عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jul-2018

الأدب الأفغاني المعاصر: تجارب فردية لشخصيات تائهة في فضاء السرد

 القدس العربي-عثمان بوطسان

يمكن تصنيف الأدب الأفغاني المعاصر ضمن الآداب التي تتخذ شكل البحث؛ فلأنا الكاتبة دائما في بحث مستمر عن مكان وزمان يسمحان لها بخلق هوية جديدة. لذلك فهو أدب شاب، عرف طفرة نوعية في الآونة الأخيرة، نظرا لبروزه كأدب له خصوصياته من الجماليات والأسلوب والغنى اللغوي والثقافي. الشيء الذي جعل منه أدبا قادرا على خلق فضاء خاص به، على غرار باقي الآداب الأسيوية كالأدب الإيراني والباكستاني والكازاخستاني. 
فعملية البحث ترتكز أساسا على التنقل في الزمان والمكان عن طريق ثنائية الذهاب والرجوع. إن الذهاب يظهر من خلال عملية البحث عن الهوية داخل إطار زمني مستقبلي يتمثل أساسا من خلال خيال وأحلام الشخصيات التي تعكس بطريقة أو بأخرى جانبا من جوانب الأنا الكاتبة. أما الرجوع فهو عملية تلقائية خلال فعل الكتابة، فلأنا الكاتبة تعبر عن حاجتها في الرجوع إلى الماضي من أجل البحث عن جذورها، إما لتؤكد عن الانتماء الاجتماعي والعرقي والثقافي. فالأنا الكاتبة مرتبطة بوطنها، وهذا الارتباط شبيه بالحبل السري؛ أي أنها لا يمكن أن تبحث عن هوية جديدة دون الرجوع إلى الهوية الأولى والأصلية. من ثم فإن الكاتب الأفغاني كباقي كتاب المهجر الذين يعانون من الحنين إلى الوطن والبعد عن البيئة الاجتماعية الأم، يحاولون دائما خلق عالم رمزي تتخذ فيه الذات أشكالا متعددة. لذلك فالأنا الكاتبة ترسم لنفسها مجالا للبحث والتيه والتأمل في أعماقها دون أن يؤثر ذلك سلبا على علاقتها بالآخر. هذا الطرح يدفعنا إلى الرجوع إلى تصور ميشال فوكو حول مسألة أن الكتابة هي فن الحقائق المكتملة. حيث إنه يؤكد على أن الكتابة كتمرين شخصي للذات ومن أجل الذات، فهي فن الحقيقة المختفية، مما يفيد أنها طريقة للتفكير والبحث عن نقطة العلاقة بين الأنا الكاتبة والحقيقة. فاكتمال الحقائق في الكتابة الأفغانية مرهون بالرجوع إلى الأصل، مكان ولادة الأنا. إن الكاتب الأفغاني متشبث بعلاقته بالآخر ويتخذ من خطاب هذا الأخير منبعا للاستلهام والكتابة. فلا يعني أن سيطرة الأنا في النص السردي يعكس فقط تقوقع الكاتب على نفسه فقط، بل إن الآخر حاضر بطريقة ضمنية في الخطاب السردي الشخصي والذاتي. فبمجرد أن يستعمل عتيق رحيمي أو خالد حسيني صيغة الجمع في السرد، فإنه يترك فضاء لبروز الآخر. هذا الأخير قد يكون شخصية من الشخصيات، أو قد يكون راويا متخفيا، أو كاتبا ضمنيا، أو القارئ في حد ذاته. لذا، فرحلة البحث عن فضاء للذات تمر عبر الحوار مع الآخر. هذا الحوار يتخذ أشكالا متعددة، قد تكون رمزية أو سردية أو شاعرية دون أن تفصح الأنا الكاتبة عن نواياها.
إن جل الروايات الأفغانية المعاصرة سواء المنشورة بفرنسا أو أمريكا أو آسيا، تقوم على هذه العلاقة الثنائية والجدلية بين أنا الكاتب والآخر. هذه الثنائية هي بالأساس مرآة معكوسة حيث تنكشف صورة الأنا الكاتبة من خلال الآخر، والعكس صحيح؛ فالآخر يأخذ شكلا ومكانا داخل النص السردي من خلال خطاب الأنا. وبالتالي فالروايات الأفغانية، وأخص بالذكر روايات عتيق رحيمي، تستلهم أحداثها من الماضي المعاش والذي يعتبر جزءا مهما من الأنا الكاتبة. أي أنها روايات تحاول في مجملها رصد الواقع المعاش وتقاسم المعاناة الجماعية مع المتلقي عن طريق تجارب فردية لشخصيات تائهة في فضاء السرد. فإذا ما أخذنا على سبيل المثال لا الحصر، شخصية المرأة في رواية حجر الصبر، هذه الشخصية التي تفتقد إلى الهوية الشخصية ولكنها تحمل هوية وطنية وجغرافية وتاريخية بسبب انتمائها إلى أفغانستان. لكن غياب الاسم والمعطيات الشخصية يجعل منها شخصية غامضة، رغم أنها تكشف عن جميع حقائقها في النص السردي. هذه الشخصية هي صورة مفبركة لأنا كاتبة تريد خلق الجدل وكشف عورة الواقع الأفغاني النسوي عبر شخصية المرأة. ونشير هنا كما أشرنا في مقالات سابقة، أن هذه الشخصية تمثل ثورة في حد ذاتها، فكلامها المسموع من خلال السرد، هو في الأصل صمت لا متناه. لكن من خلال كلامها، يحاول الكاتب التطرق إلى معاناة النساء الأفغانيات. ولذلك نجد أنا ضمير المتكلم يسيطر بشكل كبير على الفضاء السردي. فالمتلقي يكتشف مجموعة من الحقائق انطلاقا من تجربة فردية لمرأة ضعيفة أمام سلاح التقاليد والأعراف والتعصب القبلي والديني. ومن خلال خطاب المرأة تتأسس علاقة الأنا الكاتبة بالآخر. فرصد الواقع اليومي لشخصية مجهولة الهوية يدفعنا إلى البحث عن السبب الحقيقي وراء هذه العملية. يحاول عتيق رحيمي خلق هوية جماعية من خلال اعتماد شخصية مجهولة، رغم أن هذه الرواية مهداة إلى روح الشاعرة نادية أنجمان كما ورد ذلك في الإهداء. فحاضر السرد يحيي تجارب الماضي ويبرز المستقبل كزمن الانتظار والصبر والتمني. فكتابة الأنا لا تتطلب التمركز على الذات فقط. بل وحسب ميشال فوكو، تعتبر الكتابة فعل إظهار الذات، فعل يجعل الذات مرئية للمتلقي دون زيف أو رمز. من هنا فالكتابة حسب ميشال فوكو دائما هي أن تكشف الأنا الكاتبة عن نفسها للآخر. وعلى هذا النحو يمكن القول بأن الكتابة الأفغانية تحاول تقاسم التجارب المعاشة مع قارئ يجهل تماما ما يحدث خلف الفضاء السردي. فالاعتراف والشهادة أحد أبرز سمات هذا الأدب، لأن كتابة الذات لا يمكن لها أن تتحقق في فضاء ينعدم فيه وجود الآخر. هذا الآخر موجود في كل زمان ومكان سواء كمتلقي أو كشخصية عاشت ما عاشته الذات الكاتبة نفسها من معاناة ونكبات وهروب من وحش الحرب.
ففي رواية الأرض والرماد، يحاول الكاتب تقاسم معاناة وخوف داستغوير مع المتلقي حيث نلاحظ أنه يركز على سيكولوجية هذه الشخصية. هذه التجربة الشخصية تشكل مادة الرواية السردية ونتيجة الحرب. هكذا فإن تأويل الرواية الأفغانية يدفعنا إلى اكتشاف حقيقة الأنا الكاتبة التي تتخذ من خلال فعل الكاتبة موفقا واضحا من الحرب، حيث تنتقل بين ثلاثة أزمنة متكاملة: الماضي والحاضر والمستقبل. فالأنا تُعَرف من خلال هذا التصور كشيء يبحث عن فهم هويته انطلاقا من مواقفه في الحاضر. إن كتابة الأنا هي محاولة للإجابة على سؤال الهوية حيث إن ثلاثية الكاتب والراوي والشخصية تتوحد تحت ظل «الأنا»، مما يسهل حوار الذات مع الآخر من خلال الخطاب السردي. بعبارة أخرى، الكتابة حول الذات، هي كتابة من أجل الآخر. هذا ما يؤكده عبد الخالق جيد، في كتابه’’ كتابة الذات والروحانية، بقوله: «يمكن أن أقول إن كتابة الذات، هي في الوقت نفسه كتابة من أجل الآخر ويضع الكاتب نفسه وجها لوجها أمامه في وضعية التعايش. فمن خلال السيرذاتية، أعرض نفسي على الآخر، أنفتح عليه». بهذه العبارات، فكتابة الأنا أو الكتابة حول الذات متصلة أساسا بالكتابة حول الآخر ومن أجل الآخر ومن خلال الآخر.
وانطلاقا من تأثير فعل التعايش الممكن بين الأنا والآخر، فإن العلاقة بينهما تصبح ممكنة. لذا، فعندما يروي الكاتب حياته الخاصة أو يمنح جزءا منها لشخصياته، فإنه يحاول الكشف عن مجموعة من الحقائق بطريقة غير مباشرة يحافظ فيها على مسافة بينه وبين ذاتية النص السردي. والبحث عن الهوية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الآخر، فبالنسبة لغالبية الكتاب الأفغان، أذكر بالأخص سيد بهاء الدين مجروح، خالد حسيني، سبونجماي زرياب، محمد زمان خان وآخرون، فالأنا كذات فاعلة ليس مستقلة، بل يكتمل معناها من خلال هذا الآخر الذي يُعْتَبر المرآة والفضاء الذي يساعد الأنا على اتخاذ مكان لها داخل النص. فشخصيات خالد حسيني مثلا، يتواجدون دائما في مكان متحرك، حيث تتشكل هوياتهم انطلاقا من التفاعل مع الشخصيات الأخرى. فهذه الأخيرة تكتشف نفسها من خلال الكلام وتبني لنفسها هوية جديدة تحمل صفات وركائز الزمكان الذي تتوحد فيه. هذا ويؤكد عبد الخالق جيد على أن الانفتاح على الآخر يساعد على الوصل إلى الهوية. 
تعتبر شخصية داستغوير من أبرز الأمثلة الدالة على الانفتاح على الآخر. فبمجرد أن يلتقي داستغوير التاجر في رواية «الأرض والرماد» يدخل هذا الأخير في نقاش معه، رغم أنهما لأول مرة يلتقيان فيها. الحوار بين الشخصيتين دليل على الانفتاح والحاجة إلى الآخر لتجاوز المعاناة الذاتية وإخراجها. يشكل حديث داستغوير والتاجر الحلقة الأهم في الرواية، فمن خلاله يتعرف المتلقي على الحياة الجحيمية في بلاد الورد والشعر والبلبل. يحكي داستغوير تجربته وكيف فقد عائلته وخوفه من لقاء ابنه مراد. وتبدو القصة واقعية لأن ما يرويه متشابه تماما مع ما يعيشه الأفغان اليوم من انفجارات وقتل عن طريق الإرهاب الطالباني المظلم. إن شخصية التاجر على عكس شخصية داستغوير تماما، لأنها شخصية تمتلك الرؤية الثاقبة للأشياء وتمتلك الفضيلة والحكمة والعقلانية ومتشبعة بالفكر الروحاني الصوفي، مما يجعلها من الشخصيات المهمة في رواية «الأرض والرماد» نظرا لتأثيرها الكبير على سيكولوجية داستغوير المضطربة. 
ومما يثير انتباهنا هو اعتماد عتيق رحيمي على ضميرين: ضمير المتكلم وهو صوت داستغوير في النص، وضمير المخاطب عندما يتدخل الراوي لتقريب المتلقي من سياق الأحداث. ويدل ضمير المخاطب على شخصية التاجر خاصة عندما يخاطب داستغوير خلال حديثهما. هذه الثنائية هي وجه من أوجه العلاقة التي تجمع بين «الأنا» والآخر؛ علاقة لا يمكن أن تتحقق إلا بتواجد العنصرين. لذا فما كُتب لا يخص فقط وعي الكاتب الداخلي، وإنما يخص الإنسانية في مفهومها العام. لا يكتب عتيق رحيمي من أجل نفسه، بل ومن أجل الآخر، من أجل الإنسانية، لأن المعاناة موجودة في كل مكان وزمان وليس فقط في أفغانستان. ومن ثم فإن تجانس الأنا الكاتبة مع الآخر يتحقق، لأن العلاقة التي تربط بينهما مبنية على الحاجة والتكامل؛ فكل عنصر يحتاج إلى الآخر ليتخذ لنفسه هوية معينة، ولا يمكن أن يكتمل عنصر إلا بتواجد الآخر بطريقة مباشرة أو ضمنية، مثلما كتب آرتر رامبو، أي أن الأنا قبل كل شيء هي آخر.
 
٭ كاتب وباحث مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات