عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-May-2018

«كشتبان» الفلسطيني زكريا محمد: الجوهر التعجبي في الشعر

 القدس العربي-منصف الوهايبي

«كشتبان» الفلسطيني زكريا محمد نص شعري لا أتردد في نعته بـ«الاستثنائي»، 
يأخذ فيه صاحبه بأقيسة استدلالية جدلية في كتابة الشعر، تكاد تضفي عليه طابعا حجاجيا يقوم على نوع من الترابط الدلالي بين جزئين في الخطاب وأكثر، ولكن بشعرية عالية: ما هو محتمل الوقوع، وما هو من الاستعمال الغالب أو المعنى الحاف الذي يمكن أن يحل محل الأصل. 
هو حجاج من نوع شعري يمكن أن ننعته بالمخالف أو التجاوزي المتحقق داخل النص المركب من صورة أولى»الكشتبان»، لا يسلم بها حتى تلزم عنها في كل نص، صورة ثانية، ولا تقع الأولى حتى يسبق الخاطر للثانية، ذلك أن العقدة منهما عقدة دلالية ينسجها خيطان من المعنى على الأقل أو بعبارة أدق معنى مزدوج. 
ومزية الخطاب في هذا النوع من الشعر القوي أنه يبني الصورة بما تبنى به الأملوحة عادة أي بملء «المعنى الشاغر» أو الخلو الفارغ: حبة الترمس كبيرة على إصبعي، وكبيرة على ضرسي/ كل شيء كبير على ظبي يقضم ظله على حرف الجبل.
الشاعر يسمي، والتسمية طريقة في تثبيت الوجود وسد ثغراته ومهاويه. وإذا كانت التسمية إحدى أبرز وظائف اللغة الثابتة؛ فإنه من الطبيعي أن يكون كل جزء في اللغة قابلا للفهم، أو ألا يستخدم إلا في معنى مفهوم. فإذا استعمل المتكلم كلمة في معنى مختلف، أو هو استعملها على مقتضى المعنى المطرد، في الظاهر، وكان قصده منها معنى آخر؛ فإن المحصلة ليست الغموض كما هو الشأن في اللغة الخاصة، وإنما المعنى المزدوج أو الجوهر التعجبي في الشعر: الشاعر وقناع الظبي أو ظله مثلا، أو الكتابة والكشتبان. 
و«الكشتبان» في الأصل كلمة فارسية تعني القِمَع الذي يغطِي به الخياط طرف إصبعه ليقيه وَخْز الإبر. ويجمع على «كشاتبِين» وإن كان الشاعر جمعه على «كشتبانات»، والقياس يجوزه، وفيه من لطيف الجناس الصوتي غير المقصود ما لا يخفى (بنات ونبات) فضلا عن الأصابع الخمس: شجرة البلوط تحمل كشتبانات خضراء. كأنها تريد أن تخيط لنا ثوبا/ لكن حين أعود للبيت هابطا من تلة البلوط أحمل معي خمسة كشتبانات…
أو: الحياة كف زرقاء على جدار/ الإصبع الأولى: أنتَ/ الإصبع الثانية: أنا/ الإصبع الثالثة: النور الذي يكرز باسمينا/ الإصبع الرابعة: نهر الليل الذي نسبح فيه معا/ الإصبع الخامسة: خنصر فطورنا…
وثمة نوع من الزهر يُسمى بهذا الاسم هو زهر الكشتبان أو القمعية، وترد في أصولها اللاتينية بمعنى الإصبع، وتويجها في هيئة قمع الخياطة. وهي أنواع، ومنها الأرجوانية التي تنبت في أوروبا والصوفية التي تنبت في حوض الدانوب، والحديدية التي تنبت في الساحل السوري وتركيا واليونان. على أن الكشتبان في هذا الكتاب أشبه ما يكون بـ«اسم بلا مسمى»، فهي اسم موضوع على جوهر أو عرض، ولكن بدون تعيينه أو تمييزه، لأن مسماه لا هو بالمعلوم ولا هو بالمعين؛ ما دام يتسع لشتى حالات الذات الشعرية:
سأرمي إذن زهرة النرد الأخيرة/ وماذا يسمون من يرمي رميته الأخيرة؟ ليس له اسم؟/ أنا سأسميه. اسمه فستقة/ أنا فستقة، ويدي ترمي بزهرتها الأخيرة.
أو: النوم عدو الموت/ لكن دعنا من الموت/ وخلني أحدثك عن التوليب/ عن كأسه المصلعة/ عن اسمه المبهم.
ومن المفيد أن نذكر بضرورة التمييز بين إشارة إرادية تواصلية «مشفرة» وأخرى غير إرادية أي تعبيرية تتعلق بالمشاعر والانفعالات التي تثيرها الأشياء ـ الكلمات في النفس. ولكننا نعرف أن شيئا ما ليس إشارة إلا لكونه مؤولا، وإرادة التأويل من حيث هي سلطة يمكن أن تغير من مواقعها، وأن تتوسع وتحد بالنسبة إلى الذي يعيد تحيينها؛ أو يكون ثانية مؤديها ولسان حال مضمرها. وقد لا يكون لـ«دلائلية المضمر» من موضوع سوى هذه الدلتا التي يتجمع فيها هذا الكم المرسل المدرك، ويتشعب إلى ما يشبه الدال:
أما أنت يا عنكبوت نساجا فلن أسألك لِمَ مددتَ لنا خيطا واهيا كي نشيد به بيتنا.
بيد أن المضمر في الكتاب الذي نحن به، لا يرجع إلى المجاز فحسب وإنما إلى مظهر في اللغة، وهو أن المعجم يمثل نظاما وَسِيعا من التصنيف والترتيب. وكل تصنيف إنما يقوم على إجراء مزدوج: اختياري وتجريدي حيث يُستصفَى قاسم مشترك وتجرد الخواص الذاتية. وبهذا المعنى فإن اللغة عند الشاعر تشظي الواقع وهي ترتبه، وتحوله إلى عناصر جزئية أكثر فأكثر بما يجعلها تجرد جزءا من هذا الواقع نفسه. وعنوان الكتاب «كشتبان» بما يوحي أنه تجريد لمختلف أنواع «الكشتبانات» أو لجواهرها وأعراضها؛ أي اختزالها في اسم. ولكن كل نص، وقد تعمد الشاعر ألا يضع له عنوانا، وإنما شفعه بتاريخ كتابته؛ كشتبان بذاته؛ ولا جامع بين النصوص سوى الصفات غير المتشابهة: يدي اليسرى على قلبي كي ترد، مثل مرآة، سهام الضوء/ ويدي اليمنى تقطع الحبل الذي يربطني بكم.
والكلمة في الشعر لا تتأدى على «معدل»، ولا تحتكم إلى قاسم مشترك، وإنما هي تأخذ الصفات أو العناصر المتفارقة بالحسبان، وتنقلنا من الكلمة الجنس إلى أنواعها. لأقل هي كلمة ممزوجة مدارها على عقدة دلالية مراوغة، أي على معنيين اثنين يمثلان معا في النص، على تغايرهما أو تباينهما. وليس لهذه العقدة من آلية سوى آلية التكثيف والإيجاز التي تعالج جسم الدال نفسه، وذلك بتحويله إلى كلمة ممزوجة. وقد لا نجانب الصواب إذا اعتبرناها كلمة «هجينة» أو نوعا من تداخل الأصول أو من عدوى الكلمات، يوحد دلالات كلمتين حتى لا فكاك بينهما، والنص أي نص هو نسيج أو خياطة حروف:
أقعد على عتبتي منتظرا طلوع الفجر كي أشير بإصبعي: مثل هذا يارب، مثل هذا/ أعطني خيطين أبيض وأسود، من الفجر كي أنسج بهما قميصي.
أو: الظموا لي الخيط بالإبرة/ أريد أن ألعب بهما هنا تحت شجيرة المجنونة…/ وأنا أريد أن أخيط طرف الأرض بطرف السماء/ كي تعبر النملات وتجر النجوم إلى بيتها.
وهذا وغيره من «كشتبانات» تخيطها المعاني الحافة أو هذه الدلالات المتجاورة التي يستحضرها الشاعر أشبه بـ«طرر دوال، انفعالية شخصية»، ولكن بدون أن يترتب على ذلك إقرار بأن المعنى الحاف يمكن أن يحصر في نتاج فردي؛ فلعل الأقرب إلى الصواب أنه مفعول ظواهر لغوية جماعية، ذلك أن اللغة إنما يؤديها متكلم. وهي، من ثمة، لا يمكن إلا أن تكون موسومة بالطريقة التي تلقاها بها، وبسيرته الشخصية التي تحدد علاقته بالأشياء أي باللغة من حيث هي مؤسسة جماعية.
ولعل هذا ما يفسر كون المعنى الحاف يقع في أكثر من سجل في هذا الكتاب، حتى ليبدو أشبه بمفهوم جمعي يشمل أبعادا شتى: رمزية وخيالية ووجدانية وانفعالية متعددة المعاني. 
وفي هذا ما يعزز القول بأن المعاني الحافة تعبر عن علاقة بين الدال والمتكلم أكثر مما تعبر عن علاقة بين الدال والمدلول، فلا نملك إلا أن نكبح من شطط التأويل، وأن نتوسط بين حالين: فالمعنى الحاف مفعول ظواهر لغوية جماعية على قدر ما هو مفعول ظواهر لغوية فردية؛ لأن الفرد كثيرا ما ينتج معانيه الحافة أي تلك التي يستوحيها من خواص علاقته بالأشياء. ونقدر أن أكثر الصور ترجع إلى معان حافة خاصة بالشاعر أو إلى «فضل معنى» في المقول:
أنا بائع حصى/ بائع أزار/ لدي منها كومات/ كل حصاة خرافة/ وكل زر قصيدة.
ومع ذلك فالكتاب كله صورة واحدة، ولذلك لم يَسِم الشاعر نصوصه بعناوين، وإنما جعل كلا منها يقوم على تحويل الدال حيث تنْتسج عقدة دلالية، ومجانسة لا مطابقة، وإن تمثلتْ بالضد حينا، وبالتشبيه حينا. وقد نكون في الصميم منها ما تنبهنا إلى أن أساس التحويل فيها محاجة مضادة تقوم على خطة شعرية محكمة؛ نقف فيها على غايات تصديقية وإيقاعية إنشائية براغماتية (تداولية) تتضافر في صياغة محور دلالي متجانس يتحول فيه الكشتبان إلى معنى الكتابة نفسها.
والصورة هي بطبعها «مخالفة» أو إخبار غير مألوف يمكن أن يخالف القواعد السياقية الماثلة في معنى الكلمات نفسه، وأن يتعلق بالاستعمالات اللغوية العادية، على قدر ما يتعلق بالاستعمالات الخارقة للعادة والألفة؛ مما نعتبره عادة نتاج المخيلة الشعرية والزخرفة البلاغية، بل هو يخص الكلمات مثلما يخص الفكر وبنية نظام الإدراك نفسه. والاستعارة ممكنة في اللغة لأن هناك استعارات أكثر من أن تحصى في نظام الإدراك عند أي منا، بل إن هذا النظام نفسه، من طبيعة استعارية بالأساس. وهذا شعر قوي معقود على الإدراك.
 
٭ كاتب تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات