عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Apr-2018

لا معقولية الفن في كتاب «نظرية استطيقية» للألماني تيودور آدرنو

 «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: أنجز ناجي العونلي، أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية ترجمة كتاب «نظرية استطيقية» للفيلسوف ثيودور فيزنغروند آدرنو (1903-1969).

ولا شك في أن قارئ هذه الترجمة وجد فيها جهدا من العونلي كبيرا للمحافظة على مناخات الكتابة الآدورنية، ودأبا منه على تحرير طاقاتها الإيحائية في لغتنا العربية، عبر حسنِ تدبير معانيها، وفتنة تركيب جملتِها، والابتعاد فيها عن التقعر اللغوي الطاغي على ترجماتنا العربية لنصوص الفلسفة الغربية. وهو جهد عرِف به العونلي في ترجماته لأصعب النصوص الفلسفية، على غرار «فنومينولوجيا الروح» لهيغل، و»نهاية تاريخ الفن» لهانس بلتينغ، و»نقد العقل العملي» لكانط، و»شارع ذو اتجاه واحد» لفالتر بنيامين.
 
لامعقولية الفن
 
وضع العونلي في تقديمه لترجمة كتاب «نظرية استطيقية» فكر آدرنو الاستطيقي في سياقِه الفلسفي، ضمن الفلسفة الألمانية المعاصرة، وذلك بوصفه يمثل تحولا من النظرية التقليدية إلى النظرية النقدية، أي التحول من نظرية المعرفة إلى فلسفة نقدية في المجتمع. هذا، مع بسطه لبعض مفترضات ومؤديات التفكير الاستطيقي، الذي يزاوله آدرنو من منظور إمكان «استطيقا مادية – جدلية» هي في الجوهر استطيقا مغايرة، تصد مثلها في ذلك مثل الفن، كل «قبليةٍ نظرية» وإن كانت مفهومية. وما «نظرية استطيقية» بالنسبة إلى آدرنو إلا خروج عن نطاق الاستطيقات التقليدية، وهو خروج ينهض على شرطِ وجوب اجتناب النهج الاستدلالي الدارج في المعرفة، الذي يقوم على الاستنباط المنطقي لجملة من القضايا، انطلاقا من قضايا بدئية ستصدق باعتبارها مبادئ متطابقة. 
بهذا المعنى، ليس من الممكن على الإطلاق في نظر آدرنو، أن يشتق الفن أو يستنبط، لا مما يفترض أنه أصله، ولا حتى من كونه طرحا مضادا للمجتمع. ويذهب المترجِم إلى القول، لو أردنا أن نضبط بالتدقيق «السقف» النظري الذي يتحرك في إطاره هذا النهج النقدي، الذي غدا يعاف الاستدلال والاستنباط والتسويغ والإدراج، لقلنا بإيجاز شديد إن هذا العزم النقدي الذي عمل هوركهايمر وبنيامين وآدرنو (من بين غيرهم) على صوغه، كل على طريقته، إنما يتركز في كوكبة مقولات ثلاث رئيسة، نعني العقل والسلبية والتوسيط، مقولات استفادتها النظرية النقدية من مناظرتها للفلسفة الألمانية الكلاسيكية، خاصة لفلسفتي هيغل وماركس. 
والبين في كتاب آدرنو هو أن تواتر لفظ «العقل» فيها هو من المنظور النقدي الصِرف، سهم خلاصٍ وتحررٍ شريطة ألا ينظر إليه في نطاق ذلك الإثبات الأعمى للعقل بوصفه قيمة تنويرية مطلقة. فعلى العكس من هذا الإرث التنويري الذي انتهى بأقنمة العقل، تكشف النظرية النقدية لكل من هوركهايمر وبنيامين وآدرنو، خاصة عن التورط التاريخي للعقل في إنجاز المثال التقني والأداتي الذي يتخلل كل منظمات «الجمعنة» ومراكز النفوذ والتسيير. على هذا النحو يمكننا أن نفهم العناوين المربِكة التي تعمدت النظرية النقدية التشديد عليها، من مثل «أفول العقل» و»تقويض العقل لذاته»، وهي عناوين تفضح وتعارض في آن مشاريع المجتمع البورجوازي (في مختلف مراحل تطوره التاريخي) في التشريع العقلي المقنع للهيمنة والنفوذ والسيطرة. 
وربما يكون تشديد آدرنو في العديد من كتاباته على فكرة لامعقولية العقلانية الحديثة وانعدام قدرتها على التفكر في ذاتها، إنما هو يعني تحديدا أن هذه العقلانية التي تجمع في صلب وعيها بذاتها بين الاستقلالية والسيطرة، تنتهي حتما إلى انقلاب هذه السيطرة على الإنسان و»الذات الاجتماعية» نفسها، ومن ثم تعمل على تبرير جميع أشكال الهيمنة والاضطهاد والتسيير غير المباشر، حتى أن الموضوعية الاجتماعية نفسها تتقرر في الوقت ذاته، جملة مجردة للأفراد، ومن ثم، نفيا وصدا عنيفين للفردي. لذلك فإن الموقف الوحيد الذي يمكن أن يتخذه فن معاصر من تلك «الموضوعية الظلماء»، هو حسبما ينتهي إليه آدرنو في نظرية استطيقية، أن يكون الفن في حد ذاته «ظلما على الإطلاق» (أي على العكس من تفاؤلية هيغل، أن يتعرف الفن إلى هول القمع والهيمنة، وعتمات العالم، ومن ثم تكون لامعقولية الفن معقولة). غير أن هذا الموقف النقدي من العقل عامة والعقل التنويري خاصة، لا يعني بالنسبة إلى النظرية النقدية إبطالا للعقل أو طعنا في كل عقل، بقدر ما ينم عن ضرورة تنزيل العقل تنزيلا تاريخيا محكما من شأنه أن يجعله فعالية نقدٍ وعامل معارضة.
 
مآزق العقل التنويري
 
يشدد كتاب «نظرية استطيقية» على حقيقة أن العقل صار يحيل مع النظرية النقدية إلى مغزى تاريخي موضوعي، لا يمكننا أن نتفهمه في ماديته الموتورة إلا من منظور السلبية والتوسيط. فأما السلبية فهي منطق التوتر نفسه الذي يعمل في صلب التحولات التاريخية وتصورات العالم والأشياء. ولهذا السبب اتخذ آدرنو من السلبية عنوانا فلسفيا لتقويض بديهيات ميتافيزيقا الهوية والتطابق، فنراه يطعن في قابلية فهم الفن باسم «استطيقا سلبية»، ويفضح مع هوركهايمر مآزق العقل التنويري باسم «جدلية سلبية»، بل نراه يجحد فكرة الأخلاق الكلية ليستبدلها بشيء من قبيل «الأخلاق السلبية» هي التي يعرضها في كتاب الأدب الصغير على أنها «الفلسفة الأخيرة» التي تتناسب مع التجربة الفردية المعاصرة، من حيث أنها تقوم على انحلال الذات، وتعتمد بالضرورة على ذاتية باتت معدمة و«حكم عليها تاريخيا بأنها ما زالت لذاتها ولكنها لم تعد في ذاتها. 
أما التوسيط فهو فضلا عن كونه بما هو موسوطية، النسج الموضوعي للصيرورة التاريخية، فإنه لازمة من لوازم التفكير الذي يدرك امتناع التعامل مع العالم والأشياء بشكل أرعن مباشرٍ، هو الذي تزعم المنظومات اللاعقلية أنه سبيل الملكية للنظر والعمل. وبما أن المدرسة النقدية بينت تهافت القول بتطابق مسبق بين الكلي والفردي، إلا أن يكون بالقهر والقسر على منوال إضافة الرياسة والخدمة، فإنه لا حيلة عندئذ في تفهم التحولات التاريخية للتجربة الفردية، لولا إنعام النظر في توسيطات التاريخ نفسها. لهذا تحديدا ينكر آدرنو إمكان تحققية الكلي، عبر تفاعل الأطراف الفردية، ليركز على أشكال «جمعنة» المجتمع، التي تكون بتوسيطاتها «جوهر الفرد». لم يعد التوسيط إذن مجرد حركةِ تعيين مفهومية، لأنه لم يتم إلى الآن، كما يقدر آدرنو بلا أدنى تفاؤلية زائفة «تحقيق المؤالفة بين الكلي والجزئي» إلا على صعيد المفهوم المجرد والمتجرد من الفردي، أي على صعيد تحويل الحياة نفسها إلى أيديولوجيا، بل صار التوسيط يدل على جدليات التناقض المفتوح، التي تتفعل في صلب مجرى التاريخ، بما فيها تلك التي «تحث السير في اتجاه القضاء على الفرق باعتباره معنى».
ولعل من خلاصات كتاب «نظرية استطيقية» التي يذكرها العونلي، ويمكن أن ينتهي إليها قارئ هذا الكتاب، هي أن صيرورة الفن إلى عدمِ قابليةِ الفهم وسيرورته تاريخيا ضمن «لانهائية الممكن»، هما الأمران اللذان يجعلان الفن مرتابا ومظنونا فيه حتى في صميم نسجه الداخلي. وفي ذلك تكمن أيضا حروف المشكل الاستطيقي، إذ أنه بقدر ما لا يتعين الفن إلا في علاقة بما لا يكــونه، أي بآخره (سلبا جذريا لمفهوم الفن المحض)، وبقدر ما يلزم الاستطيقا أيضا أن تنكب على تفهم هذه التوترات الموضوعية للفن، فإنه ما عاد من الممكن إطلاقا أن تتوخى الاستطيقا نهج الاستطيقات الفلسفية الدوغمائية، ولا أن تحل محلها كأن في سلسلة توارثِ الأشياخ والمريدين للمسائل والتصورات عينها، بل لا مناص للاستطيقا إذاك من الانخراط في سلبِ كل عنصر إثباتي، سواء في ما يتعلق بالفن نفسه، أو في ما يتعلق بها باعتبارها نظرية استطيقية في ما هو بالجوهر «لا متعين»: وإذن لا بد لها أن تكون هي بدورها غفلا، نعني بلا «توقيع» فلسفي إثباتي وبلا أدنى دعوى من واضعها في أنها اكتمال، أو حتى مجرد استكمال لأشكال المعاناة التاريخية والموضوعية للفن.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات