عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jun-2018

«في غرفة العنكبوت» رواية عن مأزق المثلية والوضع الأنطولوجي

 القدس العربي-إبراهيم الحجري

أصبحت المثلية من القضايا الوجودية الشائكة التي تعالجها الرواية العربية في العقدين الأخيرين، تساوقا مع النداءات المطردة بالدعوة إلى الحرية، واحترام اختيارات الفرد في تقرير مصيره، ومنها الرغبات الجسدية التي تصطدم بعوائق العادات والتقاليد والنصوص القانونية والتشريعات الدينية. 
وقد بات الروائيون يجدون في الكتابة حول الموضوع، أرضية خصبة لتعرية ما يكابده الفرد المثلي، من قهر سيكولوجي ومادي، وهو يجابه إكراهات مضاعفة: من جهة الصراع الداخلي، مع الذات الفردية المزدوجة التي تغرد بصوتين متقاطبين، والتي تجد صعوبة في العيش مثل الآخرين، انضباطا للتوازنات الاجتماعية والاقتصادية، من جهة، ومن جهة أخرى، تصطدم بالقمع الشرس من لدن المنظومة المجتمعية التي ترفض رفضا قاطعا هذا النوع من الكائنات البشرية، معتبرة إياهم فيروسات خطرة يجب استئصالها من الكيان المجتمعي، وإقبارها، حتى لا تتفشى، وتنشر العدوى في باقي النسيج المجتمعي، لذلك تظلّ هذه الكائنات البشرية المرفوضة، تمارس حياتها المختلفة بعيدا عن الأعين، في السر، ساعية إلى إخفاء «اختلافها الخطر» عن أعين المجتمع المتربصة.
 
سياق التحول والنشوء:
 
تقحمنا رواية «في غرفة العنكبوت» للروائي المصري محمد عبد النبي، التي رشحت للقائمة القصيرة لبوكر العربية في الدورة ما قبل الأخيرة (2017) ضمن عالم حافل من المفارقات والمتغيرات المجنونة: عالم يبعث على الغثيان، بالصورة القاتمة التي ترسمها الرواية لأبطالها، وهم يتوزعون بين رغبات مجنونة في الجنس المختلف، وقيود المجتمع الرادعة التي تجعلهم يصنعون لأنفسهم أقنعة مموهة للانصياع للتقاليد. وفي خضم هذا الصراع، يتشكل مجتمع المثليين ويطور مفرداته في مجتمع قاهري ضاج بالتنوع، فتصبح لهم لغاتهم وحركاتهم، ومراتعهم الخاصة التي يلتقون فيها بعيدا عن الرقابة المجتمعية. 
يتمكن الراوي بمهارة عالية تشخيص دواخلهم، من خلال لغة شبيهة، ويصور معاناتهم وضيقهم في مصائر مظلمة لم يختاروها. والأغرب أن أغلب هؤلاء من الشعراء والمثقفين والسياسيين، والأثرياء، والفنانين… وقلما توجد بينهم شخصية من القاع البعيد إلا على سبيل المصادفات. كما نجح عبد النبي في نقل المثلية من نزوع فردي محصور، إلى قضية مجتمعية وإنسانية لها أسبابها ودوافعها العميقة، ولها ملابستها الممتدة في النسق الاجتماعي والثقافي.
تصور رواية «في غرفة العنكبوت» الشخصية الرئيسة «هاني محفوظ» المصابة بحالة الازدواجية الجنسية، منذ بداياتها الأولى، تدرجا في الحياة، الطفولة، فالشباب، ثم البلوغ وبداية الوعي بالأحاسيس المختلفة، والشعور بطلبات الجسد، ورغباته العنيفة، الشاذة التي تقهر الكوابح والتوازنات الفردية، والمثير في هذه البدايات، الطفولة أقصد، أنها كانت متميزة، وذات طابع سياقي مثير نوعا ما لعدد من الأسئلة، من قبيل النشوء وسط أسرة أغلب أفرادها من النساء، غياب الأب والأم معا، حالة الدلال التي عاش فيها الطفل، غياب الاحتكاك بالرجال، ضعف التجربة في الحياة… وغيرها من الأمور التي تدخل في سياق تكوين شخصيّة الطّفل، وتهيئته للمستقبل، ليكون وفق طبيعته وخصوصيته الجنسيّة، التي للأسف، اشتغلت بتيار مضادّ في اتجاه مُختلف. وقد تعمّد الروائيّ، بخبرته السيكولوجية، الخوض في ماضي الشخصية الرئيسة، لتشخيص الرواسب، والدوافع، والحوافز التي هيأت الأرض خصبة لانتقال الفرد من حالة توازن طبيعيّ، إلى حالة من الانزياح السلبي، فغلّب جانب الأنوثة على جانب الذكورة فيه، وبالتالي، سادت الشخصية المنفلتة ذات المُيول الشاذة عما هو طبيعي، وموافق لمكونات الشخص الفيزيولوجية.
 
الوعي بالخصوصية المنفلتة للجسد:
 
تسلط الرواية الضوء على اللحظة المفصلية التي بدأت فيها الشخصية الرئيسة تعي ذاتها، وتكتشف رغباتها المنحازة عن الأصل، وبالضبط في فترة المراهقة والدراسة في الثانوي، إذ بات يغريه منظر التلصص على الرجال، وهم يقضون حاجاتهم البيولوجية في المبولة. ومع المدة، بدأ يميل إلى مجتمع «الحبايب» المثليين، ويجالسهم، ويسامرهم في المقاهي والفنادق، ويختلس معهم متعا حسية سرعان ما ستتفاقم، وتتطور لتصل إلى ممارسات كاملة بالطقوس السرية لهذه المجموعة، التي تشم بعضها بعضا، في غفلة من رقابة الأم، التي كانت منشغلة بعالمها الخاص، منصرفة عنه إلى فنها وجماعتها، وفتنها الليلية.
صاحب هذا الوعي الشقي من الشخصية بواقعها الأنطولوجي المختلف قلق كبير، وارتياب مضاعف في غياب الدعم الاجتماعي، والاحتضان النفسي، وسط بيئة منغلقة لا تراعي خصوصيات النوع أو مطالب الجسد، بيئة تضع حدودا صارمة للرغبات، وتجيّش نظما جزرية عنيفة ضد من يخرج عن هذه الحدود، خاصة إذا ما تعلق الأمر بقضية الجسد، وحرمته، وخصوصيته التي يدخل، على الخط فيها، التشريع الديني، وبالأخص حينما يتعلق الأمر بالمثلية والميول المخالفة للطبيعة البشرية.
وكان، من سوء حظ الشخصية الرئيسة في الرواية، أن سقطت بين أيادي «خولات» من الوسط الفني الذي تنتمي إليه أسرته وخالته، مما عجل بانفلات المقود من بين يديه في فترة تحول فيزيولوجية عصيبة على الجسد، إبان مرحلة المراهقة التي رافقت هيجانا هرمونيا قويا من جانب الدافعة الأنوثية لديه. وقد هيأ له هذا الوسط الذي يعتبر المرتع الخصب للمثليين، وبائعات الهوى، والزناة، والسكارى، وكائنات الليل… الباحثين عن إشباع لرغبات مختلفة، لأن يكون جسده عكس الميولات الأصلية الغريزية، التي باتت تتوارى مقابل النشاط المتزايد لهرمونات الأنوثة، خاصة مع تحرش الذكور بطراوته الفتية، واحتكاكه اليومي مع ذوي الميول الجنسية المثلية، فسقط في فخ الولع بالذكور ومطاردتهم، وخفتت في نفسه لذاذة الميل للنساء، فأصبحت تسكنه امرأة شبقة تتجسد له في صورة أمه تارة، وتارة أخرى في صورة خالته العربيد.
 
الذات بين محنة الرغبة ومحنة الواقع
 
باستسلامه لرغباته السرية القاهرة، وانغماسه فيها، في سن مبكرة، بدأت تكبر مشاكل الشخصية الرئيسة، باستفحال أمره، وتفشي ميوله وافتضاحها، مع الأم التي تفرط له بالدلال وتحقق له حاجاته المادية أولا، ثم الواقع الاجتماعي الذي لا يرحم مثل هذه السلوكيات المنحرفة، ثانيا، ثم القانون الذي يجرم المثليين ويطاردهم، ويلاحقهم في الأماكن المشبوهة التي يرتادونها. عانت الشخصية الرئيسة من صراع داخلي بفعل عدم الرضا عن الذات، وغياب التصالح معها، لاعتقادها السائد بأنها تسير في الطريق الغلط، ولوجود مفارقة عجيبة في جوانيتها، فهي تطمح إلى القطع مع هذه السلوكيات المثلية، وكثيرا ما تجنح إلى العزلة، والهروب من الجماعة التي تجرها إلى هذه الممارسات، وتصمم على ألا تعود لهذا العالم المنحوس، لكنها سرعان ما تنهار أمام رغبات الجسد التي تسيرها ضدا من وعيها وقناعاتها الشخصية، فتجد نفسها منهمكة في خطايا الجسد من جديد.
وبسبب المطاردات الأمنية، اعتقل هاني مرات عديدة، وقضى زهرة عمره متنقلا بين البارات والسجون والفنادق، متسكعا في غالبية الوقت، ومن حين لآخر يغرق في عزلة قاتلة محاولا استعادة حالته الطبيعية بدون جدوى، حيث كان يدمن الرغبات المثلية، وتناول المخدرات، ليغطي بها على الفضائح المتعاقبة التي تلاحقه مثل النحس، وهو يتخفى من الناس والمتابعات البوليسية والإعلامية بين الحيطان مثل جرذ، ناهيك عن الأمراض الجسدية التي نخرت جسده بفعل ممارساته الشاذة مثل البواسير، والتهاب المخرج، ومغص الأمعاء، والخرس وغير ذلك. وقد حاول هاني قبل ذلك أن يندمج مستجيبا لرغبة والدته والمجتمع المحيط به، فتزوج من صديقته شيرين التي تعرف عليها، بحكم العمل، متفقا وإياها على زواج مصلحي أثمر بنتا اسمها بدرية قبل أن يفترقا، كل لحال سبيله، بعد وفاة أمه وخالته، ما فجر لديه، من جديد، كآبة مزمنة أعادته للدرجة الصفر من القلق والإدمان. 
هذا الوضع النفسيّ الصعب ولّد، لدى الشخصية الرئيسة، انفصاما في الشخصية، ما جعله يستعين بخبرة طبيب نفسي اسمه «سميح» بعد أن تدهورت صحته، وفقد القدرة على النطق والكلام، فنصحه بإدمان الكتابة بكل الأشكال، ليستعيد توازنه النفسي من جهة، وليرتب أفكاره التي شتتها الخرس، والتدهور الصحي، والإدمان، والفراغ الذي خلفه رحيل أقربائه، والتردد الدائم على السجون (العنبر).
 
سؤال النوع ومجاراة المصير الحتمي:
 
يطرح الروائي على قارئه سؤالا وجوديا محرجا، يجعل هذه الرواية تندرج ضمن خانة السرد الأطروحي الذي ينصرف لمعالجة قضية إنسانية معينة لها راهنيتها في سياق الصيحات المتعالية بالتحرر، والدفاع عن حق الأقليات في الاختلاف والكرامة وغير ذلك… كل ذلك بوعي نقدي، وتشييد حجاجيّ عقلاني للخطاطة السردية، مفكر فيه، مع سبق الإصرار والترصد. يتمثل هذا السؤال الأنطولوجي في: هل الإنسان يختار هويته الجسدية؟ وكيف يتم التحول من هوية إلى أخرى ضدا من الطبيعة؟ وهل تستطيع الذات مقاومة الحاجات الجسدية والنفسية؟ وكيف يوازن الجسد بين رغباته التي يظل يطاردها والعقوبات التي يظل يتحملها كثمن لانصرافه وراء غرائزه النهمة بدون ان يرتدع؟ وأخيرا كيف يكون السلوك الواحد محرضا لشعورين متناقضين داخل الجسد في آن: اللذة والألم، جاعلا منهما وجهين لعملة واحدة؟ 
وقد وضعت الرواية في مرات عديدة شخصيتها الرئيسة في موقع التفكير في هذه التساؤلات؟ بل ووضعها أيضا في محك تجريب، تغليب القناعات على الرغبات، بدون أن تنجح على الرغم من الحلول والبدائل التي وضعت أمام طريقها المؤلم.
 
٭ كاتب من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات