عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Feb-2017

مقارنة اللغات على أساس وظيفي

الدستور-د. إبراهيم خليل
 
دأب اللغويون، ولا سيما في دوائر الاستشراق الغربي، على تصنيف اللغات في أسر، ومجموعات، تربط بينها علاقات القرابة، وفقًا لبعض الخصائص التي تتصف بها على المستوى التاريخي، والثقافي، والاجتماعي، فضلا عن المستوى اللساني. فالعربية، على سبيل المثال، واحدة من لغات عدة وُصفت بالساميات Semitic في حين أن الفرنسية والإيطالية والإسبانية تنتمي جميعا لأسرة منحدرة من سلالة واحدة هي اللاتينية، فيما تصنف الإنجليزية، والألمانية، في اللغات المنحدرة من أصل واحد هو لغة الأنجلو- سكسون، وقد وصفت هذه اللغات باللغات الهندو- أوروبية بعد أن أضيفت لها اللغة السنسكريتية، وهي اللغة التي كتبت بها الفيدا Vida وهو كتاب مقدس لدى قدماء الهنود، وقد تبين أن لهذه اللغة خواص نطقية، وتصريفية، مشابهة للغات الأوروبية. وانتشرتْ في العقود الأخيرة أفكارٌ جديدة حول تصنيف اللغات، ووضعت المعايير المذكورة على بساط البحث، ويذكر بارتيل مالمبرج في كتابه «مدخل إلى اللسانيات» أن ثمة أسبابًا كثيرة تدعو إلى إعادة النظر في هذه الفكرة التي كادت تكون من الأفكار المسلَّم بها لدى لغويي القرن التاسع عشر. 
 
وأما أ حمد المتوكل- من المغرب- فبعد إصداراته: الوظائف التداولية في اللغة العربية1985 واللسانيات الوظيفية – مدخل نظري 1989 وآفاق جديدة في نظرية النحو الوظيفي 1993 والخطاب وخصائص اللغة العربية 2010 وغيرها من مؤلفات تربي على العشرين، فيسعى في كتابٍ له صدر مؤخرًا بعنوان « اللسانيات الوظيفية المقارنة « (بيروت: الدار العربية للعلوم- ناشرون) لبسط هذه المسألة على أسُس جديدة، وهي البحثُ في ما تختلف فيه اللغات اختلافاً يُعزى إلى التنميط اللغوي، الذي يغلب على اللغة تركيبًا، ونحوًا، وصرفًا، وتطوّرًا. فالانتماءُ إلى سلالة لغوية ما لا يكفي وحده معياراً للتصنيف, وقد اتخذ المتوكل من اللغتين الفرنسية، والإنجليزية، نموذجيْن لمقارنة العربية بهما، فإذا كانتْ اللغتان من اللغات المبتدَئيّة – أيْ تلك التي تبدأ الجملة فيها بالمبتدأ – أو المسند إليه- يليه الخبر، الذي يتألف من تركيب فعلي، كقول القائل: Gorge is coming  فإن العربية من اللغات التي يغلبُ عليها النوعُ الفِعْلي، أي تلك اللغات التي تؤثر النمط الفعلي رأسًا للمركَّب، يليه الفاعل، والمفعول، إذا أمْكن. وهذا التنميط لا يمنع أن تبدأ الجملة العربي بمركب اسميِّ الرأس، فيكون الفاعلُ أولا، ثم الفعلُ بعده، وهو نسق تحويليٌ، كقول القائل: عليٌّ أخذ الكتاب، و أخذ عليٌّ الكتاب، و الكتابَ أخذه عليٌّ. وهذه المرونة في ترتيب أركان الجملة نابعة من أن اللغة العربية لغة معْرَبَة، فتغيير حركات أواخر الكلِم تسمحُ بهذا التحويل، فاللغاتُ الأخرى تعتمدُ على الرتب المحفوظة المواقع، في حين أن العبربية تعتمد أيضًا على الحركة الإعرابية، إلى جانب الرتبة، بدليل قوله تعالى في آية، (فريقاً تقتلونَ وتأسرونَ فريقا) ففي الأولى بدأ بالمفعول – اسْم- وفي الثانية بدأ بالفعل، وأخَّر المفعول، فيما بقي الفاعلُ يحتل موقع البؤرة في الجملتين بصفته المسندَ إليه، ويستطيع المتكلم بالعربية أن يقول: أكرم عليٌ خالدًا. وأكرمَ عليًا خالدٌ. وهذه التحوُّلاتُ، التي يمكن أن تطرأ على النمط الجمْليّ في العربية، وظيفيًا، تخضع لعدَدٍ من الاعتبارات، وعلى رأسِها المكوِّن السياقي. وهو تنميط يمكن اعتمادهُ كليًا، أو جزئيًا، في المقارنة بين اللغات، ورصد تطورها، فتوصف العربية بأنها مبتدئية فعلية، لا فعلية حسْب، ولا مبتدئيَّة حسْب، خلافا لما كان قد ذهب إليه داود عبده(2008، دار الكرمل، عمان، ص 103) من أن الجملة الفعلية في العربية أساسُها جملة اسمية تحوَّلَتْ إلى فعْلية. 
 
ومن المعايير التي عمَد إليها المتوكِّل، للمقارنة بين العربية واللغتين المذكورتين، ما يوصفُ بالتنميط الصرفي، وقد ذكر ما دأب على ذكره اللغويون من أنَّ اللغات ثلاثٌ، لغة لا تصريف فيها، ولا اشتقاق، وهي التي يقالُ لها: اللغات العازلة، أو النبرية، أو النغميَّة ton languages ومن هذا النمط اللغة الصينية، والفيتنناميّة. ولغة إلصاقيَّة، وهي التي تلجأ إلى التصريف، والاشتقاق، بوساطة اللواصق: سوابق prefix، أو لواحق suffix، أو حشو infix، ومنها اللغات التركية، والهنغارية، والأوروبية عمومًا، ولا سيما اللغتان الفرنسية، والإنجليزية. ولغةٌ تصرّفُ الجذورَ تصريفًا يؤدي، مع إضافة اللواصق، إلى تغيير الجذر نطقاً وكتابة، ومنها العربية. وقد مثَّل لذلك بكلمة (تأميم) ومقابلتها في الإنجليزية nationalization فقد أُضيفتْ إلى الجذر(الجذع) أربع لواصق، دون أن يتغير، لا نطقًا، ولا كتابة، في حين أنَّ كلمة تأميم بالعربية، وجذرها(أمَمَ) أضيفتْ إليها التاءُ، وتغيَّرت صورةُ الجذر، فبعد أن كان على وزن فعلَ، مثل كسَر، وحَطَمَ، أصبح على وزن تفعيل، مثل تكْسير، وتحْطيم. ولا ريبَ في أن المتوكل غاب عنه أنَّ تأميم ليست من الجذر (أمَمَ) مثلما يظنُّ، وإنما هي من الجذر (أمَّمَ) وفي ذلك فرق. وتبعًا لهذا تصنَّفُ اللغة العربية في عداد اللغات (الصاهِرة) أي تلك التي ينْصَهرُ فيها الجذرُ صَهْرًا، وتتبدل صورته كتابةً ونطقاً. ويتحرَّز المتوكل مشيرًا لبعض الشواذ في اللغتين، إلا أنهما، بصفةٍ عامَّة، لغتان إلصاقيتان، وبهذا تختلفان عن العربية في التنْميط الصرفي. 
 
على أن المتوكل لا يتنبَّه لوجود تصريف إلصاقي في اللغة العربية، لا انصهار فيه للجُذور، ولا يخالط الصيغة الصرفية فيه شيءٌ من التغيير كتابةً، ولا نطقاً. فالمثنى، وجمع المذكر السالم، والمؤنث السالم، واسم الجنس الجمعي، يُكتفى فيها جميعًا بإضافة اللواصق، أو حذفها، دون أدنى تغيير في صورة المفرد. أما تصريف الأفعال مع الضمائر، أو تبعًا لزمن حدوثها في الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل، أو ما يُعرف بالمشتقات من اسم فاعل، واسم مفعول، واسم آلة، إلخ... فلا بُدّ في ذلك من تغيير صورة الفعل كتابةً، ونطقًا، في الصيغة الجديدة. بيد أنَّ في العربية ما ليس في اللغتين، فمع التصريف يغدو الفعل دالا على الفاعل من حيث الجنس، تذكيرًا وتأنيثا، والعدد، مفردا أو جمعًا، نحو: يكتب (مذكر غائب مفرد) تكتب( مؤنثة مفردة غائبة). أو مذكر مفرد مخاطب. ونكتبُ جمع متكلم، وأكتب متكلم مفرد مذكر، أو مؤنث. وفي اللغتين الفرنسية، والإنجليزية، يلزم الفعلُ صورةً واحدةً، والدلالة على الفاعل إنما تكون من وحدة أخرى هي الفعل المساعد الذي تشترط مناسبته للضمير الفاعل، مثل:
 
I am coming
 
He is coming 
 
He was coming 
 
They are coming
 
ففي كل جملة، مما سبق، استعمل فعلٌ مساعدٌ يدلُّ على الفاعل، وما إذا كان جمعًا أم مفردًا، متكلمًا أم غائبًا، وهي مورفيمات منفصلة عن الفعل، وعن الفاعل، وهذا يضفي على تصريف الأفعال، في العربية شفافيةً لا نجدها في طرائق التصريف في الإنجليزية. ولدى السؤال عن حظ العربية من الأفعال المساعدة، فإنَّ الجواب يأتي بذكر أمثلة من مثل: أخذ ، وشرع، وطفق، وما شابه ذلك، وشاكلهُ، من أفعالِ المقارَبة، والشروع، ولكن اسْتعمال مثل هاتيك الأفعال شيءٌ اختياري في العربية، ولا تتوقَّف سلامةُ العبارة- نحويًا - على هذا الاستعمال، أو عدمه. أمَّا كانَ، وما يُلحق بها من الأفعال الناقِصَة، فقد صنِّفتْ في النواسِخ التي تنمُّ على التغير، والتحوّلِ من حالٍ لآخرى.
 
ومما تختلف فيه العربية عن اللغتين أن تصريف الفعل فيها لا يحتاج إلى مطابقة زمنية في حالتي الاستفهام والنفي: فيستطيع المتكلم بالعربية القول خالد يعودُ غدا ، وخالد لا يعودُ غدا، وأيعودُ خالدٌ غدًا. ولو جعلنا كلمة اليوم مكان غداً لبقي الفعل على ما هو عليه، فنقول خالد يعودُ اليوم، وخالدٌ لا يعودُ اليوم، وَ أيعودُ خالدٌ اليوم. وهذا لا يتسنَّى لمستعمل اللغة الإنجليزية، إذ لا بدَّ من زيادة أفعال مساعدة تتضمَّن مورفيم النفي، والاستفهام، مع المطابقة الزمنية التي يتطلَّبُها السياقُ اللفظي. فمُستعمل اللغة الإنجليزية، مثلا، يقول بمعنى: أتأتي غدًا: Are you coming to morrow وفي حال النفي مع الاستفهام يقول: Aren››››››››t you coming to morrow ولذا فإن العربيَّة، على هذا الصعيد، أكثر يُسرًا من اللغتين. وثمة شيءٌ آخرُ تختلفُ به العربية، وهو نظام التصغير، فيقال في العربية من كتاب كتيِّب، ومن نهْر نهيْر ، أما في الفرنسية فلا يمكن ذلك إلا بزيادة كلمة Petit ومعناها صغير، فتقولُ بدلا من كتيب petit livre وفي الإنجليزية small book ويتضح الفرق إذا تذكَّرْنا أن الإسبانية، وهي من اللغة الفرنسية في موضع القرابة، تصغِّرُ الاسم مباشرة، فبدلا منcasa  ومعناها منزل، يقال casita بيت صغير.
 
وتنفردُ العربية عن اللغتين بوجود علامة للتثنية، فيحول المفرد إلى مثنى بمورفيم هو الألف والنون في موقع الرفع. أما في الإنجليزية، التي تشبه الفرنسية، فلا ينقل المفرد لصورة المثنى إلا بإضافة كلمة اثنين two فتقول two men مقابل قولنا رجلين، و boys two مقابل قولنا بالعربية وَلَدَيْن. وفي الفرنسية deux levres مقابل قولنا كتابَيْن. والجمعُ باللغتين يجري بطريقة واحدة، فيضاف مورفيم الجمع للمفرد نحو cat الجمع cats إلا من بعض الشواذ، مثل: children و men وفي العربية ثمة أنواع عدة، وطرق شتى لجمع المفرد، ويستطيع مستخدم اللغة العربية اختيار الصيغة الملائمَة للجمع، فكلمة رجل: تجمَع رجال، ورجالات. وعمود تجمَع: أعمدة وعمدان وعمَدٌ وعواميد، وكلمة حفيد تجمع: أحفاد وَحَفَدَةٌ وحفيدون، وكله عربيٌ مقبول.
 
وبما أن اللغات ذات الأصل اللاتيني، وذات الأصل الأنجلو- سكسوني، تتغير، وتنتقلُ من حال إلى حال، خضوعًا، وامتثالا لمتطلبات الزمان، والمكان، فإن العربية هي الأخرى تتغيَّر، فتغدو لغيّاتٍ (لهجات) وقد أفرد المتوكل فصلا تتبَّع فيه أنماطًا مستحدثة من التراكيب النحوية، والطرائق التصريفيّة، المعبِّرَة عن دلالاتٍ جديدَةٍ في اللهجتين المصرية والمغربية. مؤكدًا ما فيهما من اقترابٍ من الفصيحة تارةً، ومن تشويه يعدُّه تطوُّرًا تارةً أُخْرى. وقد كنا نتمنى لو أنه لم يخضْ في هذا الفصل بما خاض فيه، فالتشويهُ لا يمكن أنْ يكون تطورًا، والتحريفُ لا يمكن أنْ يكون تقْعيدًا. ونحنُ لا نقول هذا من باب التعصُّب للعربيّة، وإنْ لم يُعِبِ المرءَ أنْ يتعصَّبَ للغته، وإنما لأنَّ جلَّ المحاولات التي نهض بها أصحابُها لمساواة اللهجات بالعربية الفصيحة، قد انتهت إلى رأي يكادُ يكونُ مَوْضعَ إجْماع، وهو أنَّ العاميّات- وإن كانت مجديةً في مجالات التخاطُب، والمعاملات اليوميّة - إلا أنها لا ترقى إلى مستوى لغة الكتابة التي تُسْتخدم في التعامُلات الرسمية، وفي التعليم، وفي تأليفِ الكتُب العلمية، والأدبية، وغيرها من مَصادر العِلْم، والتعَلُّم.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات