عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Nov-2018

النص بين موت المؤلف وإحيائه

 الدستور-. محمد عبدالله القواسمة

ظهرت مقولة موت المؤلف عند الناقد والمفكر الفرنسي رولان بارت (1910- 1980) في مقالة نشرها عام 1968بعنوان «موت المؤلف».وتنبني المقولة على غياب المؤلف في حضرة النص؛ لأن النص ــ كما يرى بارت ــ يمكن فهمه وتحليله بالاعتماد على سِياقه الداخلي؛ أي على تشكيله اللُّغوي من لفظ، وجملة، وتركيب، وصوت، وإيقاع. ولا حاجة إلى معرفة سياقه الخارجي الذي يدور حوله مثل التاريخ، وسيرة المؤلِّف، والمتلقِّي، والمناسبة.يقول رولان بارت:»اللغة هي التي تتكلم، وليس المؤلف». وهو يقترب من قول الشاعر الفرنسي مالارميه:»ليس بالأفكار نصنع أبياتًا، بل بالكلمات».
في غياب المؤلف يكون النص تحت سيطرة القارئ؛ فهو الذي يقرر معناه من خلال استرشاده بالعلامات اللغوية المستخدمة، وكأنه يعيد كتابة النص، بوصفه منتِجًا له لا مستهلِكًا. وهذا الفهم للعلاقة بين القارئ والنص أساس مابعد البنيوية، وأساس المذهب التفكيكي الذي طوره الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا.
إذا سايرنا بارت في مقولته بأن المؤلف ليس هو الأب الشرعي للنص، فهذا يقودنا إلى المقولات النصية والتناص.وتعني النصية الاعتقاد بأن كل شيء نص أو كتابة، فالعالم كله نص.أما التناص فيقوم على الاعتقاد بعدم وجود نص أصيل، وأن كل نص إنما هو إعادة تشكيل لنصوص سابقة، سواء أدرك الكاتب ذلك أم لم يدرك. وفي المحصلة نصل إلى أنه لا يوجد مؤلف، ولا توجد أصالة، ولا يوجد إبداع.
لعل في إعلان بارت غياب المؤلف أو موته تعسفًا لا مسوغ له؛ فلا يمكن بأي حال تجاوز المؤلف، أو إلغاء السياق الاقتصادي والثقافي والاجتماعي الذي يحيط بالنص.ثم إن افتراض موت المؤلف يُغيّب الصلة النفسية والمعرفية بين أطراف العملية الإبداعية التي تقوم على المؤلف، والنص، والقارئ.
إن معرفة الظروف التي تحيط بالنص تساعد على فهم النص وتفسيره وتحليله بدقة وإحكام، فالأديب عادة يوظف جوانب كثيرة من حياته في أعماله. فعلى سبيل المثال فإن معرفتنا حياة الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف(1941-1882) تجعلنا نتعمق في فهم رواية» إلى المنارة»، فالسيدة رامزي التي بنيت عليها الرواية شخصية رقيقة، تشع حيوية ورقة تموت وهي في منتصف العمر، وبموتها تنتهي الرواية، أو تنطفئ كما شعلة المنارة. وحين نُشِرَتْ سيرة فرجينيا وولف تبيَّن أن السيدة رامزي هي صورة عن والدتها التي توفيت وهي في منتصف العمر. لقد أعادت الكاتبة إنتاج تجربتها مع والدتها؛ وهذا يعني أن دراسة حياة الأديب تزيدنا دراية بأدبه، واستيعاب تراثه على أكمل وجه ممكن.
أذكر في دراستي رواية «الضحك» لغالب هلسا أني عثرت على دراسة لأستاذ جامعي منشورة في مجلة محكمة توصّل فيها إلى أن الرواية تدور أحداثها حول نكسة 1967.فقد اعتمد في تحليله الرواية على تاريخ نشرها عام 1970الذي ظهر على الغلاف.والحقيقة أن غالب أتم كتابتها عام 1966 أي قبل النكسة بعام. وقد شرح الظروف التي مر بها في أثناء كتابتها في مقابلة معه أوردها في نهاية رواية «السؤال». فلا شك أن هذا الخطأ قد جعل التحليل والفهم والنتائج التي توصل إليها الباحث غير صحيحة. كان يمكن تجنبها لو أنه اطلع على حياة المؤلف. 
لا عجب أن نرى النظرية النقدية في الغرب تتجه إلى التأويل، ونظريات القراءة والتلقي، وتيارات، مثل:التاريخانية الجديدة، والنقد ما بعد الكولونيالي، والنقد الثقافي. ذلك بعد أن أفل نجم الحركة البنيوية في الستينيات، وبعد انحسار موجة التفكيك مع نهاية الثمانينيات.وفي هذا التوجه عودة إلى الاهتمام بكل عناصر النشاط الأدبي والنقدي وعلى رأسها المؤلف.
وخلاصة القول، إن المؤلف بوصفه باعث الحياة في العملية الإبداعية كلها لا يمكن الاستغناء عنه في فهم النص وتحليله. مع حضور النص يقف المؤلف شامخًا أمام المتلقي سواء أكان ناقدًا أم قارئًا عاديًا.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات