عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Feb-2017

العراق: حرس نينوى وعلاقات القوة*يحيى الكبيسي

القدس العربي-بعد سيطرة تنظيم الدولة/ داعش على الموصل في حزيران/ يونيو 2014، وسيطرته على أكثر من ثلث مساحة العراق، وانهيار المنظومة العسكرية والامنية العراقية، برزت فكرة العمل على تشكيل قوى عسكرية محلية لمواجهة هذا التنظيم. وقد كان الأمريكيون فاعلا رئيسيا في تسويق هذه الفكرة، بداية من تموز/ يوليو 2014، فقد وجد الامريكيون ان تشكيل قوى محلية، بقيادات محلية، يمكن ان تكون مقدمة لمعالجة ازمة الثقة القائمة بين جمهور المحافظات الخاضعة لسيطرة داعش، والحكومة العراقية التي يهيمن عليها الفاعل السياسي الشيعي، والقوات العسكرية والأمنية التابعة لها. بل ان الأمريكيين جعلوا هذه المسألة مرتكزا أساسيا في خطتهم الاستراتيجية للتدخل العسكري، والتي أعلنت في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر، فقد اعتمدت الخطة على ضربات جوية منهجية، ودعم قوات محلية «سنية» لمواجهة تنظيم الدولة/ داعش في تلك المرحلة، ثم تحولت مسألة الحرس الوطني إلى مطلب سني صريح، مع عجز التحالف الوطني، ممثل القوى الشيعية، على اعلان رفضه لهذه المسألة خشية إغضاب الامريكيين.
هكذا وجدنا الحرس الوطني حاضرا في البرنامج الحكومي الذي تقدم به السيد العبادي إلى مجلس النواب في أيلول/ سبتمبر 2014. فقد أشار البرنامج إلى أن من اولويات الحكومة تشكيل منظومة الحرس الوطني من أبناء كل محافظة كقوة رديفة للشرطة والجيش، وجعلها «العمود الأساسي في إدارة الملف الامني في المحافظات». كما كان حاضرا في وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية لتشكيل الحكومة، التي حددت سقفا زمنيا لتشريع قانون تشكيل الحرس الوطني لا يتجاوز ثلاثة أشهر من لحظة حصول الحكومة على الثقة!
وقد كانت هناك إشارات إلى أن الحكومة العراقية كانت تعمل فعلا على إصدار هذا التشريع، ففي نهاية أيلول/ سبتمبر بدأ تداول مسودة أولى لمشروع قانون الحرس الوطني، كما اعلنت الحكومة العراقية في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر أن إجراءات تشكيل الحرس الوطني تشق طريقها بالتنسيق مع وزارة الدفاع وهيئة الحشد الشعبي ولجنة المصالحة الوطنية. لكن وفي نهاية شباط/ فبراير من عام 2015، تداولت مسودة ثانية لقانون الحرس الوطني تختلف اختلافا جذريا عن المسودة الاولى!
فالقراءة التحليلية لكلا المسودتين تكشف عن تحول جذري في الرؤية التي يتصورها الفاعل السياسي الشيعي لفكرة الحرس الوطني؛ فالمسودة الاولى 2014 كانت أقرب إلى الفكرة الامريكية حول الحرس الوطني «المحلي»، وإن كان واضحا ان واضعي مشروع القانون قد تطرفوا كثيرا في التعاطي مع الفكرة. ولكن المسودة الثانية تكشف هيمنة رؤية الفاعل السياسي الشيعي، وإفراغه لمضمون التصور الأمريكي، ليكون القانون مجرد شرعنة للميليشيات العاملة تحت عنوان الحشد الشعبي من جهة، وللجهات التي كانت جزءا من مشروع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في المناطق السنية، سياسية كانت ام حاملة للسلاح. كما ان القانون يحيد المحافظين ومجالس المحافظات من أي صلاحيات حقيقية فيما يتعلق بالحرس الوطني ويجعل السلطة والاوامر مركزية تماما عبر قائد الحرس الوطني والقائد العام للقوات المسلحة حصرا. وفي نهاية المطاف، وبعد تراجع الامريكيين عن التأكيد على مشروع الحرس الوطني، وعجز القوى السنية عن إلزام الحكومة بتنفيذ وثيقة الاتفاق السياسي! أو إلزامها بتنفيذ برنامجها المعلن! انتهت فكرة الحرس الوطني تماما، واستعيض عنها بشرعنة الميليشيات العاملة تحت مسمى الحشد الشعبي! على ان تجربة معزولة كانت تجري في مناطق غير خاضعة لسيطرة الحكومة المركزية، فقد انتج التقارب بين آل النجيفي، ورئيس اقليم كردستان السيد مسعود البارزاني، تحت المظلة التركية، تجربة انتاج قوة عسكرية محلية، تديرها قوى محلية، بعيدا عن هيمنة المركز. وقد اعترفت الحكومة المركزية بداية بما سمي باسم «الحشد الوطني»، ثم تراجعت لاحقا، وسحبت النسبة الأكبر من هذه القوة، والتي كانت تمثل أفراد الشرطة المحلية في الموصل، إلى معسكر سبايكر في محافظة صلاح الدين في تموز/ يوليو 2015 ، واكثر من ذلك فقد اتهمت هذه الميليشيا بالتبعية لتركيا، واتهم قائدها اثيل النجيفي بالخيانة، وأصدرت مذكرة قبض بحقة! ولكن الامور تغيرت فجأة، تحت الضغط الامريكي، وتم قبول هذه القوة، التي تغير اسمها إلى «حرس نينوى»، ضمن القوات العسكرية المشاركة في معركة الموصل! وقد شاركت هذه الميليشيات فعليا في معارك قاطع شمال الموصل متجحفلة مع قوات الفرقة 16 من الجيش العراقي. ثم صدر قرار في نهاية العام الماضي بضم هذه القوات إلى الحشد الشعبي رسميا.
ولكن التصريحات التي صدرت عن قائد عمليات الموصل الفريق الركن عبد الامير يار الله في نهاية الشهر الماضي اعادت طرح السؤال عن مدى استعداد بغداد للتعاطي مع هذه القوة. فقد تحدث القائد العسكري بحديث سياسي بحت، عندما أكد ان قوات الجيش العراقي والشرطة المحلية وحدها هي من يسمح لها بالتواجد في الساحل الأيسر من مدينة الموصل الذي تمت استعادته مؤخرا، وان حرس نينوى لن يسمح لهم بالبقاء في المدينة! بل أن حديثه حمل تشكيكا صريحا بهذه القوات، بأن هذه القوات سيكون تواجدها بعيدا عن «التماس مع العدو، لا سيما ان الساحل الأيمن للموصل لم يحرر إلى الآن»! ولكي يكتمل المشهد الهزلي، تحول القائد العسكري فجأة إلى مأمور في الضبط القضائي! ليصرح ان ثمة مذكرة إلقاء قبض بحق الأستاذ أثيل النجيفي، وان هناك اوامر صدرت بالقاء القبض عليه في حال دخوله المدينة!
في المقابل، ومنذ البداية، كانت ثمة فكرة اخرى أخذت تتبلور تدريجيا في أذهان الفاعل السياسي الشيعي في العراق، وبمشورة ايرانية ربما، تتجه نحو انشاء جيش عقائدي رديف للجيش الرسمي، على غرار الحرس الثوري الإيراني، يتكون بشكل أساسي من الميليشيات الشيعية العقائدية المرتبطة بايران آيديولوجيا من خلال (مقولة ولاية الفقه)، وعضويا (عبر الحرس الثوري وفيلق القدس أو إطلاعات)، ويعتمد في تمويله على الدولة العراقية، وعلى قيادة شكلية ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، دون ان يكون لوزارة الدفاع أي علاقة بهذه القيادة/ البنية العسكرية، وهو ما تم تكريسه لاحقا من خلال قانون هيئة الحشد الشعبي.
لا يمكن فهم ما جرى لميليشيا «حرس نينوى»، إلا من خلال معرفة السياقات التي جرى فيها رسم استراتيجيات مواجهة تنظيم الدولة، والترتيبات المتعلقة بمرحلة ما بعد تنظيم الدولة ، والتي تحدثنا عنها بالتفصيل في مقالات سابقة. فليس ثمة إمكانية للسماح لحرس نينوى، ببنيته الحالية، كقوة مستقلة خارج «السيطرة»، أن يكون جزءا من ترتيبات ما بعد داعش بأي حال من الأحوال، وبالتالي فان هذه القوة في المستقبل القريب ستواجه احتمالين: الاول ان يتم حلها، والثاني ان يتم تغيير بنيتها بدعاوى شتى، لتفرغ من محتواها، ولتتحول إلى قوة شكلية غير فاعلة، تستخدم غطاء لتسويق سياسي مفاده ان ثمة قوى محلية لها دور في المشهد العسكري والامني في هذه المناطق، تماما كما هو حال القوى العشائرية «السنية» في ديالى وصلاح الدين والأنبار.
 
٭ كاتب عراقي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات