عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2018

الذاكرة… نافذة الديمومة

 القدس العربي-ناتالي الخوري غريب

حكايا الذاكرة، تلك الأعمدة التي نبني عليها عمارتنا… مهما علت، وصرنا على مسافة منها، تجدها تشكلنا، تحدد مساحاتنا، تتحكم بالمدى الذي نراه في القبض على تحديد علونا، قربًا منها أو بعدًا.
والويل لمن شيد أعمدته في البدء على أرض آسنة، في زمن لم يكن يعي ذاته، لم يكن يعي وجوده! ولكن، كيف لمن لم يعرف بعد هُويته وكينونته أن يحدد انتماءه؟ ما يسميه الأغلبون القدر، هو في كليته نوع من ديمومة المسعى إلى ما يجب أن يكون، هذا الـ»يجب»، يفرضه حكمُ المسير في الزمن، نحو ديمومة لا نعيها إلا في زمن حُدد لنا أوله ولا نعرف من أقصاه إلا محدوديتنا… التاريخ يخبرنا ذلك من خلال حكايا الذاكرة، تلك الحكايا التي لا تصل بصورة صافية، لأنها منسوجة بخيال ما يجب أن يكون. لم نحدد نحن الـ»ما يجب»، حددتها مُثلٌ وقوانينُ جعلت المتمردين عليها في مهب الخارجين عن الحياة.
هل لِجَبَلٍ أن ينتقل بأرضه وترابه وجذوره إلى مكان آخر؟ في الانسلاخ موت محتم، لأنه تغرب بعد وعي، والوعي موجع أليم، قصاص، خاصة أنه في الما قبل مختلف عن الما بعد. والثبات في الأرض عينها مواجهة، مواجهة الذاكرة التي تحلو لها الثرثرة، لأنها في ملعبها، في أرضها، ومن يلعب في أرضه رابح دومًا، الدعمُ آت مما يحيط به، وأبناء النسيج في تواطؤ الحفاظ على النوع.
نعم! الذاكرة نافذة الديمومة، في روعة إنجازاتها أو وجع إخفاقاتها، هي التي تشكلنا، لأنها تقبع في عمق أعماقنا، مهما أقمنا حولنا الدوائر في محاولة جعلها تتيه منا، مهما حاولنا رسم مسار آخر لها، تعرف متى تطل لتشمت بنا، من محاولاتنا التهرب منها، ومتى، هي حاضرة في خطوتين أمامنا، ونحن مَن ظننا أنها وراءنا، هي التي تحرضنا، ونحن مَن ظننا أنا نحاربها ونقصيها. بعضنا يسميه تجاوزًا، وبعضنا يسميه تحولا، وكلاهما: التجاوز والتحول يحتاج إلى مقدرة. 
الذاكرة رسائل في بريد مضمون الوصول إلى الديمومة، حين المعاندة للغاية الأخيرة أسمى مما كان، وللرسالة رائحة الحبر المنثور في الهواء والماء واللحن والطير والغناء والمواسم في دروب الصيرورة. والذاكرة أيضًا سلاح الديمومة الذي تقضي فيه على نفسها، حين الغايةُ قَطْعٌ بفأس قُد من أعواد تحفظ الماء، لأنها قُطِعَت قبل أوانها. الذاكرة، ليست نهاية الدرب، ولا بدايته، هي الجسر المعلق بحبال من أماكن قصية، أماكن لا نعرف تربتها، لكننا ماؤها، ماؤها الذي نرويها به: صفاؤه من صفاء نوايانا وأفكارنا، ونتنه من نَتَنِ نوايانا وأفكارنا. الذاكرة هي ابنة هذا التراب. ينمو فيها بلان وأشواك وورد وحبق ياسمين. إن تسلل الصدأ إلى تربتها يغذيه. وإن تسلل الحب إليه يحييه.
الدفن في الذاكره متواصل تواصل الزمن. لكنه دفنٌ في تربةٍ تُقَلبُ عشوائيا… الموتى في الذاكره نيام. ميقاتُ صحوتِهم بغير إذنٍ منا… فمن يدخل إليها لا يخرج منها.
الذاكرة، منزل بأبواب كثيرة، ونوافذ كثيرة مشرعة على كل من أراد صورة ولونًا وكلمة وعبرة، لكنها عِبَرٌ معتقة بنكهة الحال، الفَرِح يجد في كل زواياها فرحًا، والحزين يسمع في كل لحن حزنًا. هي وشم الوجود الهش في أعيينا، نبصر من خلاله ألوان الرماد الآتي. «لا ديمومة بلا ماضٍ»، أي لا ديمومة بلا تراكمات، التراكماتُ تحشر نفسها في زوايانا بلا ترتيب، التراكمات خليط ٌمن أحداث ومواجع وأفراح وخيالات، الخيالات خميرةٌ ملوثة براهنها، تصنع من التراكمات عجينًا لا يصلح خبزُه إلا في مخابز الراهن، لكنا نؤجل ولائم الديمومة تناولَه. نتمسك بالذاكرة على الرغم من أنها تحيي فينا وأد أحلامنا، نتمسك فيها لأنها مكاننا السري الذي خبأنا فيه طفولتنا. نتمسك بالذاكره لأنها لا تهب ذاتها لأعين الآخرين. نتمسك فيها لأنها مرآتنا الصادقة، مرآتنا التي تحفظ تدرجنا على سلالم الديمومة. 
نتمسك فيها كي لا يتمكن منا الخواء في انعدام الرجاء. الخواءُ مخيفٌ، موجعٌ، أكثر من تراكمات الشقاء في جدران القلب، لأنه يحفر في الروح، فتصبح بلورةً، أي تماسٍ معها يخدشها ويكسرها. الذاكرة علاقة أخطاء كي لا نعاقب وعينا على كل ما فات بلا تدخل منا، على الرغم من قدرتنا على تغيير بعض المسارات، وهي قلادة رحمة لأنها ملجأ عند تكاثر رصاص اللوم من مرمى غير بعيد. أما حين تصبح الذاكرة سوطًا لجلد الذات، فَعَبثًا نحاول إقصاءها عن أن تكون محور حياتنا، مركز التقاء التناقضات التي تعجننا، والويل لمن وقع في حفرها من دون أن يحمل معه خريطة العودة، فهي الشهادة على رسم مسيرتنا منذ انطلاقتها نحو غايتها القصوى.
الذاكرة رحمٌ ولود، التلاقحُ دائمٌ مع واقعٍ غيرِ مفصولٍ عن الهذيان. الذاكرة رحم ولود لأجنة هجينة تختلف في هُوياتها من مرحلة إلى مرحلة، تحتفظ بالجينة الأصيلة للذاكرة الأم، ما يخلد بصمةَ الحدث الأولي الحقيقي، على بهتانٍ في صورته، ونقطة نهاية كبيرة تحتم النزول إلى سطر جديد.
 
٭ أكاديمية وروائية لبنانية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات