنالك ثلاثة عيوب أخرى هي:
 
صحب تطور الحضارة الأوربية الحديثة فكر علماني نافٍ لأية حقائق غيبية، ما أحدث في الحضارة الغربية عامة مجاعة روحية تؤثر سلباً على الأمن المجتمعي، وتعاملا استعلائيا مع الشعوب الأخرى ما صار يمثل خللاً مستمراً في العلاقات بين الأمم، واستهتارا بسلامة البيئة الطبيعية صار يعرض كوكب الأرض لمخاطر كبرى.
 
وعن الصحوة السياسية: وحدة أم تعاهد، أكد المهدي أن الأمن المجتمعي جزء من الأمن الشامل، وهو في بلداننا يتطلب صحوة فكرية ثقافية بموجبها ندرك ترابط مكونات الأمن المجتمعي، وصحوة سياسية تدرك أن العلة في أمر الأمن المجتمعي أن الحكم الاستبدادي الذي يحجر المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون هو الذي يحصر المطالب الأمنية في أمن الدولة على حساب الأمن بمفهومه الواسع.
 
وأضاف المهدي إن الصحوة السياسية مطلوبة لأنها المدخل: لإعطاء الأمن المجتمعي أهميته المستحقة وبخاصة التنمية والعدالة الاجتماعية ففي الأثر: «الفقر أخو الكفر، وإذا جاع المرء يأكل دينه، وهي المدخل للمصالحة بين الحكام والشعوب، والمدخل لقبول الآخر في إطار التنوع الملي، والطائفي، والإثني، والنوعي، فالنظم الديمقراطية أولى بالحرص على السلام المجتمعي وهي أولى بالحرص على تحقيق السلام بين الدول، والمدخل للاهتمام بملفات سلامة البيئة الطبيعية ومراعاة حقوق الأجيال القادمة، ولا أمل في وحدة الأمة بين نظم أوتوقراطية لأن حكم الفرد لا يسمح بمشاركة حقيقية.
 
وتابع: عندما تكون النظم قائمة على المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون، فإن النظرة للأمن سوف تكون مجتمعية، والشعوب لن تسمح بأية صفقات لمصلحة الآخر الدولي وعلى حساب المصالح الوطنية، هذا من شأنه وقف تغريب الأموال والخطة الماكرة: تدوير الأموال هذا من إيجابيات مشاركة الشعوب لدعم الأمن القومي، ومن نتائج المشاركة الشعبية وقوف الشعوب حائطاً مانعاً لأية مناورات تستغلها القوى الدولية وإسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية.
 
وحول القضية الفلسطينية، أوضح المهدي أن الشعوب سوف تصنع أسساً واضحة للتعامل مع إسرائيل معالمها: اليهود كالمسيحيين أهل كتاب هم إخواننا في الملة الإبراهيمية، والصهيونية حركة سياسية أسسها علمانيون كردة فعل لعداء السامية الذي كان منتشراً في أوروبا. هذا المبرر اختفى الآن لذلك عدد اليهود خارج فلسطين الآن أكبر منهم فيها وهم يجدون معاملة مميزة وبخاصة في أميركا وولاؤهم لوطنهم الخارجي مقدم على الانتماء لإسرائيل. إذن المبرر الظرفي للصهيونية قد اختفى، والحقائق الديمغرافية الآن فيما بين البحر والنهر تؤكد أن عدد الفلسطينيين يفوق عدد اليهود والزيادة صاعدة، ما يضع إسرائيل بين أن تكون دولة ثنائية القومية وديمقراطية أو دولة يهودية تقوم على الفصل العنصري.
 
وتابع: بصرف النظر عن هذه الحقيقة الدامغة لكيان إسرائيل فإن ما بين اليهود أنفسهم 15% فقط جماعة توراتية، والأغلبية علمانية تعيش مفارقة مدهشة أن الرب الذي لا يؤمنون به هو الذي أعطاهم الأرض، وهنالك تناقض سكاني آخر هو أن أغلبية السكان من أصول شرق أوسطية ومعهم صفوة من أصول أوروبية، أشكناز يحتقرون الشرقيين، وصدر أخيرا كتاب بقلم كريج كارستروم بعنوان: إلى متى سوف تبقى إسرائيل: التهديد الداخلي لبقائها، ان إسرائيل دولة هشة للغاية ينبغي ألا يسعى دراويش أمتنا لكسب ودها، وما تجده الآن من دعم بعض القيادات الدولية سحابة صيف.
 
وأكد المهدي أن البشرى لصمود الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية والإسلامية، بل كل الشعوب المحبة للسلام أن الصهيونية سوف يهزمها صمودهم أو تفككها الداخلي وزوال مبرر وجودها وصمود الشعب الفلسطيني التاريخي، فالواجب الآن دعم هذا الصمود حتى النصر هذا ما يملي التاريخ، علينا أن نفكر بجدية في كيفية الصمود حتى النصر، فلا يمكن الحديث عن أمن مجتمعي مع الاحتلال، فالأرض المحتلة أي الضفة الغربية، يهيمن عليها أمن الاحتلال لا الأمن المجتمعي، أما غزة فهي أسيرة محاصرة بالمرض والجوع وكافة أنواع الحرمان، لا مكان لأمن مجتمعي تحت الاحتلال والحصار.
 
وناشد مؤتمر القمة العربي القادم لأن يتخذ ثلاثة قرارات لا تسمح الظروف بغيرها، هي: تأييد الزحف الفلسطيني وإدانة الوحشية الإسرائيلية وإدانة تقاعس مجلس الأمن عن القيام بواجبه، وإعلان وقف إطلاق النار في كل الحروب المشتعلة في المنطقة، وتكوين هيئة حكماء للسعي في إبرام المصالحات، وتبني عربي لمشروع سلام إقليمي تقننه معاهدة سلام إقليمي.
 
وأوضح المهدي أن الحكم الراشد هو الذي يلتزم بالأمن المجتمعي في كافة جوانبه وبخاصة التنموية، وإن نصوص الوحي بل التجربة الإنسانية الواعية تبين مبادئ الحكم الراشد والأمن المجتمعي ولكن المسؤولية عن تطبيقها والمساءلة عن ذلك مسألة بشرية، فمقولة «إن الحكم إلا لله» التي تفوه بها الخوارج قديماً، ومقولة «الحاكمية لله» التي تقولها بعض الحركات الإسلامية حديثاً مقولات خاطئة، والحاكمية السياسية والمساءلة عن المال مهام بشرية.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات