عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Jun-2017

رمضان: الشهر المقدس، والعنيف

الغد-كامران بخاري – (جيوبوليتيكال فيوتشرز) 2/6/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
يشكل شهر رمضان، الذي بدأ في 26 أيار (مايو)، أقدس شهر في السنة بالنسبة للمسلمين. وهو وقت لأعمال الخير، والصوم والصلاة. لكن الجهاديين احتووا هذه المناسبة واستغلوها لغايات شائنة، فاستخدموها كذريعة لتكثيف هجماتهم، مدعين أنهم يقدمون التضحية الكبرى والنهائية من أجل دينهم. وهذا هو السبب الذي يجعل رمضان، بالإضافة إلى أهميته الدينية، شأناً جيوسياسياً أيضاً.
كان الهجوم الذي وقع في كابول يوم 31 أيار (مايو) وخلف 90 قتيلاً وأكثر من 400 جريح، مجرد مثال واحد فقط. وكان هذا الهجوم مهماً لأنه ضرب الحي الدبلوماسي في العاصمة الأفغانية، ملحقاً الضرر بالعديد من السفارات الأجنبية. وما تزال هوية المنفذ غير معروفة حتى كتابة هذه السطور. وقد أصدرت حركة طالبان بياناً تنفي فيه تورطها، لكن جهاز المخابرات الأفغاني ألقى بالمسؤولية عن الهجوم على مجموعة حقاني المتشددة التابعة لطالبان.
بعد الهجوم، تساءل الكثير من الناس –من المسلمين وغير المسلمين- كيف يستطيع شخص أن ينفذ مثل هذا الهجوم خلال رمضان، الشهر المقدس عند المسلمين؟ وهم يفترضون أنه حتى الجهاديين سوف يمتنعون عن أعمال العنف خلال هذا الوقت. لكن هذا النوع من التفكير قائم على الافتراض الخاطئ بأن الجهاديين ينظرون إلى رمضان كما ينظر إليه المسلمون الآخرون. ولا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة من هذا.
على مدى السنوات العديدة الماضية، منذ تكاثف التمرد في أفغانستان، كانت هناك دعوات متكررة لوقف إطلاق النار في رمضان للسماح للناس بأن يصوموا ويصلوا بسلام. لكن طالبان رفضت دائماً مثل هذه الدعوات، متذرعة بأن جهادها هو التزام ديني وعمل من أعمال العبادة. وفي الحقيقة، تهدف طالبان إلى زيادة الهجمات خلال هذا الشهر. لكن الأمر لا يقتصر على طالبان، وإنما تؤيد جميع الجماعات الجهادية هذا الرأي أيضاً.
المشكلة هي أن الجهاد مبدأ إسلامي، وحتى مع أن معظم المسلمين يعارضون صيغة الجهادية المعاصرة العنيفة، فإنهم يقبلون بأن المفهوم الإسلامي الكلاسيكي للجهاد (كوسيلة للدفاع والكفاح ضد الظلم) هو جزء من عقيدتهم. وهكذا، فإن النظرة الجهادية إلى رمضان –كوقت يجب أن يكون فيه المسلم مستعداً لتقديم أكبر التضحيات- ليست شيئاً جديداً غير مسبوق. وفي الحقيقة، تنظر قوات الأمن في الدول ذات الأغلبيات المسلمة التي تحارب الجهاديين إلى صراعها معهم على أنه جهاد ضد قوى الفوضى. وبالنسبة لها، يُنظر إلى موت المرء وهو يشارك في الهجمات المضادة للإرهاب خلال رمضان على أنه قمة التضحية، وعمل من أعمال الشهادة. وهكذا، ينظر كل من الجانبين إلى أعماله على أنها تضحية من أجل دينه –والفرق بينهما هو أهدافهما والتكتيكات التي يستخدمانها.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تاريخ يرتكز عليه كل من الطرفين فيما يتعلق بشهر رمضان. فقد وقعت العديد من اللحظات الجيوسياسية الحاسمة في التاريخ الإسلامي خلال رمضان. وتشمل هذه المنعطفات الحرب الأولى في التاريخ الإسلامي، المعروفة باسم معركة بدر، في العام 624، عندما صد النبي محمد وأصحابه هجوماً شنته القبائل المكية. وبعد نحو عقد لاحقاً، سيطر المسلمون على مكة خلال شهر رمضان أيضاً.
كما وقعت معارك رئيسية كبيرة أخرى أيضاً خلال الشهر الفضيل. ففي العام 711، وضعت معركة غواداليت شبه الجزيرة الأيبيرية تحت الحكم الإسلامي. وفي العام 1187، استولى جيش مسلم بقيادة السلطان صلاح الدين الأيوبي على القدس من الصليبيين في معركة حطين. وقرب نهاية القرن الثالث عشر، أوقف المماليك الغزو المغولي للعالم الإسلامي في معركة عين جالوت. وبتقدم سريع إلى العصر الحديث، سميت الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1973 باسم حرب رمضان. وبالمثل، يحتفل العديد من الباكستانيين بحقيقة أن بلدهم، الذي يعتبر موطن المسلمين في جنوب آسيا، قد تأسس في العام 1947 خلال شهر رمضان.
بالنظر إلى هذا التاريخ، ينظر إلى شهر رمضان على أنه أكثر من مناسبة دينية؛ فقد كانت له دائماً أبعاد جيوسياسية. وتعمد الجماعات مثل "داعش" والقاعدة وطالبان وأخريات إلى استحضار هذا التاريخ بهدف تعزيز أجنداتها. وبعد أن اتهم الجهاديون الأنظمة المسلمة ومعظم المسلمين بالتخلي عن الإسلام، فإنهم يزعمون أنهم الورثة الشرعيون لهذا الميراث. وهم يقومون بزخرفة سردهم بالمراجع التاريخية، التي يستخدمها الجهاديون لحشد مقاتليهم خلال الشهر المقدس. وهو ما يفسر السبب في أن هجمات الجهاديين قد تصاعدت إلى ذروتها خلال شهر رمضان، منذ 11/9.
كما قام بتسييس رمضان أيضاً أولئك الذين يمثلون الطوائف السنية والشيعية من الإسلام. ويستخدم اللاعبان الأساسيان في هذا الصراع، السعودية وإيران، هذا الشهر لتنشيط مؤيديهما. ويشجع السعوديون، الذين يتولون قيادة العالم الإسلامي السني، مؤيديهم على الدفاع عن دينهم من الشيعة "المنحرفين"، بينما تقوم إيران التي تقود الطائفة الشيعية بالتحريض على الأعمال العدوانية أيضاً.
في نهاية المطاف، يشكل الشرق الأوسط –والعالم الإسلامي بشكل أوسع- منطقة مشحونة دينياً، بحيث تنشط هذه الشحنة وتنطلق كل عام خلال خلال شهر رمضان. وهي بيئة يستفيد منها الجهاديون بشكل هائل. وحتى مع أن معظم المسلمين ينظرون إلى رمضان على أنه وقت للصوم والصلاة الشخصيين، فإن هذه الأسباب تجعل من رمضان شهراً له أهمية جيوسياسية كبيرة.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Ramadan: A Holy and Violent Month

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات