عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jun-2018

هزيمة يونيو كما يرويها الشعب المصري في كتاب لخالد أبوالليل

 «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: «الهتيفة والمستفيدين وأصحاب المصالح وقتها هما اللي قاموا وقالوا لأ ما يمشيش. أنا كنت شاب وقتها وقلت: يغور في داهية، دول خربوا البلد، وقبضوا على خالي وقت أزمة عبد الحكيم عامر، وكان راجل كبير وأعرج عنده 60 سنة، ودخل السجن علشان فِرِح لما ناصر اتنحى، وما طلعش إلا لما جه السادات».

«كانت الناس مهزومة، ونفسيتها كانت تعبانة، بس اكمن عبد الناصر طرد الإنكليز وشال الفساد اللي كان في البلد، الناس كانت غافرة له موضوع النكسة».
ما بين كلمة (نكسة) التي تبنتها أبواق السلطة الرسمية، التي أطلقها بوق النظام الناصري الأكبر محمد حسنين هيكل، استمراراً في سياسات الكذب والتخدير، وبين كلمة (هزيمة) وهي الأوقع والأدق لوصف الحال وقتها، وهي التي أطلقها «الشعب»، والتي أصبحت اليوم هي الكلمة التي يتعلق بها المثقفون أو المتثاقفون، وكأنهم فجأة اكتشفوا نضالهم، أو الحقيقة التي غابت عن الكثيرين. وبعيداً عن برامج الإذاعة ومقالات الصحف، ومومياوات البرامج الفضائية، وحكاياتهم التي هي في الأصل تصفية حسابات، أو جيل جديد ورث حُب أو عداء عبد الناصر أملاً في وضعهم بفي (خانة) المناضلين والمُنظرين الجدد، يبدو التساؤل حول الصوت الأعمق ــ المنسي دوماً ــ القاصر والخافت من وجهة نظر شهداء الوطنية المعهودين. 
صوت الناس، الناس العادية، رواد المقاهي، أهل القرى والحواري، عشاق أساطير الزعماء وسيرهم الشعبية، كيف يرون ما حدث؟ وكيف كانت رواياتهم؟ ومن فكرة التأريخ من وجهة نظر الشعب، يأتي كتاب «التاريخ الشعبي لمصر في فترة الحكم الناصري.. رؤية جديدة من وجهة نظر المهمشين» لمؤلفه خالد أبو الليل. ورغم رفض المصطلح المُستهلك ــ المهمشين ــ إلا أن التجربة البحثية للكتاب فيها الكثير من الجهد والإدهاش، من حيث الآراء المختلفة وكيفية تفسير الحدث، وتداعي نتائجه على هؤلاء ــ لا يخلو الأمر من تصديق الإشاعات وتحويلها إلى أساطير تتبناها المخيلة الشعبية، كرد فعل أو بديل انتقامي ــ دونما فذلكة أو تنظيرات فارغة لطالما تطالعنا كل عام في ذكرى هزيمة يونيو/حزيران، التي تخطت النصف قرن بعام، والتي لم تزل ذكراها وتداعياتها ذات أثر كبير، مهما تم الإيحاء بغير ذلك. ويلاحظ أن النسخة المعتمدة للكتاب جاءت نتيجة تسجيلات ومقابلات تمت عام 2010، إلا أن هذه الشهادات تم تعديلها بطلب من أصحابها، بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، بهدف الإفصاح عن الرأي أكثر، دونما خوف أو ريبة، ولنا أن نتخيل كيف ستكون هذه الشهادات إذا تم توثيقها الآن!
 
تباين وجهات النظر
 
الكثير من القضايا المترابطة يمكن الكشف عنها في ما يخص هزيمة يونيو، بداية من المناخ القمعي والدولة البوليسية، التي أصبحت أحد أهم أسباب صدمة الهزيمة ــ لم تزل صدمة رغم حتميتها ــ وصولاً إلى واقعة التنحي، وما طالها من تباين حاد، كونها شعورا حقيقيا بالمسؤولية، أو تمثيلية كان لابد من القيام بها، كمعظم ما كان من أحداث. هذا التباين بدوره تأتي أهميته من كونه ليس صادراً عن أشخاص في مركز اتخاذ قرار أو مكلفين بمهام ومسؤوليات في الدولة، من ناحية أخرى نرى مدى المصالح المرتبطة بهذا الرأي أو ذاك في تكوين وجهة نظره، أو ما جعله يتخذ موقفاً بعينه، وبين هذا وذاك يمكن تلمّس الحِس الشعبي المصري، كيف يرى حاكمه، وكيف له أن يحاكمه، حتى لو في سِرّه، أو بينه وبين نفسه، أو أن يعلن ذلك صراحة بعد ما يقارب النصف قرن ــ وقت توثيق الشهادات ــ وقد تأكد إلى حد ما أنه بمنأى عن الخطر.
 
الهزيمة
 
تعددت الأسباب من وجهة نظر الناس، البعض منها يبدو منطقياً، والآخر يتماشى ومخيلة الشعب ومحبتها لنسج الأساطير لكثرة ما سمعت طوال تاريخها، فصوّرت الأمر على أنه صراع معهود بين رجلين، أحدهما يحظى بجماهيرية الشعب، وآخر يضع الجيش في جيبه.. «السبب هو حقد المشير عامر على عبد الناصر، استكر عليه حب الناس، جاله في دماغه إنه لما يقع عبد الناصر في حرب زي دي الشعب ممكن يكرهه. وعبد الحكيم كان له حاشية جامدة». (الحاجة أم هيثم، من محافظة قنا). بينما يُرجع آخر السبب إلى حرب اليمن، وعدم استعداد الجيش المصري لخوض حرب جديدة .. «الجنود كانوا مش مستعدين، إزاي أجيب جنود طالعة من حرب اليمن، علشان ثورة السلال وأحطها تحارب مع إسرائيل». بينما يرى آخر أن سبب الهزيمة هو عدم استجابة عبد الناصر لطلب عبد الحكيم عامر بأن تكون مصر هي البادئة بالهجوم، إضافة إلى اتهام الكثيرين ومسؤوليتهم عما حدث، مثل صدقي محمود قائد سلاح الطيران، وصلاح نصر رئيس المخابرات المصرية.
 
التنحي
 
أما واقعة التنحي، فتميزت الآراء بالتباين الحاد، ما بين مسؤولية الرجل عما حدث، أو التمثيلية الخائبة والمدبّرة من قبل المخابرات ورجال الاتحاد الاشتراكي. فيقول أحدهم «ما كانش فيه حاجة اسمها تنحي، دي كانت تمثيلية، والاتحاد الاشتراكي هو اللي عملها. لو عاوز يتنحى كان يبعد عن البلد خالص، كان راح بعيد، كانت تمثيلية في التلفزيون». بينما يرى آخر سبباً مختلفاً أدى إلى رفض الشعب قرار تنحي عبد الناصر، فيقول «أول حاجة ما يشَمِّتش اليهود، ويعرّفهم إنهم نجحوا في خططهم، تاني حاجة إنه هو السبب في الورطة، يبقى هو المسؤول عن حلها». ثم يأتي آخر ليضيف، «كونه إنه يتنحي ويقول: أنا متحمل كل المسؤولية، دي رجولة ووطنية، وبعدين الشعب رَجّعُه». ورأي أخير يُرجع السبب إلى المناخ البوليسي الذي كانت ــ ولم تزل ــ تحياه مصر في ظل النظام الحاكم وحزبه الأوحد، سواء قبل الهزيمة أو بعدها.. «كان اللي في الاتحاد الاشتراكي دا إله، ما كانش حد يقدر يخالف أو يعمل عصيان. السجون مفتوحة والقلعة موجودة، والمعتقلات بالكوم، كان الأخ يخاف يتكلم مع أخوه تلات كلمات ليكون في الاتحاد الاشتراكي يروح يبلّغ عنه يعدمه. الناس طلعت.. لا تتنحى لا تتنحى».
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات