عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Jul-2018

نساءٌ في حياة فيليب روث : فشل عاطفي واتهامات بكراهية المرأة

 «القدس العربي» ـ عبدالدائم السلامي: خلال رحلة سرديّة طويلة بدأت بمجموعته القصصية « غودباي كولومبوس» الصادرة عام 1959 ومرورا بروايات «بورتنويز كمبلاينت» و«ذي هيومن ستاين» و«أميريكن باستورال» وانتهاءً برواية «نيميسيز» المنشورة عام 2010، حقّقت نصوصُ الأمريكي فيليب روث (1933-2018) مقروئيةً عاليةً داخل أمريكا وخارجها، واعتبره النقّاد من أعظم كتّاب الرواية المعاصرة في أمريكا، ووصفوه بأنه «الكاتب الجريء والساخر في قول الحقيقة» حول الجنس، والحب، وتلاعب الزوجات، وزيف المُثُل الأمريكية، واكتئاب الشيخوخة، والموت، ونقد سرديات البورجوازية اليهوديّة، حيث كان يردّد دوما بأنّه يكتب بروحه الأمريكية وليس بشخصيته اليهودية. وقد تُرجمتْ رواياته إلى لغات عديدة، وتحوّل بعضُها إلى السينما، ونال بعضُها الآخر جوائز مرموقة على غرار جوائز «كافكا» و«الكتاب الوطني»، و«بوليتزر».

 
روث والنسويّة
 
لا شكّ في أنّ ثراء السيرة الأدبية لهذا الروائي الكبير تُخفي ثراء سيرته الشخصية التي كتبتها بشكل سرديّ الباحثة كلوديا روث بيربونت في كتاب بعنوان «روث مُتحرِّرًا: كاتبٌ ومؤلَّفاته» (وقد استقت منه الفرنسية جولييت أوشبيرغ مقالتها «النساء اللواتي ألهمن فيليب روث» ولكنها لم تذكر المصدر)، علما أن كلوديا بيربونت كانت صديقة لروث طيلة عشر سنوات، وكان يعرض عليها مخطوطات رواياته ليستفيد من ملاحظاتها وتدقيقاتها. ومن بين ما جاء في الكتاب تأكيدُها أنّ روث عاش فشلا عاطفيا مع زوجتيْه، غير أنّ هذا الفشل لا يعني أنه كان ضدّ النسويّة على حدّ ما راج عنه لدى بعض قرّائه ونقّاده ومثّل له اتهاما ظلّ يلاحقه حيث حلّ، وإنما هو كان يفكّك حقيقة حالِ المرأة، وتهافت مقولات النسوية التي يرى أنها حبيسة المطلبيّة الساذجة التي تُعمِّق أزمةَ المرأة ذاتها وتُكرّس دونيتَها الاجتماعيةَ. ولعلّ من المظاهر التي حفزت النقّاد لأنْ يتهموا روث بكراهيته المرأةَ وتأكيده هيمنةَ الرجال ما تجلّى في رواياته من قِلّة حضور الشخصيات النسائية فيها، وتمييزه لها على أساس الجنس، وتصوير ملامحها تصويرا كاريكاتيريًّا تبدو فيه المرأة سطحية ووحشية ولَعوبًا. غير أنّ روث لم يتأثّر كثيرا بهذا النقد، لأنه يؤمن بأننا «نعيش الآن في عالم تحكمه الأكاذيب»، وذكر في كثير من الحوارات بأنه يجب ألا تُحيل شخصية امرأة واحدة في روايته على جميع النسوة في الأرض، فهذا حيفٌ في التأويل، بل هو يقول: «المجنون وحده من يخصّص إحدى وثلاثين رواية لكراهية المرأة، وأنا لست مجنونا. كما أنّ عبارة «كراهية النساء» التي أُتّهمت بها صارت اليوم مثل كلمة الشيوعية خلال المكارثية في خمسينيات القرن الماضي، لقد كنتُ أتحدّث عن تقلّص الرجولة وإذلال الرجل وتدمير كيانه، أنا لست خياليا ولا أخلاقويا، أنا لا أصف المرأة كما ينبغي أن تكون عليه وإنما أصفها كما هي كائنة الآن». والجدير بالذِّكر هنا هو أنّ علاقة فيليب روث بالمرأة ظلت متموّجة وغير مستقرّة، فمنَ النساء مَن عشقته، ومنهنّ مَن خانته وتلاعبت بعواطفه، وهناك مَنْ ألهمته أجمل الحكايات، وفيهن مَن صارت شخصية من شخصيات رواياته ذاتها. وفي دائرة هؤلاء النسوة توجد أمّه، وماري روبرت أستاذة الفلسفة بمونتسوري التي قالت عنه: «كان فيليب روث يستفزنا باستمرار لكي يُحذِّرنا من أنفسنا. وكل كتاب من كتبه إنما هو فرضية حول ما يمكن أن نصير إليه من انحطاط بسبب ما فينا من سوء»، هذا إضافة إلى الكاتبة آنا فرانك، وزوجتيه ماغي ويليامس وكلير بلوم اللتيْن عاش معهما علاقة مليئة بالخصام والعنف والخيانة ووصفته الأخيرة في سيرتها الذاتية المعنونة بـ«الخروج من بيت الدمية» بكونه كان يتصرّف تصرّف المختَل العقليّ.
 
نساء الذاكرة
 
أولى هؤلاء النسوة اللواتي حضرن في حياة فيليب روث وكتاباته هي أمّه (Bess Finkel)، حيث نجد سيرتها الشخصية حاضرةً في رواية روث «بورتنويز كمبلاينت»، وقد صوّرها الكاتب بشكل ساخر ولكنه لطيف، واعتمدها أنموذجًا لتصوير حال الأمّ اليهودية بعد الحرب العالمية الثانية التي يغلب على طبيعتها التوتّرُ والتسلّطُ والمكرُ والحذر والخوفُ على أبنائها إلى حدِّ أنها كانت تسعى إلى أن تعرف كلّ شيء عن ابنها حتّى ما كان يتّصل بتفاصيل علائقه الخاصّة. والحقّ أن فيليب روث وهو يصف والدته يستمتع بتصوير ملامحها وأحوالها النفسية ويحاول تبريرها. 
فما سلوك والدته المتغطرس والمسرِف في الحذر، بالنسبة إليه، إلا مثالٌ لسلوك كثير من الأمّهات اليهوديات اللواتي أثّرت فيهن الحرب وملأت لاوعيهن بالخوف من الضياع. وقد ذكر روث ملمَحًا من ملامح علاقة والدته به وما فيها من استحواذيّة وهوس بالتملّك في رواية «بورتنويز كمبلاينت» حيث نقرأ قوله: «كانت أمّي متغلغلة جدا في وعيي إلى حدّ أننّي كنت أتخيّل، خلال سنتي الأولى بالمدرسة، أنّ كل واحد من المعلّمين الذين يُدرّسونني إنّما هو أمي ذاتها ولكن في حالة تنكُّرٍ».
كما قرأ فيليب روث يوميات الكاتبة الألمانية آنا فرانك (1929-1945) وأعجب بأسلوبها أيّما إعجاب حتى إنه كان يتساءل دوما عن الطريقة المثلى التي يمكن له يتحدّث بها عن هذه الكاتبة الشابّة وعن طريقتها الفذّة في تدوين يومياتها دون أن يبخس حقيقتها على حدّ ما قال في أحد حواراته خلال العام 2014، بل لقد اعتبر الحديث عن آنا فرانك «مسؤولية أخلاقيّة» لا يقدر على الإيفاء بها. ولا شكّ في أنّ افتتان روث بهذه الكاتبة هو ما جعله يُحضرها في روايته «كاتبُ الظِّلال» تحت اسم «آيمي بولات». حيث يلتقي بطل هذه الرواية ناتان زوكرمان، وهو كاتب شاب، بالبطلة آيمي بولات، عشيقته وقدوته الأدبية، سرعان ما قارنها بآنا فرانك، إذْ وجد في آيمي كلّ صفات الكاتبة آنا فرانك إلى درجة أنه تخيل أن عشيقته هي ذاتها آنا فرانك. وهذه حيلة سردية لاذ بها فيليب روث سبيلا إلى الحديث برقة وافتتان عن هذه الكاتبة، دون أن ينساق في تخييله إلى حَدِّ يُقلّل فيه من قيمتها الأدبية ويظلم شخصيتَها التاريخيةَ.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات