عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jun-2018

«الجنة هي الآن» *بروين حبيب

 القدس العربي-أبدًا، يجب ألا نستسلم للغائب، أو نرفع الرايات البيضاء للمجهول، لا نريد جنانًا اسمها المستقبل، نريد شكر ربنا الكريم الكبير الواحد على هبة الحياة بأن نعيشها بالحمد والأخلاق العالية والشكر. الفردوس جنة يومنا تنشأ بما كتب لنا، والمواعيد لا تتأجل بل تأتي تباعًا، كما أرواحنا تسبح في أبعاد الزمان والمكان، تساكن في العلا من تشاء وبدون استئذان.

نحن نمنح الحب ونقتله بأيدينا، نحن تلك اللحظة المسكونة بالفرح، وإذا ما اشتعل فتيل الحب عنوة لا نعرف متى وكيف وأين…
قدر الوجوه أن يطغى عليها وجه واحد، هو ذاك القلب الذي يخطفنا ولا يرحم، يسافر معنا في الحلم والواقع، هي الوعود التي قدرها أن تحضر، ما دام العاشق لا يحرك قلبه إلا البعد والحرمان.
الجنة في تفاحة آدم المحرمة… الفاصل الوحيد الذي نعرفه بين الجنة والنّار، فالسواد لا نعرفه بدون البياض، في الممنوع المرغوب… لا في هذه الجنة التي يموت فيها اليأس والتعب والمحرمات.
وإذا لم نتعب فكيف نرتاح؟ وإذا لم نبكِ كيف نفرح؟ كيف نفهم الفرق؟ نريد خصيلات الشيب ودموع الحنين، فالبحر الذي تصنعه حبات المطر هو البحر الذي تمخر فيه لحظة الحب القاتلة.
الجنة حتمًا هي النقطة المفقودة التي تقارب الصفر بين الماضي والمستقبل. والمطر البحر هو الذي ينهمر على القلوب لتحيا فيه قلوب الطين وتخضر من جديد، وتصدأ فيه قلوب الحديد التي قست علينا وهجرتنا. الجنة هي الآن وليس غدًا، الحياة هنا والآن.
إهدار الحياة مقامرة غير مضمونة للحصول على الجنة في مجهول ما بعد الموت، لقد قيل في وصف الجنة إنها حالة العشق في الشعر، وإنّها لحظة سكينة عابرة، حين تهدأ الروح من متاعب الحياة، وهي من وحي النّص القرآني أو نصوص الأئمة لا تختلف عن جنان الحياة، وعلى نحو مبالغ فيه كثيرًا هي درجات مئة، وأبواب ثمانية، كما ورد عند ابن القيّم، وهي إن لم تكن نتاج مخيلته فما يكون هذا الوصف؟ جنة الممنوعات المسموحة، التي لا تأتي إلاّ بعد صوم طويل يلازمنا منذ الولادة حتى الموت، هي العيد المنتظر لنا جميعًا، وهي المكافأة.
المكان الذي تتوافر فيه كل الملذات الملموسة والمحسوسة، هناك البعيد عن العين، البعيد جدًا عن الحاضر، في الآخرة، في الحياة الأخرى، هناك الجنة، ولا شيء فيها يكافئ الروح التي عانت الخواء الدنيوي.
هذه الروح التي تشعر بالألم والفقدان وغياب الفرح بغياب الحلم الذي يسكننا، والتي وحدها تأخذ طريقها وحيدة إلى الله تاركة قوقعتها تهترئ في التربة الأرضية، هذه الباقية الأبدية، المسافرة عبر السماوات التي لا يعرف الأئمة والمفسرون عددها، ويحددون عرش الله نهاية لدروبها، في وصف خرافي لا يختلف عمّا نراه في أفلام هوليوود الخيالية، تصل إلى هناك ثم تعاود الدخول في أجسادها الجديدة، وتُمنح الكثير من المتع المبالغ فيها، فهل هذا ما نفتقده فعلاً؟ وهل هذا ما نريده لنفني شمعة العمر في التقشف الحسي، والوجداني أحيانًا؟
مجددًا تنتهي رحلة الروح إلى الجسد مجددًا، إلى الجنة التي نفي منها بسبب تفاحة، فما الجدوى من تلك الرحلة في دائرة مغلقة؟ هل يكفي أن يكون المكان مؤثثًا بأفرشة من حرير ومآدب فيها ما لذ وطاب، مزدحمًا بالنساء الحور ليصبح مكانًا موعودًا يجاهد الإنسان نفسه طيلة حياته للحصول عليه؟ قد يقتل من أجله، وقد يفجّر نفسه؟
الخطاب الذي يتسلق غرائز الإنسان منذ مئات السنين ويشوش كل مساره الدنيوي، ثم يقوده عبر أنفاق مظلمة إلى قتل نفسه، ماذا نسميه؟ وإن كانت الغريزة هي الأقوى أمام العقل فما جدوى النصوص التي تخاطبه؟ إن الذي قلب موازين الحياة البشرية وعكّر صفوها هي مكاسب هذه الجنة التي لا نعرف أين هي وماذا فيها ولماذا وجدت؟
في تعريف قديم عثرت عليه لأحد الشعراء الأجانب ولا أذكر اسمه الآن، يقول «الجنة ليست مكانًا، إنها حالة روحية، إنّها النعيم» وفي هذا المفهوم أرى بصيصًا من نور، يهدئ وتيرة القلق التي تولّدت في أعماقنا وتخفف من ثقل الأسئلة.
في كلام آخر يبدو تجديدًا مخالفًا تمامًا لما كُرِّس سابقًا، يذهب محمد الصوياني إلى أن الجنة هي «الحب الذي بخلت به الدنيا، والفرح الذي لا تتسع له الأرض… هي وداع المعاناة… وزمن الحصول على الحريات… وموت السلطات»، ولكن أيضًا فيه من الدنيوي الكثير، الذي تتشكل من خلاله قراءة للواقع المر الذي يعيشه الإنسان وهو واقع فيه كثير من المعاناة والقمع والحرمان والكراهية.
هل الجنة مكافأة متأخرة للإنسان؟ أم هي « كل أحلامنا الجميلة « كما قالت ذات يوم سيمون دي بوفوار؟
هل هي مفهوم متغير متقلّب، مختلف من شخص لآخر، حسب درجة الحرمان والقمع والأشياء المؤلمة المرتبطة بحياته الخاصة، أم غير ذلك تمامًا؟
في كل الحالات إنها جنّة نسبية، مفصّلة حسب أحلامنا ورغباتنا، ولكنّها ليست الجنة الحقيقية تلك التي نجهلها جميعًا، وما نورده من مفاهيم لها لا يتعدّى التكهنات.
أفلا ينطبق هذا على ما جاء به غريغوار لاكروا بقوله إن الجنان كلها مصطنعة؟ أم أن وجود الجنّة والنّار من ضرورات الحياة، وقد وجدت لتضع الإنسان بين قوسين لا يمكن تجاوزهما، بتوفر حرية محدودة تسمح له بأن يسرح ويمرح بينهما، مع أن نزار قباني لا يرى منطقة وسطى بين الجنة والنار!
إلى أين نحن ذاهبون إذن؟
لا أدري، فأجوبة الكتب لا توصلنا لشيء، إلا أنها بقصد أو بغير قصد، تجعلنا ننهمك في بناء جنتنا بطرق مختلفة، أمّا الذي يسلكه التقاة، ذوو الضمائر الحية والقلوب النابضة بالإنسانية، فهم يعيشون جنتهم الخاصة في الدنيا قبل الآخرة، يغرفون من متع العطاء ما استطاعوا، يحبون وفي الحب فرح، يزرعون ويقطفون ثمار تلك المحبة، وفي ذلك ما يكفي من الطمأنينة لتوقع آخرة هادئة.
غوته يريد جنة يرفل فيها وحيدًا، إذ يبدو أن مشاريع الكتابة لديه كثيرة، وإنجازها في مكان لا ضجيج فيه هو جنته، أليس غريبًا ألا يحلم غوته بحور العين وبأنهار من الخمر وصوان من الفواكه والحلويات؟
نعم، هذا غريب علينا، غريب حدّ رفض كل مفهوم يخالف ما ورد في تراثنا الديني والاجتماعي، لكن ما الذي تعنيه الجنة لطفل فارق الحياة في عز طفولته؟ أليست هي حضن أمه وألعابه المفضلة وقليلاً من (الآيس كريم)؟
أليست أقلّ بكثير مما وصفه الشعراء وكتبه الأئمة وشيوخ الدين؟
إن قال البعض إن كلامي مجرّد وجهة نظر، فهو كذلك فعلاً، لكن أليست الجنّة بالمختصر «مسكن آدم وزوجه حواء» أليست فقط تلك المودّة والرحمة وعناقًا روحيًا وسكنًا؟ فما الذي يمنع من أن يكون السكن على الأرض جنة في انتظار جنة الآخرة التي لا تُشَيَّد إلاّ بالمحبة وكثير من جهاد النّفس على سيئاتها؟
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات