عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jun-2018

التاريخ الافريقي بالأبيض والأسود في لوحات السوداني عجيب يوسف

 القدس العربي-لحسن ملواني

في لوحات التشكيلي السوداني عجيب يوسف عجيب حسن تنبسط إفريقيا بتضاريسها وأفضيتها، بناسها بنسائها ورجالها واهتماماتهم وطموحاتهم، فنان تظهر لوحاته فرادة أسلوبه في التعبير عن رؤاه للعالم المحيط به، إنه يحاول تجسيد ما يعتلج في صدره من أفكار وأحكام وآراء من زاوية إبداعية متميزة ، فلوحاته ـ إن شئت مترابطة عبر انصباب ثيماتها المتنوعة حول إفريقيا فضاءً وذكرياتٍ وتاريخا وأسطورة. يرسم أشكاله بتوافقات تضفي عليها اتزانا معبرا بكليته عن ملامح الحياة اليومية، بما تحمله من شجون ومؤثثات في فضاءات خاصة. في لوحاته رؤية مفتوحة حيث لا حدود للحلم، ولا حد لتوالدِ واستدعاءِ التأمل والغوص في مدى ما ترصفه وتؤلفه ريشته المنقادة إلى رسم المركون والمختزن في الذاكرة الجماعية للشعب السوداني.
كل لوحة من لوحات عجيب تحمل رموزا وتحمل قصصا من المعاناة والاتفاق المحتوم، إزاء مواجهة مستجدات الواقع بمرارته وعذوبته، تناقضات تبسط على لوحاته بالأبيض والأسود، لتتقاطع في الأخير عبر الحلم الجمعي بما يحمله ذلك من خلجات المشاعر المتنوعة. تجربة فريدة تستوقفك بما توقده فيك من شحنات انفعالية، وهي تعبر عن مختلف القضايا والعوالم الجميلة والمؤثرة في البيئة الإفريقية. 
وبراعة الرسام في ذلك تتجلى في التعبير بأشكال بسيطة عن طموحات كبيرة للإنسان الإفريقي، وكثيرا ما يعمد في ذلك إلى التجسيد عن طريق ما يؤطر به الإنسان بشكل يعبر به عن الهم الجمعي المشترك، فيحول إطار مفردات اللوحة إلى خريطة إفريقيا، باعتبارها الفضاء الأوسع الحامل لهموم كل الأفارقة.
فعبر الأسود والأبيض يرصد عجيب يوسف كثيرا من عناصر المجتمعات الإفريقية وما يتعلق بثقافتها وأساليب عيشها وتفاعلها، مع ما تفرزه الظروف من قضايا تتولد عنها مواقف مختلفة. 
ويبدو من خلال جل أعماله اختياره للرسم والتشكيل بالأسود والأبيض، رغم ما يطرحه من صعوبات لما يتطلبه من استيعاب دقيق لمقتضيات استعماله في نسج الموضوعات التشكيلية المتباينة.
التشكيلي له نفاذ الرؤية وتعكس ذلك تعليقاته على الأعمال التي ينجزها بين الحين والأخر، ووفق مناسبات متعددة، وإذا كان بعض التشكيل يقتضي المتح من الموروث الثقافي، وسبر أغواره عبر المطالعة والبحث والملاحظة، فإن لوحات عجيب تدل على اطلاعه العميق للتراث الإفريقي وأساطيره وعمق تقاليده وعاداته الفريدة. علاوة على ما سبق، يترجم الفنان ما يشعر به إزاء الكثير من المواضيع عبر تشكيلات فنية تتميز بإيقاعية تبرز جمالية المرسوم، كما تعمق دلالتها المضمونية. في لوحاته يجول بك عبر موضوعات متعددة تجمع بين الماضي والحاضر، كما تصور نظرة الإنسان نحو الحاضر والمستقبل. 
في لوحة من لوحاته، يحاول تجسيد أسطورة سيزيف المعذب الذي حكمت عليه الآلهة بحمل صخرة ، فيخضع للأمر إلى الابد ، لوحة بخلفية تمثل حيا سكنيا ليبرز الرجل وحيدا معزولا يعيش عذابه ويتحمل الألم بكل منغصاته وقساوته.
في لوحات تبدو الموسيقى بآلاتها وبالمطربين والمطربات المتفاعلين معها تفاعلا روحيا فريدا، لوحات تطربك وأنت تحدق في عناصرها المنسجمة من أجل إبراز الحب والعشق النادر بين الإفريقي والموسيقى.
وقد يجعل التعبير عن علاقته الحميمية بالموسيقى في غاية الجمال التجريدي، حين يجعل الحصان وهو يجر العربة يؤدي وظيفتين أولاهما الجر، وثانيتهما الإمتاع بإيقاع سنابكه على الطريق، هذه الأخيرة التي جعلها مزروعة بالحروف الموسيقية، لوحة رائعة معبرة بتركيبتها وحسن توليف عناصرها. في لوحة أخرى تجد المرأة محتفية بالطير وهي تحلق فوقها لتشكل ملمحا تشكيليا يجسد عشقها للحرية ، والعيش في فضاءات بلا قيود ولا حدود. لوحات بهذا الشكل ستساهم في إغناء الفن التشكيلي في كل الوطن العربي، كما ستتكامل مع الفنون الأخرى، من أجل التعبير عن الآمال والآلام، ومن أجل الحرية والانطلاق لمعانقة حياة تحقق للآدميين أمنهم وحقوقهم وأمانيهم.
 
تشكيلي وكاتب من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات