عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jul-2018

في سيرة باحث غير تقليدي آصف بيات… المثقف العضوي

 القدس العربي-مدى الفاتح

■ إذا لم تكن الفرصة قد سنحت لك من قبل للاستماع إليه أو قراءة بعض من مقالاته وإسهاماته الفكرية المتنوعة فإن الاكتفاء بالمرور على السيرة الذاتية لآصف بيات كما ترويها الموسوعات والمعاجم التعريفية قد يكون مضللاً. سوف تخبرك هذه الموسوعات على سبيل المثال عن أصله الإيراني، وذلك في الواقع نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر فهي أنه لم يكن إيرانياً بقدر ما كان أمريكياً. ربما يفضل البعض تعريفه كأمريكي من أصل إيراني، وهو تعريف يبدو في ظاهره محايداً، لكنه يقدم فكرة غائمة عن هوية كتاباته التي مرت بالضرورة على الحالة الإيرانية، وعلى تحليل ثورتها إلا أنها تجاوزت كل ذلك ليتحول صاحبها لأحد كتاب التيارات العابرة للأوطان، ما يجعله شبيهاً بما كان يمثله المنظر علي شريعتي (1933-1977) الذي كان، رغم أصله الإيراني، ملهماً لكثير من الحركات الاجتماعية خارج محيط بلاده.
حالة «ما فوق الوطني» ما تزال، رغم وجود بعض النماذج، نادرة في الثقافة الشرقية التي يعتز المنتمون إليها، بشكل أكثر من اللازم أحياناً، بالهويات الصغيرة فتفشل كتاباتهم في معالجة الواقع بشكل أشمل وأعمق وأكثر تحرراً، وتظل رهينة لضيق الانتماءات.
ستعرّف السيرة الذاتية آصف بيات بأنه أستاذ جامعي يدرّس علم الاجتماع في جامعة إلينوي الأمريكية وفي غيرها من المعاهد والجامعات. ما أقوله هو أن اختزال الرجل في هذا التوصيف، يبدو أقرب لاختزال إدوارد سعيد في صفته كأستاذ للأدب أو الأدب المقارن. استدعاء ادوارد سعيد هنا مهــــم، حيث يمكن أن نعتـــــبر آصف بيات نموذجاً «للمثقف العضـــــوي»، التعبير الذي يذكر بكتابات الفيلسوف الإيطــــالي أنطونيو غرامشي، كما يذكّر بالشخصية الاستثنائية لإدوارد سعيد، الذي قد نتفق على أنه كان أحد أهم أولئك المثقفين العضويين في القرن العشرين. المثقف العضوي هو ذلك الذي يتجاوز دوره دور المثقف البيروقراطي المعلّب ككاتب أو أستاذ بتخصص ضيق، ليصل حد الالتحام مع التحديات السياسية والقضايا الفلسفية في الموطن والعالم. بتعبير آخر هو مثقف غير منفصل عن الواقع، وغير غارق في عوالم الأكاديمية المجردة التي لا تتصل بتراب الحياة. 
كتب آصف بيات في علم الاجتماع السياسي، وفي تحليل الحركات الاجتماعية، وجاء جزء كبير من كتاباته ضمن ما يسمى في الدراسات المعاصرة بسوسيولوجيا الأديان حيث تخصص حسب خلفيته، في سوسيولوجية الإسلام، وفي الارتباطات الاجتماعية والسياسية لهذا الدين، مع تخصص في نموذج منطقة ما يسمى بالشرق الأوسط. يمكن للقارئ أن يجد داخل كتابات آصف بيات أصداء كثيرة ليس فقط لادوارد سعيد الذي حاول إعادة تعريف العلاقة بين المشرق والمغرب، أو لغرامشي الذي مزج النضال الفكري بالنضال السياسي، ولكن أيضاً لميشيل فوكو وتنظيراته حول ثنائية السلطة، بمعناها الشامل الذي يتجاوز أعلى الهرم السياسي، وحتمية المقاومة. ستكون كتابات بيات بهذا المعنى خليطاً بين دراسات الحركات والعلوم الإسلامية والسياسة وعلم الاجتماع والفلسفة، وسيجتمع كل ذلك ضمن مزيج متناسق غير مفتعل عبر خلق علاقات معرفية وترابط فكري مشوق.
جمع آصف بيات مجموعة من أفكاره ومقالاته التي نشرها خلال العقد الأول من القرن الجديد تحت عنوان سيكتسب شهرة إبان أحداث الربيع العربي: «الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط؟»
في هذا الكتاب (نشر قبيل أحداث الاحتجاجات العربية ما جعله يبدو وكأنه تنبؤ بها)، لن يكتفي بيات بتحليل دور الحركات الاجتماعية، ولكنه سيلفت النظر كذلك لدور ما سماه «باللاحركات» وهي المجموعة من الشعب التي لا يكترث لها أحد، ولا تنخرط ضمن أي تنظيم، لكنها تظل قادرة دائماً على صنع لحظات فارقة إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة. هذه الفكرة الأخيرة ستجعل من الكتاب مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه لفهم طبيعة التحولات في المنطقة، خاصة اللحظة الثورية وما رافقها من تداعيات وتراجعات، لكن نبوءات آصف بيات لم تكن جميعها صادقة، فقد كان، على سبيل المثال، من أوائل من استخدموا مصطلح «ما بعد الإسلاموية» بكثافة كدليل على دخولنا عصر انحسار الحركات الإسلامية بأشكالها التقليدية. نحت بيات مصطلح «المجتمع ما بعد الإسلاموي» الذي أتى بعد دراسة خاصة للمجتمع الإيراني الذي تجاوزت سلطته شعاراتها الإسلامية التي استنفدت أغراضها، حسب ما كان يرى الكاتب. ما حدث هو أنه، ومثلما حقق الربيع العربي نبوءة بيات الأولى، التي تحدثت عن تغيير يقوم به أفراد عاديون، من دون تخطيط ممنهج مسبق، كذّبت أحداث الربيع نفسها نبوءته حول تجاوز الحركات الإسلامية، حيث ثبت أن هذه الحركات ما تزال تحظى بالشعبية، وأن كثيراً من الجماهير، اللاحركية حسب اصطلاحه، ما تزال مستعدة للمراهنة عليها. لآصف بيات في بعض الأحيان إشارات طريفة وغير تقليدية، من ذلك مقاله الذي قارن فيه بين المطرب عمرو دياب والداعية عمرو خالد، لجهة أن الاثنين يشتركـــان في النجومية والشهرة وفي الشعبية الجارفة التي يجدونها في الأوساط الاجتماعية المختلفة. 
نشر ذلك المقال في وقت مبكر لدرجة أن بالإمكان أن نقول إن بيات كان من أوائل من حاولوا تحليل ما سيعرف إعلامياً بظاهرة «الدعاة الجدد» الذين بدا منهجهم موازياً لمنهج الشيوخ التقليديين، بل في كثير من الأحيان منافساً لهم. يبقى آصف بيات كاتباً مختلفاً وجديراً بالقراءة، أما الاتفاق والاختلاف فهو حق مكفول للجميع، أو هكذا يجب أن يكون.
 
٭ كاتب سوداني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات