عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Mar-2017

«في مديح ملكوت العزلة»*حمزة قناوي

القدس العربي-سيتخلَّى عنك الجميع سوى الكتابة وأفكارك.. لا شيء هناك سوى مواكب الوهم، الجوائز التي سيحصل عليها «المُرابطون» على ثغور العلاقات بالنقَّاد الذين نسوا أدوارهم الوجودية في إقامة معايير الجمال، إلى اكتناز الصُرر، صرر الدنانير لأنفسهم ولمريديهم، والتاريخ وحده الأبقى.
في مواكب الوهم التي ستتخطاك ليس في يدكَ سوى فكرةٍ ورؤيةٍ وطريق، وقناعة بأن الإنسان موقفٌ وخيار. في سوق الكتابة.. هناك «الكاتب الشبح» الذي يكتب لأديبةٍ لا تملك من الأدب سوى وجهها الفاتن وثرائها، وهي تدفع لموهبته ليكتب لها أعمالها في الخفاء ساتراً عورة فقرِه، فتشتهر وتنتشر بقلمه وفتنتها، وتُفرَد لها الأعمدة في الصحف والزوايا في المجلات، وأنت في مسارِك المنعزل سائرٌ على دربِ الوحدةِ لا يلتفت إليك أحد ولا يكاد يراك أحدٌ من سماسرة الوهم.. وحيدٌ «تُنسى كأنَّكَ لم تكَن».
في ثورة مصر سيتخلى أكبر نقَّاد التنوير عن قناعاته التي بدأها يسارياً وانتهى على يمين حاكمٍ مخلوعٍ قلَّده الوزارة، بينما يتساقط شباب الشهداء برصاص قناصة الميدان، الشباب نفسه الذي كان هذا الناقد التنويري يعلِّمهم مفاهيم النقد والموقف من السلطة والرفض في الجامعة.. انتهى الناقد إلى مُهرِّجٍ يرقص على حبال المنصب ولو لأيامٍ فقط، ويتوسل للشباب أن يمنحوا الحاكم الهرِم فرصةً أخرى.. تنظر إليه وتسخر من البشر وأخلاق إنسان هذا الزمان، والكتب الجوفاء التي يكفر حبرها بما تقوله كلماتها.. يستحيل وجهه إلى تفصيلةٍ في مواكب الوهم.. وأنت وحدك في ملكوت عزلتك تقيس العالم وفق معايير الصواب والخطأ والجمال والقبح.
في غابة النشر ستجد ما يشيب له الولدان، نصوصٌ مسروقةٌ من مقابرِها القصية التي لم يزُرها أحد رغم أنها كانت جديرة بالحياة، غير أن انزواء الأضواء عن مؤلفها بسيط الحال فقير العلاقات جعلها تنزوي في ركنٍ مظلمٍ ما أسهل أن تُستَلَّ منهٌ طريدةً يوقعها مُدَّعٍ مشهور، كان له الحظ في برنامج تلفزيوني أو بعض وسامةٍ جعلت منه كاتباً جماهيرياً ذا معجبات.. في «سوق» النشر ستجد لن تُجدي معايير الكتابة المتأنية والعزلة عن العالم، الصبر وتحمل مشاقه بحثاً عن كمال النص أو مقاربته قدر ما ستنتصر معايير السوق والتجارة، جائزة ما نالها عملٌ فاشتهر كاتبه، دونَ تقصٍّ عن لجنة تحكيم إن كان فيها «صحافي ثقافي» لم يدرس النقد أكاديمياً ذات يوم ولا قرأ نظرية واحدة للنقد قديمه وحديثه، أو بها «وزير» ساقه منصبه أن يترأس لجنة تحكيم سيحصل كل عضو فيها على ما يفوق قيمة الجائزة أو يساويها، فقط ليقال إن الجائزة حكَّمهَا «وزير» أو نالها زميله. كيف تقنع العالم الذي تراكمت فيه نظريات الأدب عبر قرون من التطور والجهد التحليلي والتفاعل العضوي بين النصوص والتنظير المقابل المستخرج أسس المدارس والاتجاهات الإبداعية الأقرب إلى روح هذه النصوص أن النقد علمٌ ذو قياسٍ ونظرياتٍ وأسس، ولا يمكن إحالته إلى صحافيٍ صغير لم يدرسه يوماً ليكتب حيثيات فوز أعمال ركيكة لمسابقات أدبية كبيرة الجوائز (تظل تقاريره سريةً من حسن حظ النقد وسوء طالع الخاسرين) أما الصحافي فابن السلطة وصحفها وأبواقها، وأما الجائزة فسيتخطاها التاريخ عدا «وهبتها» المالية الضخمة.
كيف تقنع العالم بالصواب والخطأ؟ والقبح والجمال، كيف يلتقيان في هذا البرزخ المختلق؟ كيف تُفنَّد الأصالة من التلفيق ويستوي الجهل بمراكمة المعرفة في المشهد الثقافي العربي البائس؟ بين تداخل حقول الإعلام والثقافة والأكاديمية ومفاهيم الشهرة والموهبة والانتشار وما يتطلبه السائد والنمط في صورةٍ واحدةٍ تُمعن في تشويه ما تبقى من جماليات القيمة الخالصة أدباً ونقداً وجمالياتٍ؟
تجيل عينيك في الأفق من حولك لتعاود اكتشاف نفسك والتعرف عليها وعلى ما يشغلُكَ من اهتمامات حاضرك، قضاياك وما استقرَّ في مركز وعيك، لتتعرف على نفسك أكثر وعلى الآخر من حولك.. ماذا ترى؟ كُتَّاباً موهوبين لا يعرفهم أحد، انكفأوا على أنفسهم وسط ظروفهم الإنسانية الصعبة بينما يبحثون عن تأمين اللقمة والمأوى ويستحيل النشر واكتشاف مواهبهم إلى مهمةٍ استثنائية ومترفة، إلى رفاهية لا يملكونها، فيلتقون على المقاهي الفقيرة ليشربون شايهم الثقيل كحياتهم وأقدارهم.
انظر.. ماذا ترى؟ نقاداً صاروا نجوماً في الفضائيات والفنادق الفاخرة في المؤتمرات الدولية بدلاً من أن ينعزلوا عن العالم في أركانهم المضيئة الهادئة ليبحثوا في نظريات النقد وفي تطور الفكر البشري ومقاربات النصوص وفق الحركات الفكرية والاجتماعية التي تقود المجتمعات. راقصات صرن كاتبات.. وكاتبات يشتهرن بقوة المصالح.. ونقاد حقيقيون بائسي الظروف اكتفوا بالابتعاد عن المشهد في احترام لقيمهم، باعتبار النقد موقفاً من الحياة ككل وليس مجرد نظريةٍ مترجمة أو أخرى مُقاربَةً عنها.
تتلفت حولك لترى ماذا أنتج هذا الفكر بنقده وقضاياه وسماسرته ومُدّعيه ونجومه وكُتّاب الـ»بيست سيلر» الذين قعّدت لمبيعاتهم جوائز الصرر.. فترى مخيماتٍ تتزايد على امتداد البصر، وفكراً طائفياً ينمو كنبتٍ شيطاني ويتمدد في كل اتجاه، وأطفالاً يموتون في مجاعات، ترى احتقاناً فكرياً لا يُنفَّس عنه سوى في برامج حوارية تنتهي بتبادل اللكمات أو سحب المسدسات بين الضيوف «المتحاورين فكرياً».. طائرات العالم المتقدَّم تسرح وتمرح في سماواتنا دون أن تعرف هوية بلادها وعلى من مِنِّا ترمي قنابلها اليوم..
بين المشهدين: الأدب والفكر من جهةٍ والواقع العربي البائس سياسياً واقتصادياً والغارق في التقسيم والفوضى..هل من رابطٍ يجمعهما وهل من أرضٍ مشتركة نبت فيها هذا فأنبت ذاك؟
نعم.. العلاقة وثيقة ووطيدة، فموقع المجتمعات من حركة التاريخ يقطرها نشاطها الفكري وأصالتها العلمية وارتباطها بقضاياها.. وحركتنا من التاريخ البشري اليوم تحتاج إلى رتل من المقاعد المتحركة. ثمة غزال يركض نازفاً اسمه الكتابة.. هذا الغزال المهدر دمه في صحارى الوهم، على مذابح مفاهيم لم تكن يوماً أصيلة في علاقتها بهذا الطقس المعرفي المقدس النبيل: الجوائز، نقاد الشهرة، الحاجة والمطلوب، النشر وقوانينه المستحدثة التي يتدخل فيها المال كثيراً، وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من عديمي الموهبة كتَّاباً لهم جمهورهم النائي بهم عن تراسل التاريخ الأدبي ومدارسه ومعاركه ومراحله، فصاروا كمن يعيشون في جُزرٍ نائيةٍ عن كوكبنا يضعون قانونهم الخاص ويسنون لغتهم الخاصة وقواعد كتابتهم المستمدة من الجماهيرية وعدد «الإعجابات» وغرابة النصوص وحتى شذوذ بعضها..
في مواكب الوهم.. لا شيء يبقى لك سوى الكتابة.. لن يبقى شيءٌ سوى ما خطَّت يداك، وما استشرف خيالك من قيمةٍ وجمال.. أما الزائلون فكثر: تاجر الكتابة، المذيع/الشاعر الذي لا يملك سوى صوت رخيم يداري به موهبةً ضحلة، المُذيعة ومقدمة الحفلات الحسناء التي لا علاقة لها بالأدب وتُفرَد لها المحابر والمنابر، الناقد المتخم بعطايا المِنح، والفنادق والمؤتمرات، المجلات الفاخرة التي لا تساوي قيمة حبرها الذي طبعت به، وزير الضرورة، وحاملو المباخر من المنتفعين.. ناشرو الوهم، ومانحو الهباء..
وأنتَ سائرٌ في طريقـــــك، تسخر من العالم الشاخص وتنظر في أعماقك لعالمٍ آخر اختفى في عصركَ مع قيمه التي نساها الجميع.. الخير والحق والجمال.. الإبداع الحي والحرية والرفض. سعيداً بنسيان الجميع لك.. هذا النسيان الذي نصّبك ملكاً على ذاتك الحُرَّة في فضاءات لا يعون اتساعها وأنت تسعى إلى البعيد الذي لا يرون.
 
٭ كاتب مصري
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات