عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jan-2017

آباء يتباهون بمخاطبة أبنائهم بالإنجليزية

 

منى أبو صبح
 
عمان-الغد-  تفتخر أم سند بأبنائها الثلاثة كونها نجحت في إتقانهم اللغة الإنجليزية بشكل مميز، لاعتقادها ويقينها التام بأن اللغة الإنجليزية من ضروريات ومتطلبات العصر، ومن يجيدها يضمن له مستقبلا ناجحا، ويحظى بمكانة مرموقة في المجتمع.
تقول أم سند “حرصت منذ الصغر على تعليم أبنائي اللغة الإنجليزية سواء باختيار مدرستهم أو من خلال المحادثة معهم، وحقيقة الأمر.. هذا ليس حالي فقط، بل جميع شقيقاتي وصديقاتي يهتمون بتعليم أبنائهم الإنجليزية”.
ويهتم العديد من الآباء بتعليم أبنائهم الصغار اللغة الإنجليزية لدرجة يصل إتقانها أكثر من العربية “اللغة الأم”، ويصل الأمر أحيانا لحد “التنافس” في تحقيق ذلك، فمنهم من يبحث عن تسجيل أبنائهم بأفضل المدارس الخاصة لهم، وآخرون يجلبون مربية تتقن الإنجليزية لمخاطبتهم في المنزل، وعليه يربى الأطفال على تداول المفردات الإنجليزية، ويهمل تعليمهم اللغة العربية وأساسياتها، فيكبر الأبناء شيئا فشيئا يتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة، ولعل هذا الأمر نوع من التباهي و”البرستيج”.
وينتقد الأربعيني أبو فيصل زوجته في إصرارها على التحدث مع أطفالهم بالإنجليزية، ويقول: “منذ نشأة أطفالنا حرصت زوجتي على تعليمهم الإنجليزية، وتسجيلهم بمدارس تخاطبهم بها، مما ولد لديهم ضعفا في اللغة العربية، فأصبحت كلماتهم بالعربية غير واضحة وأحيانا غير صحيحة”.
ويرى أبو فيصل أن هذا السلوك أو الظاهرة تقبل عليها زوجته كنوع من المباهاة أمام الأهل والمعارف والأصدقاء، وعليه تصبح اللغة الإنجليزية لغة الابن الأم، أما العربية فيستخدمها للضرورة فقط.. مثل محادثته مع كبار السن أو مع من لا يتقن العربية.
يضيف أبو فيصل: “اختلفت كثيرا وزوجتي حول هذا الموضوع، لكن عدم تواجدي في المنزل لفترات طويلة وسفري المتكرر حقق لها مرادها في إتقان أبنائي الأربعة اللغة الإنجليزية بعيدا عن العربية”.
وتلقي معلمة اللغة العربية علا حسن، اللوم على العديد من المدارس الخاصة التي تتحدث معظم الوقت مع الطلبة باللغة الإنجليزية، وتقول: “يجهل العديد من الأهل أهمية اللغة العربية وضرورة إتقانها، ويسارعون لتسجيل أبنائهم في مدارس تحاورهم بالإنجليزية، نحن مع تعلم الطفل لغات أخرى ومنها الإنجليزية.. لكن تبقى العربية هي اللغة الأم وهي من أفصح اللغات التي يمكن فهمها”.
وتعتقد علا “اللغة الإنجليزية علينا أن نتقنها للحاجة، ولكن ليس على حساب العربية، فعندما نتحدث مع أبنائنا في البيت.. في المدرسة يجب أن تكون اللغة العربية حاضرة لتأكيد هويتنا وعروبتنا”.
الاستشاري الأسري التربوي د. أحمد سريوي، يقول: “بعد رحيل الاستعمار للدول العربية تبقى بعض الأثر منه في ثقافة المجتمع وتحول بعدها لنظام.. في سورية والجزائر والمغرب بقيت اللغة الفرنسية كلغة ثانية يتعلمها أهل البلد وفي دول الاستعمار البريطاني كفلسطين والأردن ظلت اللغة الإنجليزية هي اللغة الثانية التي يتعلمها الشعب، إضافة إلى ذلك أن هذه اللغة هي لغة أقوى دولة في العالم”.
ومن المعروف، كما يقول، أن من يتحدث بهذه اللغة يستطيع السفر لأي دولة يجد فيها من يفهم الانجليزية، هذا الأمر جعل بعض الأهالي يغالون في تدريس اللغة الإنجليزية لدرجة وصلت بهم لتهميش لغتنا العربية اللغة الأم وأصل اللغات.
كما أثبت ذلك الدكتور مصطفى محمود ببرنامجه “العلم والإيمان” بأن لغة البشر ولغة سيدنا آدم هي اللغة العربية وأن جميع اللغات اشتقت منها، ولو أن الأهالي يعلمون هذه المعلومة لاختلفت الموازين تجاه لغتنا الأم، وفق سريوي.
ويؤكد ضرورة أن يحرص الأهل على تدريس أولادهم اللغة العربية كحرصهم وأكثر على اللغة الانجليزية، ما ينعكس إيجاباً عليهم فيما بعد في حياتهم العلمية والعملية، وبالنسبة لمسألة “البريستيج” فاللغة العربية ومفرداتها الواسعة تعد أجمل بريستيج لمن يتقن الحديث بها.
ويضيف سريوي “يكفيها شرفاً اللغة العربية أنها لغة القرآن ليحرص الأهل على أن لهذا الموضوع انعكاسات أخرى في ترغيب الأبناء بالثقافة الغربية غير الملتزمة، وأن يراعوا أن تقليد الغرب يبدأ بالكلام ثم ينتهي بالتصرفات، فليحرصوا كل الحرص على الموازنة بين الأمور وقياسها بمعيار العقل والمنطق”.
ومن وجهة نظر اختصاصي علم النفس التربوي د. موسى مطارنة، فإن التغير الاجتماعي وتصدير الثقافات وعدم وجود استراتيجيات تربوية لتعميق المفاهيم والافتخار بتاريخنا ولغتنا العربية.. أصبح مرضا سائدا، وهو التكلم بالإنجليزية كنوع من البرستيج، وهذا جعل الأسر تهتم بتعليم وتحفيظ أبنائها الإنجليزية كمتطلب حياتي.
وأصبحت الإنجليزية، كما يقول، نتيجة لتقهقر الثقافة العربية وتراجع الاهتمام بها على كل المستويات، وحلت محلها الانجليزية، والأصل هو العكس.. لكن للأسف هذا الواقع المرير الذي نعيشه.
ويرى مطارنة أن التحدث بالإنجليزية والاستعراض فيها من خلال الحديث هو إسقاط نقص، ومحاولة للظهور بمظهر التحضر والحداثة والتحرر أو الوعي، فأصبح الشخص يدخل الإنجليزية في حديثه بأي موضوع والاستعراض بأنه يجيدها.
ويذهب إلى أن هذا بحاجة لوقفة كبيرة على المستوى الاجتماعي والسياسي، لأن اللغة العربية أصبحت تفقد طريقها وتفقد الاهتمام بها مع هذا الغزو للغات الأجنبية، كما أن المحلات تضع يافطات بالإنجليزية.. والشركات المهمة تعرف عن نفسها أو تعلن بالإنجليزية.
ويؤكد مطارنة أن الذي يدعي البريستيج من خلال الاستعراض باللغة الإنجليزية هو إنسان يعاني من مشاكل في الشخصية، ويحاول أن يقلد غيره، وأن يبني شخصية على هذا التقليد، مما يسبب خللا سيكولوجيا يجب معالجته والتعامل معه.
ويدعو إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجياتنا وفي مناهجنا التربوية، بالتركيز على الثقافة والأصالة التي هي أساس عروبتنا وأساس عمقنا التاريخي، كما ويجب تربية الأبناء عليها منذ الصغر بالتوضيح لأهميتها وجمالها وتميزها عن اللغات الأخرى.
الخبير الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي، يؤكد أن المزج في الحديث باللغة العربية مع بعض المفردات باللغة الإنجليزية، رغم عدم الحاجة لذلك، يعد من باب التفاخر والتباهي وإشعار الآخرين بالتميز والاستعلاء على الآخرين كونه متحضرا ويتقن اللغة الإنجليزية.
وهذا النوع من المتحدثين، كما يقول، يضيع المعاني الحقيقية للجمل والكلمات والعبارات ويفصل بينهما ولا يرسل المعنى المطلوب بشكل جيد؛ حيث إن الطرف المستمع قد لا يتقن اللغة الإنجليزية ولا يفهم معاني الكلمات.
ويلفت الخزاعي إلى أن من يقوم بالمزج في اللغة يلجأ إلى أسلوب اختيار الكلمات الإنجليزية التي يعرف معناها، وقد يكون يعرف عددا قليلا من الكلمات ويرددها أمام الجميع وفي معظم اللقاءات، وهذه طريقة يلجأ للأسف لها هؤلاء الذين يمارسون هذه الطريقة.
وأكد الخزاعي ضرورة أن يعتز العربي في لغته ويتكلم بها ويمارسها وأن لا يستخدم غيرها، إلا إذا كان مضطرا لذلك، فاللغة عنوان حياة ومفخرة ووجود للمجتمع، ولا يجوز تجاهلها أو التباهي باستخدام لغة غيرها.
munaabusubeh@alghad.jo
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات