عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Apr-2018

تهديد "بريكست" للأمن البريطاني

 الغد-شارلز تانوك

لندن- تعج بعض لحظات التاريخ بعجيب المفارقات. وإذا أردنا أن نلقي نظرة سريعة على مثال معاصر، فما علينا سوى أن ننظر إلى المملكة المتحدة. فمع اقتراب مفاوضات الخروج البريطاني مع الاتحاد الأوروبي من نقطة تحول -اجتماع المجلس الأوروبي هذا الشهر- نرى الحكومة البريطانية تطلب المساعدة من شركائها الأوروبيين، الذين تزدريهم، في نزاعها مع روسيا بشأن محاولة اغتيال العميل المزدوج الروسي السابق، سيرجي سكريبال، وابنته في ساليزبيري بإنجلترا.
ولكن، حتى قبل الهجوم الصفيق على سكريبال -الذي استُهدِف بغاز الأعصاب "نوفايشوك" الذي صممه السوفيات- أصبحت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، أكثر صراحة ومباشرة في تسليط الضوء على القيم والمصالح المشتركة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك القيم المتعلقة بالأمن والدفاع. بل إنها اقترحت في مؤتمر ميونخ الأمني الذي انعقد الشهر الماضي إقامة "شراكة عميقة وخاصة" حول مثل هذه الأمور.
في السيناريو الذي تفضله تيريزا ماي، سوف تستمر المملكة المتحدة في المشاركة الكاملة في هيئات الاتحاد الأوروبي مثل يوروبول (منظمة الشرطة للاتحاد الأوروبي)، مع دعم أوامر الاعتقال الأوروبية. وعلاوة على ذلك، تحافظ المملكة المتحدة على مشاركتها في مهام السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة الحالية والمستقبلية للاتحاد الأوروبي، وتواصل التنسيق مع الاتحاد الأوروبي حول أنظمة العقوبات بموجب السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.
من المؤكد أن الهجوم على آل سكريبال عزز من اهتمام تيريزا ماي بضمان التعاون الأمني القوي بعد الخروج البريطاني. إذ إن أفضل طريقة للتعامل مع هذا النوع من التهديد الخارجي المتمثل في ذلك الهجوم هي التعاون مع الحلفاء. ولكن، هل يأخذ حلفاء المملكة المتحدة تيريزا ماي على محمل الجد؟
في ميونخ قالت تيريزا ماي: "إن أولئك الذين يهددون أمننا لا يريدون شيئاً أكثر من رؤيتنا ممزقين... ورؤيتنا ونحن ندير المناقشات حول الآليات والوسائل قبل أن نفعل الشيء الأكثر عملية وفعالية في الحفاظ على سلامة شعوبنا". ثم بعد تأكيدها أن المملكة المتحدة اتخذت قراراً مشروعاً وديمقراطياً بمغادرة الاتحاد الأوروبي، خلصت إلى أن الكرة الآن باتت في ملعب الاتحاد الأوروبي. وعلى حد تعبيرها، فإن عدم قبول عرضها السخي حول التعاون الأمني الوثيق يرقى إلى "إعطاء الأولوية للعقيدة السياسية والإيديولوجية".
لم تفت المفارقة التي انطوى عليها موقف تيريزا ماي على الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي، والتي قررت المملكة المتحدة أن تتركها خلفها. فمن خلال إثارة الشكوك حول وحدة أوروبا -بل والغرب بأسره في واقع الأمر- يلحق الخروج البريطاني في حد ذاته ضرراً جسيماً بالأمن الأوروبي، وكل هذا في سبيل العقيدة السياسية والإيديولوجية.
لا شك أن المتشددين من أنصار الخروج البريطاني، مثل وزير التجارية وليام فوكس، يزعمون أن العلاقة الخارجية الوحيدة التي تحتاج إليها المملكة المتحدة من أجل دعم أمنها هي مع منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بقيادة الولايات المتحدة. ومع ذلك، وفي حين يظل حلف شمال الأطلسي بوضوح المصدر الأساسي للأمن الأوروبي، فإنه لا ينبغي لأحد أن يكون على استعداد لإسناد أمنه للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يبدو أنه يكن قدراً كبيراً من الاحتقار للحلفاء أكبر من ذلك الذي يكنه للخصوم مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكما حذر رؤساء الاستخبارات في بريطانيا وفرنسا وألمانيا في بيان مشترك لم يلفت الانتباه كثيراً في إطار مؤتمر ميونخ، فإن أي انهيار في التعاون الأمني بين المملكة المتحد والاتحاد الأوروبي سوف يخلف عواقب وخيمة.
ولكن، لا يجوز لتيريزا ماي أن تتوقع الحفاظ على مستوى التعاون الأمني الحالي بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وخاصة في سياق الخروج البريطاني "الصعب" الذي تسعى إليه. فعندما تغادر المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، فإنها بذلك ستخسر حق صياغة الأطر المؤسسية التي طالما دعمت أمنها. وهذا ما يترك تيريزا ماي أمام خيارين: إما أن تترك هذه الأطر وتضعها خلفها -وهي خطوة بالغة الخطورة- أو تقبل شروط الاتحاد الأوروبي، أو أغلبها على الأقل.
على سبيل المثال، لا بد أن يغطي الإطار القانوني للبيانات المرتبطة بالأمن البيانات التجارية أيضاً. فإذا كان بوسع المملكة المتحدة أن تتسامح مع منح الاختصاص في هذا المجال لمحكمة أوروبية عليا، كما أوحى خطاب تيريزا ماي في ميونخ، فما الذي يمنعها من التسامح في مجالات أخرى؟ وفي الحقيقة، تتمتع محكمة العدل الأوروبية بسمعة لا تشوبها شائبة كهيئة قضائية مستقلة -وقد دافعت بشكل عادل عن مصالح المملكة المتحدة مرات عِدة.
من شأن مثل هذا النهج أن يولد قدراً كبيراً من حسن النوايا في المفاوضات. ومن شأن ذلك، إلى جانب الأصول والخبرات الأمنية التي تتمتع بها المملكة المتحدة، أن يوفر الحيز اللازم للبلاد للحصول على تنازلات فريدة من جانب الاتحاد الأوروبي، مثل منحها وضع المراقب الدائم في لجنة الاتحاد الأوروبي السياسية والأمنية المؤثرة.
ولكن، ليس من المؤكد ما إذا كانت الملكة المتحدة تدرك أهمية مثل هذه الأشكال من التعاون -التي تشكل ضرورة أساسية لضمان الأمن في كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن تيريزا ماي تبدو الآن وكأنها تحمل رؤية أكثر واقعية للمخاطر الأمنية التي يفرضها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فما يزال آخرون في حزبها مصرين على تعنتهم.
على سبيل المثال، اقترح مؤخراً أوين باترسون، وهو وزير سابق في حكومة المحافظين، إلغاء اتفاق الجمعة العظيمة، الذي حقق عقدين من السلام لأيرلندا الشمالية -وهو بيان شديد التهور، نظراً للحساسيات السياسية التي أثارها التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في أيرلندا. كما أن آخرين من أنصار الخروج البريطاني، مثل وزير البيئة مايكل جوف، من المتشككين في اتفاق الجمعة العظيمة. ويشير هذا الاتجاه إلى أن الأمن، من منظور الإيديولوجيين المناصرين للخروج البريطاني، يجب أن يكون تالياً في الأهمية لأحلامهم القومية.
ربما يكون الهجوم الأخير على العميل الروسي السابق في بلدة إنجليزية هادئة كافياً لإزالة الغمامة الإيديولوجية عن أعين المزيد من أنصار الخروج البريطاني، فيظهر لهم أن "بريطانيا وحدها" تصبح "بريطانيا معرضة للمخاطر". ولكن من المحتمل أيضاً أن يكون الأوان فات عندما يتمكن مواطنو وقادة المملكة المتحدة من رؤية الخروج البريطاني من منظور حلفائهم -بوصفه تصرفا أنانياً ومدمراً وينطوي على خيانة.
 
*عضو في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات