عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-May-2018

موقفنا من الخنازير!

 القدس العربي-بلال فضل

هل يمكن أن نجد تفسيراً عقلانياً لتحريم الهندوس ذبح البقرة، أو لكراهية اليهود والمسلمين للخنزير وتحريمهم للحمه، في حين تعتبره شعوب أخرى حيواناً مقدساً؟ وماذا عن تحريم شعب التايبرابي في غابات الأمازون للحم الغزال واستطابتهم لطعم النمل؟ ولماذا يحب الصينيون لحم الكلب ويحتقرون حليب البقرة؟ ولماذا يقوم زعماء الهنود الحمر بحرق ممتلكاتهم ليثبتوا كم هم أغنياء؟ وكيف نفسر إيمان بعض الديانات بفكرة المخلص؟ ولماذا تلجأ بعض القبائل إلى شن حروب منتظمة، حتى إن بدت مغامرات خاسرة؟ 
يطرح مارفن هاريس مؤلف كتاب «مقدسات ومحرمات وحروب: ألغاز الثقافة» هذه الأسئلة في إطار تحليله لأنماط حياة شعوب مختلفة، تبدو لغيرها من الشعوب لا عقلانية وغير قابلة للتفسير، ليؤكد الكاتب ـ الذي عمل رئيساً لقسم الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا الأمريكية وكرس حياته للبحث العلمي في بلدان مثل، البرازيل وموزمبيق والإكوادور وغيرها ـ على أن أنماط الحياة التي تعتبر بالغة الغموض لدى البعض، يمكن تفسيرها بدوافع سهلة الفهم، بدلاً من الاكتفاء بإجابة «أن الله وحده يعلم الجواب»، مشيراً إلى أن أنماط الحياة العملية يتم في الغالب تغليفها بأساطير وخرافات تصبح جزءاً من هوية الشعوب، لكن ذلك يخفي الحقائق العارية للحياة الاجتماعية، فيصبح الجهل والخوف والتناقض عناصر أساسية للوعي اليومي لدى الشعوب عن بعضها بعضا. 
فصول الكتاب كلها ممتعة، لكن أكثرها إمتاعاً هو فصله الأول الذي درس فيه المؤلف ظاهرة تقديس الهندوس للبقرة وتحريم ذبحها، مثبتاً أن وراء ذلك احتياجات اقتصادية ووظائف اجتماعية قديمة تفسر ذلك التقديس، وتجعله تصرفاً عقلانياً لازماً لاستمرار الحياة بالشكل الملائم لمن يؤمنون بتلك القداسة. وفصله الثاني الذي يتأمل فيه كراهية اليهود والمسلمين للخنزير، رغم استطاعته تحويل الحبوب والدرنيات إلى دهون عالية الدرجة وبروتين بكفاءة تفوق أي حيوان آخر، في حين يسود الحب المتعصب للخنزير في مناطق نيوغينيا والجزر الميلانيزية جنوب المحيط الهادئ، حيث تُعتبر الخنازير حيوانات مقدسة تقدم أضحيات إلى الأسلاف، وقبل إعلان الحرب وعند تحقيق السلام، فضلاً عن أكلها في المناسبات المهمة، وتنظيم ولائم في الأعياد لأكل كميات ضخمة منها، لأن الأسلاف الراحلين يحتاجون إلى لحمها، لدرجة أنه يتم تقيؤ ما تم أكله لإفساح الحيز للمزيد، وحين تنتهي الوليمة يكون قطيع الخنازير قد تضاءل حجمه، لتبدأ سنوات مضنية لتربية قطيع جديد تقضي عليه «عربدة شرهة أخرى»، وهو ما يثبت المؤلف أنه طقس مقدس يخفي وراءه حاجة عملية للتخلص من الخنازير، حين يزيد عددها عن الحد اللازم وتتحول إلى عامل إرهاق واستنزاف. أما تقديس الخنازير فيعود إلى أن ذبحها في الماضي كان يقلل من اضطرار أهل تلك المناطق، في ظل ظروف اقتصادية عصيبة إلى أكل أبنائهم وبناتهم دفعاً للجوع. 
يستعرض هاريس تفسيرات الإدانة اليهودية والإسلامية للخنزير التي ترى أنه حيوان قذر يتمرغ في بوله ويأكل البراز، لكنه يشير إلى تناقض ذلك مع حقيقة أن الأبقار التي تُربّى ضمن حيز مغلق تغوص هي الأخرى في بولها وروثها، كما أن الأبقار الجائعة ستأكل البراز البشري إن اضطرت، كما تفعل الكلاب والدواجن ذلك، بدون أن يثير الامتعاض الشديد، فضلاً عن أن الخنازير التي تربت ضمن حظائر نظيفة يمكن أن تصبح شديدة الحساسية للنظافة، وهو تناقض أدركه قدماء مثل موسى بن ميمون، أحد أبرز الشخصيات الدينية اليهودية وطبيب بلاط صلاح الدين في القرن الثاني عشر، الذي قال إن الرب قصد من وراء تحريم لحم الخنزير نظاماُ صحياً شعبياً، لأن للحم الخنزير «أثراً ضاراً وسيئاً»، ولذلك حين اكتُشف في منتصف القرن التاسع عشر أن سبب أحد الأمراض الخطيرة هو أكل لحم الخنزير غير مكتمل الطهو، اعتبر كثيرون أن الاكتشاف إثبات أكيد للحكمة الإلهية، التي أشار إليها ابن ميمون، لكن بعض اليهود «الإصلاحيين» اعتبروا في الاكتشاف دليلاً على عقلانية الكتاب المقدس الذي اعتبروا أن تحريمه للحم الخنزير يقتصر على اللحم غير المطهو جيداً فقط، وهو ما رفضه الحاخامات وهاجموه قائلين، إن الرب لو شاء أن يحمي صحة شعبه لأمرهم بأكل لحم الخنزير المطبوخ جيداً بدلاً من تحريمه كلياً. 
يرى مارفين هاريس أنه حين تم اكتشاف أمراض خطيرة يمكن أن تنقلها الأبقار والماعز والأغنام والأحصنة، فضلاً عن تحول لحم العجل غير المطبوخ جيداً إلى مصدر للطفيليات والديدان الشريطية الخطرة، لم يعد معظم اللاهوتيين اليهود والمسلمين يبحثون عن أسس واقعية لكراهية الخنزير، في حين أن هناك أساساً واقعياً مقنعاً للتحريم والكراهية، وهو أن تربية الخنزير كانت تشكل خطراً على سلامة المنظومات البيئية للمناطق التي عاش فيها العبرانيون القدامى والمسلمون الأوائل، والتي تعتبر مناطق وعرة قليلة السكان، تمتزج فيها الزراعة بالرعي، وفي ظل بيئة كهذه كانت الخنازير ستشكل تهديداً أكثر من كونها استثماراً، على عكس المجترّات مثل الأبقار والأغنام والماعز، التي تمتلك أجربة في مقدمة معداتها تمكنها بكفاءة من هضم العشب والأوراق المحتوية بشكل رئيسي على السليلوز، أما الخنزير فلا يستطيع أن يعتاش على العشب وحده، ومعظم ما يكسبه من وزن يأتي من الغذاء منخفض السليلوز كالمكسرات والفواكه والدرنيات، خصوصاً الحبوب ما يجعله المنافس المباشر للإنسان في طعامه. 
يضيف هاريس إلى ذلك أن الخنزير سيئ التكيف مع المناخ الجاف والحار، لأنه لا يملك نظاماً كافياً لتنظيم درجة حرارة جسده، وبصرف النظر عن تعبير «تتعرق مثل خنزير» الذي يشيع استخدامه حتى في البلاد المحبة للخنازير، فقد ثبت أن الخنازير لا تستطيع التعرق، كما أنها تموت لو تعرضت بشكل مباشر لأشعة شمس وحرارة جو فوق 98 درجة فهرنهايت، وهو ما يضطر الخنزير لترطيب جلده مفضلاً الوحل الطري، لكنه يغطي جلده ببوله وبرازه إذا لم يتوفر له شيء آخر، وهو ما يجعل خنازير الحظائر تصبح أقذر بمقدار ما تكون درجة الحرارة أعلى، ما يعني أنه ليس من طبيعة الخنزير أن يكون قذراً أينما وجد، بل هي طبيعة المناطق الحارة التي تلجئه إلى ذلك. 
لذلك يقول مارفين هاريس إن لحم الخنزير الطري والغني بالدهون، كان يمكن أن يشكل إغراء في تلك المناطق، قد يفشل البعض في مقاومته طوعاً، فيلحق الضرر بالمجتمع المحيط، ولذلك جاء التحريم الديني لدى المسلمين واليهود لحل المشكلة، فاعتبر أن الخنازير ليست نجسة في الطعام، بل في اللمس، ليتم حظر استهلاكها أو تربيتها، ويتم التركيز على تربية الماعز والأغنام والأبقار، ولأن إصرار المسلمين واليهود الذين يعيشون خارج الشرق الأوسط على مراعاة قواعد دينهم في تحريم الخنزير، لا يصلح معه التفسير البيئي، يعتمد هاريس تفسيراً آخر، يرى أن للمحرمات مهمة اجتماعية، هي مساعدة الناس في النظر إلى أنفسهم كجماعة مميزة، خصوصاً لو لم تكن قواعد دينهم تلك ستحرمهم بدرجة سافرة من عناصر غذائية لا بدائل متوافرة لها. وهو ما ذكرني بمقولة صديق من سفاحي الأسماك، قال بعد وليمة إسكندرية حافلة، إن الشيء الوحيد الذي كان سيضطره للردة عن دين الإسلام لو كان قد قضى بتحريم السمك والجمبري، فالحمد لله الذي عافانا. 
….
ـ «مقدسات ومحرمات وحروب: ألغاز الثقافة» ـ مارفن هاريس ـ ترجمة أحمد م. أحمد ـ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
 
كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات