عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Jun-2018

مبدعون خرجوا من رحم التخصصات العلمية

 

رشا سلامة
 
عمان-الغد-  لطالما ارتبطت أجواء الإبداع، فنيا كان أو موسيقيا أو أدبيا، في أذهان المتلّقين، بمساحات واسعة من التفرغ والاستغراق في الطبيعة والهدوء.
 
ثمة مشهد خفي يقف على النقيض من الآنف؛ يغرق فيه كثيرون وسط حسابات علمية معقدة، وأجواء ميدانية قاسية، بيد أنهم يجترحون إبداعا، شكّلته ذائقة شاعرية مرهفة، يثرون به المشهد الثقافي، الذي لم يتعرف عليهم حتى وقت قريب.
 
المهندسة المعمارية ميساء السمهوري، أمضت سنوات صامتة عدة في فرن الإبداع، حتى خرجت للقرّاء بمجموعة كتابات وتحليلات موسيقية، وتحديدا لأغنيات المطرب المصري محمد عبد الوهاب. 
 
تقول "تتيح دراسة الهندسة المعمارية، لأولئك المخلصين في فهم العمارة، الدخول في تفاصيل ونواح الحياة كافة"؛ إذ إن جوهر العمارة هو إيجاد البناء الملائم للوظائف التي ستدور داخله، مستشفى كان أو مدرسة أو معبدا أو مركزا ثقافيا، مع صوغ ذلك كله في قالب فني، وهو ما يعتمد على سعة معرفة المهندس بالمناحي الآنفة كلها تقريبا إلى جانب دراسته الهندسية. 
 
"من هنا، يبرع معماريون أكثر من غيرهم؛ إذ تكون الوصفة السحرية هي سعة الاطلاع على حقول حياتية عدة، وبعين ناقدة"، تقول السمهوري، مضيفة "لابد للمعماري الناجح من تلك النظرة إلى الشكل والمضمون، وتفاعلهما، سواء كان التطبيق على بناء أو حتى بطاقة شخصية". 
 
السمهوري لا تغفل عامل التنشئة الأسرية والظروف الاجتماعية المحيطة؛ إذ تقول إن مراسلاتها مع والدها حين كان مسافرا، ومن ثم مع زوجها وصديقاتها، ولجوءها للكتابة اليومية منذ نعومة أظفارها، إلى جانب وجودها بين أفراد أسرة موسيقيين يُخضِعون أي مقطوعة أو أغنية للنقد والتحليل، أسهم في كتاباتها الأدبية والموسيقية لاحقا.
 
"قد يأتي المرء بفعل إبداعي بعيد عن هيئته الخارجية شكلا أو وظيفة أو مستوى اجتماعيا، بيد أنه لا يأتي به أبدا ما لم تكن جذوره ضاربة في عمق وعيه ونفسيّته"، وفق السمهوري. 
 
الفنان الفلسطيني، الذي جاب العالم محتضنا عوده ومغنيا لفلسطين من منفاه، غسان السعدي، يملك تجربة أخرى في مؤاخاة تخصص الهندسة الزراعية بمسار الإبداع الفني الذي اختار أن يسلكه قبل دراسته الجامعية. 
 
يقول "غنّيت لفلسطين، وللشيخ إمام وسيد درويش ومارسيل خليفة وسميح شقير وغيرهم كثر، منذ كنت في الثانوية العامة، بيد أني اخترت الهندسة كتخصص جامعي مستقل عن موهبتي الغنائية".
 
التخصص العلمي عموما، والهندسة بشكل خاص، تمنح دارسها "قوة الملاحظة وسرعة التقاط الأفكار والمشاهد، إلى جانب مهارة التحليل والتفكير المنطقي"، وفق السعدي، مضيفا "وعلى الجانب الآخر أيضا، قد يعبّر التخصص الدراسي عن جانب في الشخصية، يوازي الجانب الإبداعي، وإن لم يلتقيا".
 
لم يُرضِ الغناء وحده شغف السعدي بالنضال الفلسطيني على جبهة الثقافة؛ إذ أسس لاحقا المركز الفلسطيني للثقافة والفنون في مخيم اليرموك في سورية "للتعريف بالمثقف الفلسطيني بشكل خاص، والعربي بشكل عام، ولإبراز الهوية الثقافية لكل منهما".
 
إلى جانب هذا وذاك، للسعدي "كتابات نثرية ومحاولات شعرية، تم نشرها على نطاق الأوساط الثقافية والإلكترونية، مع اهتمام بالغ بتكريم المثقفين الفلسطينيين وعرض خلاصات تجاربهم لفلسطينيي المنفى".
 
نعيم الخطيب، الكاتب الغزيّ، الذي صدرت له مجموعة "على الغارب"، لا ينفكّ يؤمن بأن "ما يتعلمه المرء أثناء الدراسة والعمل، وفي مناحي الحياة كافة، يتكامل ليشكل شخصيته وفكره وثقافته، بل والأدوار التي يلعبها في حياته".
 
الخطيب، الذي يحمل شهادة الماجستير في علوم الحاسوب، يقول إن تعرّضه أثناء دراسته الجامعية لـ"مناهج تعزز التفكير النقدي، إلى جانب إدماج برامج متكاملة من الدراسات الثقافية"، إبان تلك الفترة، كان له الأثر الأكبر في تشكيل ثقافته وصنعته الكتابية. 
 
ويضيف "كنت محظوظاً؛ لأن الجامعات التي تلقيت دراستي فيها كانت تسمح بازدواجية التخصص، أو الجمع بين تخصصين، ما جعلني أقرر دراسة علوم الحاسوب كتخصص رئيس والمسرح كتخصصٍ فرعي".
 
يقسّم الخطيب نصه بشكل منطقي، وفقا لنمط البرمجة "فرّق تسد"، ليقوم بهندسة النص، في مرات أخرى وفق منحنى درامي مسرحي؛ ليصنع الدهشة. في كلتا الحالتين، يستثمر الخطيب ما تعلّمه في تخصصيّ دراسته، معلّقا "لا أخال الفصل بين الكتابة وطبيعة التخصص الدراسي، وإن كان علمياً أو معقداً، أمر ممكن".
 
يستعير الخطيب مصطلح "تكوين"، الذي يستخدمه المغاربة، في الإشارة إلى التخصص الدراسي، قائلا "حقا، إن التخصص الدراسي يسهم في تكوين من تكون، وما يبدر منك إبداعيا".
 
الشاعر الشاب رامي ياسين، والذي حصل مؤخرا على شهادة الماجستير في التمويل والبنوك بعد دراسته المحاسبة في مرحلة البكالوريوس، يعود بذاكرته لعمر العاشرة، حين أمسك بالقلم وكتب أول قصة قصيرة، نعتها من حوله بـ"السوريالية".
 
لم تؤثر ميول ياسين الكتابية، حتى حين حاز على جائزة عبد الحميد شومان لأدب الطفل، على تحصيله الدراسي؛ بل تميّز في التخصص العلمي في المرحلة الثانوية ومن ثم الجامعية، على الرغم من كونه أصدر ديوانه الأول "زوايا الخط المستقيم" إبان دراسته العليا.
 
إلى جانب سعة الاطلاع التي حرص عليها ياسين منذ صغره، فقد كان يشارك في الأمسيات الشعرية والفعاليات الثقافية، ليحصد جوائز عدة، إلى جانب إشرافه المباشر على كثير من الفعاليات كالأسبوع الثقافي لدعم المقاومة ومؤتمر "لا لكاتم الصوت"، وترؤسه لمجموعة نقش الثقافية. 
 
يقول ياسين، إن المجتمعات العربية لا تعطي المثقف حقوقه التي تؤّمن عيشا كريما له، ما يجعل من اعتماده مصدر رزق ثابتا بحسب تخصصه الجامعي أمرا لا مناص منه؛ "كي لا يأتي يوم يبيع فيه مبدأه وثقافته بسبب الجوع". 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات