عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Jul-2017

تحديات في انتظار العالَم العربي

الغد-طارق عثمان
 
لندن - بعد مرور خمسين عاماً على حرب الأيام الستة، التي آذنت ببداية الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية والضفة الغربية، ما يزال الشرق الأوسط منطقة لا تخلو من الأزمات أبداً. وليس من المستغرب إذن أن يركز الساسة والدبلوماسيون والمنظمات المانحة والإنسانية، عند تناولهم للمنطقة، على الزمن الحاضر في العادة. ولكن، إذا كان لنا أن نتمكن من كسر دائرة الأزمات في الشرق الأوسط الحديث، فإننا لا ينبغي أن نترك المستقبل يغيب عن أعيننا أيضاً. وقد بدأت بالفعل مجموعة جديدة من المشاكل المنتظرة في العقد المقبل تختمر بفِعل أربعة اتجاهات.
الاتجاه الأول يؤثر على بلاد الشام. وقد انهار بالفعل نظام ما بعد الإمبراطورية العثمانية الذي نشأ قبل قرن من الزمن -وهو النظام الذي قام على القومية العربية العلمانية. فقد فقدت الدولتان اللتان أعطتا لهذا النظام ثِقَله، العراق وسورية، سطلتهما المركزية، وسوف تظل كل منهما مفتتة سياسياً ومستقطبة اجتماعياً لفترة جيل قادم على الأقل.
وفي لبنان، ما تزال الطائفية هي السمة المميزة للسياسة هناك. كما بلغ الأردن نقطة التشبع باللاجئين، وتفرض التدفقات المستمرة ضغوطاً متزايدة على الموارد المحدودة. أما موضوع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فلا تبدو في الأفق السياسي أي مبادرة أو ظروف جديدة ربما تكسر الجمود.
من المؤكد أن الشرق الأوسط سيواجه حركة مستمرة لأعداد كبيرة من البشر، أولاً إلى المناطق الأكثر هدوءا في المنطقة، وفي الكثير من الحالات إلى خارج المنطقة -إلى أوروبا في المقام الأول. ومن المرجح أن تواجه المنطقة أيضاًنازعات متزايدة الحدة على الهوية أيضاً، بل وربما حتى إعادة ترسيم للحدود، وهي العملية التي من شأنها أن تطلق العنان للمزيد من المواجهات.
يؤثر الاتجاه الرئيسي الثاني على منطقة شمال أفريقيا. وسوف تحافظ الدول الأكثر أعداداً للسكان في المنطقة -الجزائر، ومصر، والمغرب- على النظام الاجتماعي والسياسي الذي ترسخ على مدار العقود الستة المنصرمة من تاريخها في مرحلة ما بعد الاستعمار. وبشكل عام، تتمتع الكيانات الحاكمة في هذه الدول برضا شعبي واسع النطاق، فضلاً عن الدعم الذي تحظى به من مؤسسات ذات نفوذ، مثل النقابات العمالية والزراعية. وهي تتمتع أيضاً بامتلاك أدوات فعّالة في القسر والإكراه، والتي تعمل كدعائم للاستقرار النسبي.
لكن أياً من هذا لا يضمن لهذه الحكومات إبحاراً سلساً. بل إنها على العكس من ذلك تقترب من مواجهة انفجار هائل في شريحة الشباب، مع دخول أكثر من 100 مليون مواطن تحت سن الثلاثين إلى سوق العمل المحلية في شمال أفريقيا بين الوقت الحاضر والعام 2025. والواقع أن الغالبية العظمى من هؤلاء الشباب يجيئون نتاجاً لأنظمة تعليمية فاشلة، ولن يكونوا مؤهلين على الإطلاق لأداء أغلب الوظائف التي تتيح الفرصة للحراك الاجتماعي.
سوف تكون السياحة، والبناء، والزراعة، هي القطاعات الأفضل تجهيزاً لاستيعاب هؤلاء الشباب العرب. ولكن ازدهار قطاع السياحة ليس احتمالاً وارداً الآن -وخاصة بسبب انبعاث حركات الإسلام السياسي المسلحة، وهو ما من شأنه أن يجعل منطقة شمال أفريقيا عُرضة لخطر الهجمات الإرهابية لسنوات قادمة.
علاوة على ذلك، تعمل الحصة المتراجعة في سوق المواد الغذائية الأوروبية والاستثمار المتضائل في السوق العقارية على تقويض قدرة الزراعة والبناء على استيعاب العمال الشباب. وبالتالي، فإن العواقب المحتملة لهذا الانفجار الشبابي في شمال أفريقيا تتمثل في تجدد الاضطرابات الاجتماعية، فضلاً عن تدفقات كبيرة محتملة من الهجرة إلى أوروبا.
كانت دول الخليج توفر عادة صمام أمان إقليمياً. فعلى مدار أكثر من نصف قرن من الزمن، استوعبت دول الخليج الملايين من العمال، من الطبقات المتوسطة الدنيا في الدول العربية المجاورة في المقام الأول. وكان الخليج أيضاً المصدر الرئيسي لرأس المال الاستثماري، ناهيك عن عشرات المليارات من الدولارات التي تذهب من تحويلات العاملين هناك إلى بقية المنطقة. وكانت دول عربية عديدة تعتبر الخليج الملاذ الأخير للإقراض.
غير أن اقتصادات الخليج -وهنا يكمن الاتجاه الرئيس الثالث- تشهد حالياً عملية ارتقاء، حيث تصعد إلى مراتب أعلى في مختلف سلاسل القيمة الصناعية. ويقلل هذا الواقع من اعتمادها على العمال الأجانب من ذوي المهارات المنخفضة. وبوسعنا أن نتوقع أن تستقدم دول الخليج أعداداً أقل من العمال من بقية بلدان العالَم العربي، وأن تقلل صادراتها إليها من رأس المال في السنوات المقبلة.
بل إن استقرار الخليج نفسه ربما يتزعزع على نحو متزايد. ذلك أن قوى خليجية عِدة أصبحت منهمكة الآن مع إيران في حرب طائفية جزئياً بالوكالة في اليمن -وهي حرب لن تنتهي في أي وقت قريب. والآن، انقلبت خمس قوى سُنّية على دولة تنتمي إليها، وهي قطر، التي كانت تسعى إلى تنفيذ أجندة إقليمية خاصة لجيل كامل. وربما تُفضي الضغوط المتولدة في مختلف أنحاء جنوب شبه الجزيرة العربية إلى إنتاج المزيد من الصدمات السياسية.
يصبِح هذا التوقع أكثر ترجيحاً نظراً للضغوط المحلية المتصاعدة المطالبة بالإصلاح، والتي تفرضها شريحة من المواطنين الشباب الحاذقين في التكنولوجيا والمشاركين على الصعيد العالمي. وسوف يكون إصلاح الهياكل الاجتماعية والسياسية التي ظلت قائمة لقرون من الزمن صعباً بقدر ما هو ضروري.
يؤثر الاتجاه الرابع على العالَم العربي بأسره، فضلاً عن إيران وتركيا: فقد أصبح الدور الاجتماعي الذي يلعبه الدين مثار نزاع على نحو متزايد. وكانت الحروب والأزمات الوفيرة طوال السنوات الست الماضية سبباً في تراجع قدر كبير من التقدم الذي حققه الإسلام السياسي في العقود التي سبقت ما يسمى انتفاضات الربيع العربي التي اندلعت في العام 2011. ومع ترسخ التطرف على نحو متزايد من ناحية، وتقديم المسلمين الشباب لفهم مستنير لدينهم من ناحية أخرى، تستعر معركة تدور رحاها حول روح الإسلام.
سوف يكون التصدي لكل هذه المشاكل التي تنطوي عليها هذه الاتجاهات الأربعة في آن واحد شيئاً مستحيلاً على القادة، سواء داخل العالَم العربي أو خارجه، وخاصة في وقت يتسم بتصاعد النزعة الشعبوية ومعاداة المهاجرين في مختلف أنحاء الغرب. ولكن التحرك على هذا المسار ممكن، بل هو واجب. ويتلخص المفتاح في التركيز على القضايا الاجتماعية الاقتصادية، وليس المسائل الجيوسياسية.
لا ينبغي للغرب أن يستسلم للأوهام بشأن إعادة ترسيم الحدود أو تشكيل دول جديدة في المنطقة؛ فلن تُفضي مثل هذه الجهود سوى إلى الكارثة. ويتمثل أحد الخيارات الواعدة للغاية في هذا السياق في وضع خطة مارشال كاملة للعالَم العربي. ولكن في عصر التقشف الحالي، تفتقر دول غربية عديدة إلى الموارد، كما تفتقر إلى الدعم الشعبي لمثل هذا الجهد -والواقع أن أغلب العالَم العربي اليوم لن يتمكن من تحقيق أقصى قدر من الاستفادة من مثل هذه الخطة على أي حال.
لكن ما يستطيع القادة -سواء داخل أو خارج المنطقة- أن يقوموا به هو السعي إلى تبني استثمارات ذكية وواسعة النطاق في التعليم الابتدائي والثانوي، والشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم (التي تشكل العمود الفقري للاقتصادات العربية)، ومصادر الطاقة المتجددة (القادرة على دعم الجهود الرامية إلى رفع مستوى سلاسل القيمة الإقليمية).
صحيح أن ملاحقة هذه الأجندة لن تمنع انحلال الدولة العربية الحديثة في بلاد الشام، ولن تولد عقوداً اجتماعية قابلة للتطبيق في شمال أفريقيا، ومن المؤكد أنها لن توفق بين المقدس والعلماني. ولكن، من خلال محاولة معالجة إحباطات الشباب الاجتماعية والاقتصادية، يُصبِح بوسعها أن تخفف الكثير من العواقب الأطول أمداً، والمترتبة على هذه الاتجاهات.
 
*مؤلف كتاب "الإسلاموية: ما الذي تعنيه للشرق الأوسط والعالم"، و"مصر على الحافة".
*خاص بـ "الغد" بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات