عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Jan-2017

بين هوامش كيري واشتعال الجبهات.. مايزال الملف اليمني قضية مؤجلة*أحمد عبد اللاه

القدس العربي-يختفي وزير خارجية أمريكا جون كيري ليحل محله، كما يُعتقد، ريكس تيلرسون المرشح في إدارة ترامب الجديدة، الذي بكل تأكيد لا يمتلك أي معرفة حقيقية عن اليمن، إلا من خلال النشاطات السابقة لشركة إكسون موبيل، التي حفرت بئرين استكشافيتين في قطاع عماقين/ محافظة شبوة ثم رحلت.
كانت مبادرة كيري التي حملها إلى اجتماع الرباعية (امريكا بريطانيا السعودية الإمارات) في مدينة جدة نهاية أغسطس العام الماضي، عبارة عن «سكتشات» غامضة في بدايتها، حتى أنه لم يستطع بلورتها بشكل مفهوم في مؤتمره الصحافي مع وزير خارجية المملكة السعودية، فقدّم شرحاً عائماً مرتبكاً، بينما أكد نظيره السعودي، بصورة مغايرة حينها، على التمسك بالمرجعيات «الشهيرة» التي يتم ترديدها في كل مناسبة.
وهكذا اعتبرت المبادرة منذ ولادتها هوامش أو خواطر، بصياغة غير متماسكة ومتضاربة الدلالات، حتى أنها لم ترقَ إلى أن تظل مستندا موضوعيا في سجلات الجهود المبذولة لإيجاد حل سياسي لأزمة اليمن المشتعلة منذ 21 سبتمبر 2014 حين أسقط أنصار الله «الحوثيون» عاصمة اليمن صنعاء بالقوة ثم أشعلوا اليمن، من بعدها، في حروبهم غير المسبوقة في التاريخ.
أحدثت ما وُصفت لاحقاً بخريطة الطريق أو مبادرة كيري، التي تبناها مبعوث الأمين العام، ولد الشيخ، دون أي منتجة أممية، صدمة كبيرة للجانب الذي يمثل الشرعية في اليمن، خاصة أن مضمونها الرئيس تركز على إيجاد معادلة سياسية جديدة تقوم على نزع صلاحيات رئيس الجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها جميع أطراف الصراع، يتزامن ذلك مع تسليم «أسلحة» وانسحابات شكلية لمليشيات أنصار الله من مدن رئيسية. تلك الخطة أحدثت مخاوف كبيرة من منطلق أن نزع صلاحيات الرئيس وإلغاء دور مؤسسة الرئاسة التي تمثل مرجعية لمختلف القوى المنضوية تحت لوائها، يعني حرفياً إفراغ الشرعية من مضمونها الأساسي، ما قد يدفع الوضع اليمني إلى الانزلاق نحو مجاهيل خطرة. فكان رفض الحكومة الشرعية بشكل صادم لهذه الخريطة رداً أجبر وزير خارجية الولايات المتحدة ومعه المبعوث الأممي على إجراء تعديل في مضمونها.. ربما تركز في مسائل تتعلق بالجداول الزمنية للمسارين السياسي والأمني، بحيث تتيح بقاء الرئيس حتى تُستكمل التزامات جانب الانقلابيين في الشق الأمني. وهذا الشكل المعدل للخطة هو ما يسعى ولد الشيخ في تحركاته الحالية لمناقشته مع الأطراف ذات العلاقة.
إن أي قارئ متابع لجهود كيري في الملف اليمني يمكنه استنتاج الارتباك والسطحية الشديدة في طروحاته، وصلت أحيانا إلى حد الاستهانة بتداعيات الأزمة اليمنية على دول شبه الجزيرة العربية، والأبعاد السياسية التي تدخل في سياق الأهداف الكبرى لجمهورية إيران الإسلامية، في إحداث تغيير بنيوي استراتيجي في النظام العربي لخدمة تطلعاتها التوسعية في المنطقة. أي أن وزير الخارجية الأمريكي السابق ربما كان يعبر عن «الأوبامية» المعلنة في رؤية تقسيم المنطقة بين نفوذ إيراني وعربي، ولهذا تجلت أدوار سكرتير الخارجية الأمريكي السابق في سوريا واليمن بشكل خاص بما يلبي تلك الرؤية واتسم أداؤه بعدم الجدية، والتساهل مع الجانب الذي يخدم الأجندة الإيرانية، إلا بما يحفظ الحد المقبول الذي يلبي مصالح امريكا في بعض الدول العربية ويبقيها حاضرة في أزماتها وملفاتها المتعددة.
من ناحية أخرى اشتعلت جبهات القتال بصورة مضاعفة في الفترة الأخيرة.. وبين حين وآخر يتم الإعلان عن تقدم قوات الشرعية في عدة مواقع مهمة، لكن مع ذلك لا يبدو بشكل واضح أن هناك تحولا استراتيجيا في سير المعارك لأي من الطرفين، ما يعني أن الحرب ستأخذ مداها اللامحدود في عمليات مد وجزر واستنزاف متبادل، بينما تنزلق الحياة العامة للمواطنين إلى مستويات معيشة قاسية. وقد تصل إلى وضع لم يعد مقبولا للعالم، وهذا ما يسعى إليه التحالف الداخلي بين صالح والأنصار، باعتبار المسألة الإنسانية والوضع الاقتصادي والخدمي وسيلة لابتزاز العالم، ومحاولةً لجلب مزيد من الاهتمام بحل النزاع في اليمن بصورة تخدم بقاء أنصار الله كطرف متفوق عسكريا وسياسياً، وهذا بالطبع وضع غير مأمون للداخل والخارج، وقد يعني انتصارا نهائيا للمشروع الانقلابي بأبعاده الإقليمية.
اليمن، وفقاً لكثير من المحللين في الشؤون السياسية والعسكرية، بحاجة ماسة إلى تحول مهم في أرض المعركة، وتحقيق انتصار كامل على الأقل في واحدة من الجبهات المحورية، مثل تعز، أو الاقتراب من مشارف صنعاء وأريافها، ما يعني الوصول إلى وضع يشكل منعطفا حاسما في سير المعارك لصالح قوات الشرعية. عندها ربما يتمكن العالم، من خلال الأمم المتحدة أو الرباعية، التي لا أحد يعلم مصيرها بعد إدارة أوباما، بأن يجد خريطة طريق لإنهاء الحرب والبدء بالتوصل لحلول سياسية. ومن أجل إيجاد الحلول السياسية المستدامة يشدد كثير من الساسة العارفين بتفاصيل الأوضاع في اليمن وخلفياتها، على ضرورة أن يدرك الأقليم والعالم المواجع التاريخية التي يعاني منها اليمن والتي أنتجت هذا المشهد الخطير وألا يتم العلاج بالمسكنات التي ما أن يبطل مفعولها حتى يصاب البلد بنكسة أخطر وأعظم، أي أن الحلول لا تقتصر على إيجاد صيغ توافقية تلبي حاجة المكونات الحزبية والسياسية في مجريات صراعها على السلطة، وإنما حلول متسلسلة ومتكاملة تكسب اليمن بكل فئاته وأجزائه القدرة على الحياة والانتقال إلى مراحل الاستقرار الحقيقي الطبيعي بمفاهيمه العصرية، وهذا يتطلب من القوى السياسية في الداخل اليمني، قبل الآخرين في خارجه، القفز على تكتيكاتها ومصالحها والتسليم بعوامل «البقاء الآمن» حتى إن كانت تحتاج الى حلول كبيرة وقاسية.
كاتب يمني

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات