عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2018

الذوق الرفيع *مصطفى لغتيري

 القدس العربي-«لا مشاحة في الأذواق» عبارة ترددت على مسامعنا كثيرا، وتعني في ما تعنيه أن الأذواق تختلف من شخص إلى آخر، وليس من حقنا أن نلوم شخصا ما على ذوقه، حتى إن اختلف مع ذوقنا، ولعل ذلك يعد اللبنة الأولى في بناء منيف يدعى قبول الآخر، مهما كان الاختلاف بيننا وبينه.. طبعا هذا كلام جميل وعام، قد يتفق معه الكثير من الناس، كما قد يختلف معه الكثيرون، لذا لن نتعب أنفسنا بالخوض فيه بالتفاصيل المملة، ولنركز حديثنا ـ في المقابل-عن الذوق الرفيع في حد ذاته.

فماذا نقصد به؟ وما هي تجلياته؟
أعتقد بداية أن الذوق الرفيع مرتبط – في بعد من أبعاده – بمستوى ثقافي معين، ولا أقصد المستوى التعليمي طبعا، فكم من متعلم لا يملك من الثقافة سوى القشور، وكم من مثقف اكتسب ثقافته بعصاميته، بدون أن يمر بمراحل التعليم الأكاديمية المعروفة.. ولنا العبرة في ذلك بأدباء ملأوا الدنيا وشغلوا الناس، رغم أنهم لم ينالوا من التعليم النظامي غير القسط اليسير، ثم عكفوا على التثقيف الذاتي، الذي فتح لهم باب المجد الأدبي على مصراعيه، فاحتفظت الذاكرة الجمعية بأسمائهم وإنتاجاتهم، التي أضحت علامة فارقة في تاريخ الإنسانية الفكري والثقافي.
لماذا ربطت الذوق بالثقافة؟ وبدون أن أغوص عميقا أو بشــكل مســهب في التحليـــل، يكفي أن أقول إن الإنسان بطبعه الأول قريب إن لم يكن لصيقا بالطبيعة الحيوانية، والثقافة وحدها هي الكفيلة بإنقاذه من ربقة التصرفات الحيوانية السمجة، فقد ثبت بالملموس، ومن خلال التجارب العلمية أن الإنسان لا يزداد إنسانية وإنما يكتسب صفة الإنسانية بفضل التنشئة الاجتماعية، وكلما زادت ثقافته نقصت السلوكات البدائية العنيــــفة لديه، وقد ركزت هذه التجارب على الأطفال، فلوحظ أن الطــفل كلما اكتسب اللغة، وهي ـ كما هو معروف- شكل من أشكال التعبير الثقافي، أصبح أكثر استعمالا للسانه في حل مشاكله، أكثر من استعماله ليديه، ويمكن لأي شخص أن يلاحظ أن العنف دوما يبدأ تحديدا حينما تعجز اللغة على حل المشاكل بالإقناع، أي بالثقافة، بالمثل فإن الميول الفنية كالرسم والنحت والموسيقى ترقى بإنسانية الإنسان أكثر، وتخلصه من الميول العدوانية، وتبعده أشواطا عدة عن الحيوان الكامن في أعماقه والمتربص به دوما، متحينا الفرصة للظهور كلما لمس تراخيا لدى الإنسان للدفاع عن إنسانيته، لذا فليس غريبا أن تستعمل هذه الفنون كعلاج للأزمات النفسية، والارتكاسات البسكولوجية في كثير من بلدان العالم، فليس خفيا عن الجميع الطرق العلاجية الجديدة، التي ترتكز على الفنون كالموسيقى والرسم والقصص، وقد أبانت عن جدارتها في علاج كثير من الاختلالات النفسية، خاصة عند فئة الأطفال والناشئين .
فكيف يعبر الذوق الرفيع عن نفسه إذن؟
بالطبع يتخذ الذوق الرفيع في التعبير عن نفسه أشكالا متعددة، لا يمكن حصرها في تمظهرات بعينها، بل هي تتعدد بتعدد ظروف الإنسان الحياتية، وثقافته وميوله، وحسه الجمعي المشترك، فإن تهدي لشخص عزيز وردة منتقاة أو قصيدة رقيقة العبارات جميلة الصياغة، أو قطعة موسيقية، فليس ذلك سوى تعبير عن مستوى حضاري ما، وترجمة لذوق رفيع لا جدال فيه.. أن تجلس في ركن قصي وتحمل كتابا تغوص في أسطره بصمت الجبابرة، وأنت تصغي لإحدى المقطوعات الموسيقية الخالدة، هو عينه الذوق الرفيع، الذي أقصده.. أن ترتب ملابسك بشكل معين، فيه الكثير من التفكير والحرص على أن لا تسيء للإنسان فيك، وتقدمه بما يليق به ككائن متحضر، فذلك قمة الذوق الرفيع..أن تحترم الآخر وتقدره وتنصت إليه، وتتحدث بكثير من الشك في ما تقول، بعيدا عن اليقين الجامد، والادعاء الفارغ بامتلاك الحقيقة المطلقة، لهو الذوق الرفيع ما يتجسد في تصرفك.. أن تحترم خصوصية الناس ولا تتدخل في حياتهم الخاصة، وتحرص على لوم نفسك قبل لوم الآخرين، فذلك من الذوق الرفيع بكل تأكيد.. أن تحرص على الانسجام في كل عمل تقوم به، وفي علاقتك مع الآخرين وفي الوسط الذي تحيا فيه، فذلك قمة الذوق الرفيع.. أن تصغي للإيقاع الخفي الذي ينتظم الحياة، وتحاول ألا تخدش سمفونيته الصامتة، بل تساهم من جهتك في أن يستمر هذا الانسجام، الذي يمكن أن تشعر به في اللوحة التشكيلية، وفي الشجرة وفي هبة ريح وفي شقشقة الصبح وفي تحليق نورس في عرض المحيط، وتنظر بعين القداسة والتبجيل إلى هذه السمفونية الرائعة، فليس كل ذلك سوى تعبيرعن رونق الذوق الرفيع. أن تتعامل مع الناس بدون أحكام مسبقة أو كليشيهات جاهزة فذلك يعبر – بلا شك- عن ذروة الذوق الرفيع.
وخلاصة القول، بالذوق الرفيع نرقى، وبرقينا نتجاوز أنفسنا ونساهم في دعم الجانب الإنساني فينا، ونكون – بالتالي- جسرا للإنسان كي يعبر من خلالنا نحو مستقبله المشرق، البعيد عن الابتذال والشوفنية والهمجية المطلقة.
 
٭ روائي مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات