عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jun-2018

ابن أمه *بروين حبيب

 القدس العربي-الأم العصبية دائمة التوتر التي غادرت روسيا إلى بولندا ثم إلى باريس لم تيأس أبدا أمام الظروف الصعبة التي عاشتها خلال ذلك الترحال مع ابنها الصغير رومان، بدت في كثير من الأحيان مجنونة، وهي تهز الطفل من كتفيه في لحظات ضعفه، لتذكره أنّه سيصبح دبلوماسيا كبيرا وبطلا، وأنه سينقذ شرف فرنسا، ويكون له شأن كبير.

الطفل الذي سخر منه أترابه سواء في المدرسة، أو في الثكنة حين التحق بالجيش بالفرنسي، أو حين بدأ نشر قصصه في الصحف، سرد الحكاية كلها في كتاب حين تحققت كل أمنيات أمه، التي آمنت به إلى آخر رمق، ولكنها لم تشهد تلك النجاحات التي حققها جميعها، ماتت وتركت له رسائل مكتوبة بخط يدها، تكفّلت صديقة لها بإرسالها بانتظام لابنها رومان بعد وفاتها. ثلاث سنوات والشاب رومان غاري يتلقى الرسائل من أمه، وهو في جبهة القتال، إلى أن عاد بطلا، توجه إلى بيتهم فلم يجدها، ثم توجه إلى المستشفى الذي كانت تتعالج فيه ليكتشف أنها غادرت منذ سنوات. 
رومان غاري الكاتب الفرنسي الوحيد الذي نال جائزة غونكور مرتين، مرة باسمه وأخرى باسم مستعار هو إيميل أجار. 
الكاتب لم يدخل دائرة اهتمامي إلا عن طريق قراءتي لمقالة الزميل الروائي حسن داوود، ما حمسني لحضور الفيلم، إذ لم أقرأ له سابقا، ولم يلتصق اسمه بذاكرتي حتى إن مرّ عليّ، ولا أدري هل لتقصير مني أم لتقصير في البرامج الجامعية؟ أم في الإعلام العربي المهتم بالأداب الأجنبية؟ مع أنني متهمة دوما بافتتاني بالآداب الأجنبية، والعواصم الغربية بما تحويه من متاحف وبيوت لكتاب وشعراء وفنانين.
وأعترف أن لأسفاري الفضل الكبير في تكوين ثقافتي، حتى أنني رغم عدم إتقاني لبعض اللغات إلا أن ذلك لم يمنعني من حضور مسرحيات، أو أوبرا، أو أفلام سينمائية، وحتى المكتبات كثيرا ما أغوتني، فأدخلها للتأمل، فألمس كتبها، وأستمتع بسحر أغلفتها بدون أن أفهم عناوينها. عشت هذا الشغف في كل العواصم التي حلمت بزيارتها، وبنيت خلفيتي الثقافية على إيقاع رغبتي الخاصة. وهذا كان نوعا من الوفاء والإخلاص لنهج رسمته لنفسي انطلاقا من طموح قديم.
الآن أعود لرومان غاري، إكتشافي المتأخر، بعد أن شاهدت الفيلم الذي حمل عنوان «وعد الفجر»، وهو نفسه عنوان سيرته التي خطّها بيده، حيث تفانت فيه مينا أمُّ غاري من أجل ابنها بحب مجنون تجاوز المعقول، وهو حب خانق، حب طوّق غاري خلال طفولته ومراهقته، حتى حين أصبح يافعا والتحق بالجيش، لم يفهم عنفوان أمه، ومبالغاتها في الإيمان بطاقاته. بالنسبة له كان شابا عاديا، أو أقلّ من عادي، ولنقل نصف فاشل، ولعلّ أشدّ ما أدهشني هو كيف أثرت فيه تلك العلاقة بأمه! الأم التي تركت آثارا باهتة في النصوص العربية، بحضورها المأساوي، وانسحاقها أمام الغبن المفتعل ضدها، ليست هي الأم في الآداب الأجنبية، وليست مينا أوكزينسكا التي كانت شخصيتها أقرب لشخصية مهرّج تغطي الألوان والبهجة المصطنعة ملامحه.
ها أنا أعود للمقارنات مرة أخرى، لا لأقول إن الأمهات في الغرب غير أمهاتنا، بل لأقول إن كتابنا مختلفون، وأقلامهم خانتهم حين كتبوا عن أمهاتهم، على الأقل ليس بهذه العظمة، ليس بهذا الوصف الذي تجاوز المخيلة، مع أن الأمهات، سواء كن هنا أو هناك فهن متشابهات. لكن الأم عندنا ناقصة، قد تصبح مدرسة إن إعددناها، حتى نحصل على شعب طيب الأعراق، وإلى ذلك الحين سنفكر مليا في طريقة إعدادها، ومن سيتكفّل بها؟ الفكر الذكوري الذي طحن المجتمعات العربية أو النخبة العالقة في عنق الزجاجة؟
ولعلّنا أحببنا أكثر صورة الأم «القديسة» العفيفة، الباذخة في التضحية بكل ما تملك من أجل أولادها، الصامتة، الكتومة، الجبارة في إخفاء آلامها وأمراضها ومعاناتها، وهي الصورة التي أُتخمنا بها في برامجنا المدرسية حتى تكونت في أذهاننا سحب كثيفة حجبت عنّا صور أمهاتنا الحقيقية، فأمهاتنا لسن إنسيات على كل حال، إنهن من سلالة الملائكة، وقلة جدا من تجرأ من كتابنا لكسر تلك الصورة، لكن أيضا بطريقة فيها من التجريح ما يكفي لاستنتاج بؤس علاقاتنا العائلية، بما فيها علاقاتنا بأمهاتنا.
في نصوص بيوغرافية أجنبية كثيرة، تحضر الأم المدرسة، الصانعة لمصائر أبنائها. في نصوصنا، الأم هي الشخصية الحاضرة الغائبة، هي الرمز، الأرض، الوطن، الذكرى البعيدة في دهاليز ذاكرة تشوشها الذكورة الحادّة، وهي بصيغة أخرى تبرز في أدب النساء «الغائب الرئيسي» بامتياز، مقابل صورة الأب التي تمثل كل شيء، انطلاقا من الإهداء إلى تفاصيل المحتوى. ثمة سر في تعلّق الأنثى العربية بوالدها، لدرجة حمل عبء علاقتها الطفولية به على عاتقها طيلة حياتها، حتى إن كاتبات بلغن سن الشيخوخة، وما زلن يكتبن نصوصا أشبه بتبييض الأموال لتبييض علاقاتهن الشائكة بآبائهن، وهي نصوص لا معنى لها إلا إذا قرئت من باب التحليل النفسي.
فهل يمكن أن نعتبرعلاقة رومان غاري بوالدته من هذا الصنف؟ أم أنّها علاقة فريدة، وشهادته في روايته «وعد الفجر» حقيقة، كتبها تكريما لأمه التي صنعته بجنونها وولعها به؟ وهل يمكن تخيل طرافة تلك الأم الكاريكاتيرية التي وصفها غاري في كتابه، وتحسس آثارها في جل ما كتبه على مدى سنواته الست والستين؟ 
حتى خوفه من الشيخوخة والمرض نبع من تلك المحبة العظيمة لأمه، هي التي صعبت شيخوختها مع معاناتها من مرض السكري، فصرّح أكثر من مرة أنه «لن يشيخ» و لن يسمح للشيخوخة أن تنخره وتشوهه، قال ذلك قبل أن ينهي حياته برصاصة في الفم ليغادر الحياة في أوج تألقه، آخذا معه أسرار شخصيته الغريبة.
كاتب تحايل على لجان التحكيم بأسماء مستعارة، عاش أكثر من حياة، حلّق بطائرته الحربية في سماء أوروبا وإفريقيا. مغامر، بطل فرنسي رغم يهوديته، وجذوره الروسية، دبلوماسي رفيع المستوى، تسلق سلم الحياة من الطبقة الحقيرة إلى الطبقة الثرية البراقة، لكنه امتلك أمًّا واحدة، وهذه الأم كانت محورا لحياته، كما كانت ملهمته.
الحبل السُّري الذي لم ينقطع بين كاتب وأمّه، كان أيضا حبلا أدبيا، توماس بيرنهارد نموذجا، ومارسيل بروست، وغيرهما، باختلاف متباين في تلك العلاقة التي ليست علاقة شارل بودلير الملتبسة بأمه، ولا تلك التي ربطت مارغريت دوراس بأمها أو بول سارتر بأمه، كون كليهما صدم أمه بطريقته، و لكنّها علاقة ساهمت بشكل محوري في بناء الشخصية العظيمة للكاتب، من خلال خلق رابط آخر جميل بينه وبين الأدب منذ عمر الطفولة المبكر، تليه العناية الكاملة لتلك الموهبة حتى بلوغها سن النضج، ألم يقل نابوليون «مستقبل الطفل نتاج أمه»؟ سؤال يحضرني في سياق الكلام. 
المتعة في فيلم «وعد الفجر»، تكمن في التوصيف الفني المتقن لذلك الرابط الأمومي الأدبي الذي خرج عن المألوف، لإبراز قدرة الأمهات على شق طريق النجاح لأبنائهن، وفي تفصيلات الحوار الغني بجماليات اللغة، لدرجة اقتناء الكتاب مباشرة بعد مشاهدة الفيلم لمعاودة عيش المتعة نفسها خلال قراءة هادئة.
 
٭ شاعرة و إعلامية من البحرين
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات