عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Mar-2018

مشكلة روسيا الكبرى في سورية: حليفها، الرئيس الأسد

 الغد-نيل ماكفارغوهار* - (النيويورك تايمز) 8/3/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
موسكو- بينما يجلس مع الرئيس السوري بشار الأسد في وقت متأخر من العام الماضي، وصف مبعوث رفيع للكرملين الفوائد التي ستأتي مع قيادة موسكو الصراع السوري نحو تسوية سياسية، وبشكل خاص مسألة إعادة إعمار البلد الذي مزقته الحرب.
لكن الرئيس الأسد قاطع حديث الروسي، متسائلاً لماذا يكون الحل السياسي ضرورياً من الأساس مع اقتراب الحكومة السورية من إحراز النصر، وفقاً لدبلوماسي عربي بارز تم إطلاعه على مجريات الاجتماع.
الآن، بعد عامين ونصف تقريباً من تدخله عسكرياً لدعم الرئيس الأسد، يجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه عالقاً في سورية، وعاجزاً تماماً عن إيجاد حل على الرغم من إعلانه أن "المهمة أنجِزت" في ثلاث مناسبات على الأقل. وفي حين أن تدخل بوتين العسكري كرَّس الكرملين كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ عقود، فإن تخليص روسيا من سورية يثبت أنه أكثر صعوبة بكثير مما تصور بوتين.
وتكمن المشكلة في أن موسكو قد ربطت حظوظها فعلياً بحظوظ الرئيس الأسد، مع وجود مساحة محدودة فقط للمناورة.
لا يستطيع الرئيس بوتين أن ينسحب، ولا أن يدفع بأي تغيير سياسي حقيقي في سورية من دون المخاطرة بانهيار حكومة الأسد، الأمر الذي سيعرض للخطر كلاً من الجهود المبذولة لتقليل النفوذ الأميركي في المنطقة، وهيبة بوتين الخاصة. ويقاوم الرئيس الأسد، الذي يدرك جيدًا حجم نفوذه، المحاولات الروسية للتوصل إلى حل وسط مع المعارضة السورية.
في هذا التوازن غير السار، تتواصل الحرب، مع نتائج غير معروفة بالنسبة لموسكو. وبوصفها أقوى لاعب خارجي في البلد، يتم إلقاء اللوم على روسيا بازدياد على التسبب بالمأساة التي يعانيها المدنيون السوريون.
يوم الثلاثاء، السادس من آذار (مارس)، أصدر محققو الأمم المتحدة تقريراً ربط سلاح الجو الروسي للمرة الأولى بارتكاب جريمة حرب محتملة، عندما نفذت طائرة مقاتلة روسية سلسلة من الهجمات في تشرين الثاني (نوفمبر) على بلدة الأتارب غرب حلب، والتي أسفرت عن مقتل 84 شخصا على الأقل وإصابة أكثر من 150 آخرين.
وفي جميع أنحاء سورية، يعرض المزيج المتغير باستمرار من القوات -بما في ذلك المرتزقة الروس الذين يتسبب مصيرهم بالصداع في الوطن- خطر تضخيم العنف وتعميق التورط الروسي في البلد. وفي الوقت نفسه، تعرض المنافسة المتنامية مع إيران بشأن عقود إعادة الإعمار خطر تآكل تحالف البلدين.
كانت خلافات روسيا مع دمشق واضحة تماما في اجتماع سري عن الشرق الأوسط عقد في موسكو في أواخر شباط (فبراير) الماضي.
وقد افتتح سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسية، اجتماعا استغرق يومين في "نادي فالداي للحوار"، والذي ربما يكون المنتدى السياسي الدولي الأبرز في روسيا، بتقييم وردي للجهود التي تقودها روسيا لتوحيد الأطراف السورية المنقسمة في مفاوضات لإنهاء الحرب. لكن الحكومة السورية لم تعرب عن أي اهتمام بذلك.
ففي خطاب لها، أغفلت بثينة شعبان، أحد أوثق مستشاري الأسد، كل ذكر لتسوية متفاوض عليها. وبدلاً من ذلك، قالت مرارا وتكرارا، إن دمشق ستعلن قريبا "نصرا نهائيا" قالت إنه تأخر بسبب المساعدة الأميركية والتركية للمعارضة.
وفي المقابل، أعربت روسيا عن إحباطها الواضح، حتى أن ورقة الموقف الصادرة عن منتدى فالداي التي وُضعت مسبقاً انتقدت الموقف السوري، قائلة "إن جزءاً من النخبة الحكومية (السورية) ربما تنطوي على آمال بتحقيق النصر العسكري أكثر من عنايتها بالفوائد الموزعة التي قد تجلبها المفاوضات في نهاية المطاف".
ويقول فيتالي ف. ناومكين، مدير معهد الدراسات الشرقية في الأكاديمية الروسية للعلوم والمستشار الحكومي الروسي الموثوق في شؤون الشرق الأوسط: "إن هذا النصر العسكري هو مجرد وهم؛ إنك لا تستطيع أن تكسب هذه المعركة".
وفي موسكو، أشار خبراء الشرق الأوسط والمحللون العسكريون إلى أن الانقسامات داخل الحكومة الروسية، خاصة داخل وزارة الدفاع، تسهم في توسيع الفجوة بين روسيا وسورية. فهناك فصيل حمائمي يريد أن يحافظ على هيبة الجيش التي تحسنت بوضوح، وأن يخرج من سورية، ويرى أن هزيمة جماعة "الدولة الإسلامية" المتشددة في العام الماضي كانت فرصة ضائعة للخروج. في حين ترى فصائل أكثر صقورية مزايا لروسيا في بقاء سورية جرحاً مفتوحاً.
على المستوى المهني، يتناوب الضباط الروس على الخدمة كل ثلاثة أشهر؛ حيث يكتسبون الخبرة في ميدان المعركة، ويحصلون على الترقيات والأجور الأعلى. كما وفر النزاع عرضاً تسويقياً للأسلحة الروسية التي تشكل أهم صادرات البلاد بعد النفط.
بالإضافة إلى ذلك، تصارع روسيا في سبيل احتواء الخلافات مع إيران وتركيا. فمن الناحية الاستراتيجية، تتفق موسكو وطهران حول هدف الحفاظ على الحكومة السورية الحالية. وهما تحتفظان بعلاقة عسكرية تكافلية أيضا، مع امتلاك روسيا للسماء في حين تنشر إيران على الأرض حوالي 60 ألف مقاتل يشكلون العمود الفقري لقوات النظام البرية.
ومع ذلك، تظهر الشقوق بين البلدين بينما تظهر مغريات حقبة إعادة الإعمار في مكان ما قريب في الأفق. وتحتاج قطاعات مهمة للاقتصاد السوري إلى إعادة بناء، خاصة استغلال النفط والغاز، والفوسفات، ومحطات الطاقة، وإنشاء مرفأ جديد وناقل ثالث للهواتف المحمولة.
يقول جهاد يازجي، محرر "تقرير سورية" المقيم في بيروت، إن إيران اعتقدت أنها حجزت مشاريعاً مهمة بسلسلة من المذكرات الموقعة في أوائل العام 2017. لكن أي عقود مؤكدة لم تتحقق بعد.
وقد تمكن ديميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، من استعادة بعض هذه المشاريع خلال زيارة قام بها إلى سورية في كانون الأول (ديسمبر)، وفقاً لما ذكره دبلوماسي عربي كبير تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، التزاماً بالبروتوكول الدبلوماسي. وفي العلن، أعلن السيد روغوزين أن روسيا قد فازت بالسيطرة الحصرية على قطاع النفط، الذي كانت شركات غربية قد طورته في السابق.
تشير ادعاءات كلا البلدين إلى أن الأمور ما تزال متقلبة. وفي الإشارة إلى أن روسيا قد حصلت بالفعل على تنازلات سياسية وعسكرية واقتصادية، قال رحيم صفوي، أحد كبار مستشاري آية الله علي خامنئي في إيران مؤخراً، إن سورية يمكن أن تسدد التكاليف التي تكبدتها إيران من خلال التعاون في قطاعاتها للنفط والغاز والفوسفات، كما ذكرت وكالة الأنباء الإيرانية "إسنا".
ومع ذلك، قال المبعوث الروسي الذي حضر الاجتماع مع السيد الأسد، السيد روغوزين، إن الشعب الروسي يتوقع بعض العوائد مقابل تضحياته، ووصف سورية بأنها "دولة غنية بلا حدود".
مع ذلك، وعلى الرغم من مطالبهما، لا تستطيع روسيا ولا إيران تحمل تكاليف إعادة الإعمار التي قدرتها سورية بأكثر من 200 مليار دولار. وبدلاً من ذلك، يبدو أن كلاهما تريد أن تكونا مجرد وكلاء لشركات خاصة أو دول أخرى. وقد علق معظم اللاعبين العرب والغربيين أي استثمار على تحقيق المصالحة السياسية. كما أن الصين تحجم عن الاستثمار أيضاً.
يقول الخبراء إن روسيا تصر على أن الحوار السياسي ما يزال حياً، ويرجع ذلك جزئياً إلى حاجتها إلى وجود حوار لإغواء الاتحاد الأوروبي والمانحين الآخرين. ويقول فلاديمير فرولوف، محلل السياسة الخارجية: "الأميركيون ودول الخليج والاتحاد الأوروبي علقوا جميعاً مشاركتهم في إعادة الإعمار على شرط وجود عملية سياسية ذات معنى، والتي لا يستطيع الروس استخلاصها من بشار. ولذلك يحاول الروس استخدام حملة علاقات عامة لجعل العملية الجارية تبدو وكأنها عملية دستورية حقيقية، يقودها السوريون الأصليون، بينما هي في الأساس مزيفة. لن يتفاوض بشار على خروجه من السلطة".
يبدو أن شبح أفغانستان -التي أصبحت مستنقعًا عسكريًا للاتحاد السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي وساعدت في تسريع انهياره- يحوم فوق سورية أيضاً. ومع ذلك، يبقى مستوى الالتزام الروسي في سورية أقل بكثير، من حيث المال وخسارة الأرواح، وأقل وضوحاً في الوطن أيضاً، ولا يشكل حتى الآن مشكلة مع الروس العاديين.
في نهاية المطاف، كما يقول المحللون، سوف يتعين على الكرملين التعامل مع واشنطن التي تسيطر قوات تحالفها على ثلث مساحة البلاد، بما في ذلك معظم ثروة النفط. ويعتقد العديد من الخبراء بأن شكلاً من أشكال الحوار الروسي-الأميركي، والذي يقنع بقية اللاعبين الخارجيين بالمشاركة، هو الأمل الوحيد لإنهاء الصراع.
من خلال تشبثها بالبقاء، تتوقع روسيا في النهاية التوصل إلى اتفاق سلام مع واشنطن، والذي يكون من شأنه تعزيز دور الكرملين المتحسِّن في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، ينطوي الانتظار على خطر انجرار روسيا إلى عمق أكبر في النزاع من خلال شرارة غير متوقعة تشعلها أي واحدة من جبهات المعارك العديدة المتوترة: في الشمال، بين تركيا وأعدائها منذ وقت طويل، الأكراد؛ وفي شرق سورية، بين قوات الحكومة السورية المدعومة من المرتزقة الروس والقوات المتحالفة مع الولايات المتحدة؛ وعلى طول حدود إسرائيل الطويلة مع لبنان وسورية بالقرب من مرتفعات الجولان، موقع المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل.
يقول بوريس ف. دولغوف، خبير الشرق الأوسط في أكاديمية العلوم الروسية: "ربما اعتقدت الحكومة الروسية أنها عندما تدمر ‘داعش’، فإن الحرب تكون قد انتهت، وأنها ستنهي العنف وتوفر الوسائل لحل سياسي. لكن الواقع ليس كذلك".
 
*أسهمت صوفيا كشكوفسكي في كتابة هذا التقرير من موسكو؛ وشارك توماس إردبرنك من طهران وهويدا سعد من بيروت، لبنان.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Russia’s Greatest Problem in Syria: Its Ally, President Assad
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات