عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Jun-2017

كيف تغطي التحيزات الثقافية على الدور الحقيقي للنساء في "داعش"

الغد-تايلور لوك – (كرستيان سينس مونتيور) 2/6/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
عمان، الأردن- ثمة شيء واحد هو الذي دفع الخريجة الجامعية آمنة إلى التخلي عن حياتها في الطبقة الوسطى التونسية، لتحمل شارة ما تدعى "الدولة الإسلامية" في ليبيا المجاورة التي مزقتها الحرب.
لم يكن قد أغواها جهادي مجتهد ما، كما تقول، ولا دفعتها رغبة الهروب من منزل محطوم، ولا حياة مقموعة أو فقر -ولا أي تفسير آخر مما يتم تقديمه لمشاركة النساء في حملة "داعش" الجهادية الوحشية، التي صنعت عدداً لا حصر له من القصص عن قطع الرؤوس، والمجازر، والعبودية الجنسية.
انضمت آمنة إلى التنظيم لسبب بسيط واحد وحيد: "أردتُ أن أدافع عن المسلمين السُّنة"، كما تقول باستخدام اسمها الحربي، عبر سكايب، من تونس.
مع ذلك، وعلى النقيض من 200 أو نحو ذلك من مجندي "داعش" الذكور الذين عادوا إلى الوطن، تونس، من ميادين المعارك الأجنبية، لا يترتب على المرأة البالغة من العمر 24 قضاء عقوبة في السجن.
على مدى ثلاث سنوات تقريباً، قام الإعلام والجمهور على حد سواء بتهميش دور النساء في "داعش" أو التقليل من شأنه. وفي كل من الإعلام الغربي والعربي، يجري تصوير نساء التنظيم غالباً على أنهن "ضحايا" تعرضن لعملية "غسيل دماغ" على أيدي رجال مؤثرين. وثمة مزاعم أكثر اتصالاً بالشهوانية -خاصة في الصحافة العربية- والتي تقول إن العديد من النساء يلتحقن بـ"داعش" لغاية الزواج وممارسة علاقات جنسية مع المقاتلين، في ما يدعى "جهاد النكاح".
ومع ذلك، يقول الخبراء إن السبب الكامن وراء ولاء النساء لتنظيم "داعش" هو شأن أبسط بكثير، وأكثر قتامة: أنهن مؤمنات حقيقيات بقضية التنظيم.
وكما يحذر هؤلاء الخبراء، فإنه ما لم تتغلب الدول في الغرب والعالم العربي على التحيزات الثقافية التي كثيراً ما تعفو عن النساء وتتجاهل مظالمهن السياسية -انحيازات يستغلها بوعي تنظيم "داعش"، الذي يعتمد بازدياد على النساء- فإن هذه الدول ربما تواجه قريباً تهديدات أمنية محدقة.
محارِبات راغبات
ليست هناك أرقام دقيقة لعدد النساء اللواتي انضممن إلى "داعش". وتقترح التقديرات المختلفة أن نحو 10 في المائة من المتطوعين الغربيين في التنظيم هم من النساء، بينما انضمت آلاف آخرى إلى المجموعة من دول عربية، مثل السعودية، وتونس، والأردن، وسورية والعراق.
في حين أن منافسه الجهادي، تنظيم القاعدة، الذي فرخ "داعش" نفسه، عادة ما قصر دور المرأة على تربية "الجيل التالي" من الأولاد الجهاديين، وضع "داعش" النساء في المقدمة والمركز، فاعتمد عليهن في الدعاية، واللوجستيات، والعمل الشُرطي، وتنفيذ الهجمات.
يقول حسن أبو هنية، الخبير الأردني في الحركات الجهادية: "إننا نشهد تحولاً في دور النساء الجهاديات من العمل كعنصر دعم ليصبحن مقاتلات ناشطات في ذاتهن".
في السابق، لم تضطلع أي من النساء الداعشيات بدور أكبر من الخدمة في كتيبة الخنساء، قوة الشرطة النسائية المكونة من النساء حصراً، التي تفرض تطبيق قوانين "داعش" ومراسيمه في سورية والعراق، والمتهمة بممارسة التعذيب والمسؤولية عن حالات الاختفاء القسري للنساء. لكن النساء أصبحن منخرطات في أكثر من مجرد العمل الشُرطي.
يُعتقد أن "داعش" أرسل أول امرأة انتحارية من صفوفه خلال المعركة ضد القوات الكردية للسيطرة على مدينة كوباني (عين العرب) في شمال سورية في أواخر العام 2014. ومنذ ذلك الحين، أرسل التنظيم النساء كمفجرات انتحاريات في ليبيا وتركيا، بينما تم اعتقال انتحاريات محتملات في فرنسا والمغرب وإندونسيا خلال العام الماضي. كما تبيَّن أن النساء لعبن أدواراً رئيسية في التخطيط لهجمات "داعش" في باريس، والأردن وتركيا.
اتجاهات ثقافية
مع ذلك، تواجه مراقبة الأجهزة الأمنية للنساء وتعقبهن والتحقيق معهن كأعضاء محتملات في "داعش" العديد من الحواجز اللوجستية والثقافية.
أحد هذه الحواجز هو أن النساء في المجتمعات الإسلامية المحافظة يكُن محميات في كثير من الأحيان، ويعد اختلاطهن مع الذكور الغرباء –حتى رجال الشرطة وعملاء الأمن- من دون حضور قريب ذكر، من المحرمات، بل وحتى عاراً.
يقول خبراء الأمن إن "داعش" يستغل هذه الحساسيات، ويعتمد بازدياد على النساء اللواتي يكون تعقبهن أصعب كثيراً بحكم وضعهن الثقافي والمفاهيم التقليدية لقيمة "الشرف". ويقول مصدر أمني أردني: "إننا لا نستطيع أن نذهب من باب إلى باب ونرفع نقاب كل امرأة، أو أن نراقب كل مدارس النساء ومقاهيهن. سوف يتسبب ذلك بأعمال شغب".
ويضيف: "يجب أن يلعب أفراد المجتمع دوراً كبيراً في هذا الشأن، لأنهم يستطيعون أن يذهبوا إلى حيث لا يمكننا أن نذهب في بعض الأحيان".
وتقول مصادر أمنية أخرى إنه في المجتمعات الأكثر محافظة، مثل السعودية، حيث يجب على النساء الحصول على إذن من الأوصياء الذكور للسفر، حتى مجرد الإشارة إلى أن امرأة انضمت إلى مجموعة إرهابية، سوف يُعد "انتقاداً للعائلة" نفسها، وبذلك يكون مرفوضاً بشدة.
يقول مسؤول مرتبط بوزارة الداخلية السعودية، والذي طلب عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية الموضوع: "إننا نعامل النساء من أعضاء (داعش) بالجدية نفسها التي نعامل بها الرجال -لكن علينا أن نكون حذرين إزاء حساسيات معينة".
لماذا يُقاتلن
يقول الخبراء إن على الدول -العربية والغربية على حد سواء- تغيير نظرتها إلى النساء المقاتلات، ابتعاداً عن وضع الضحية الذي يتجاهل وينكر المظالم السياسية الحقيقية التي تدفع انضمام النساء إلى المجموعات المتطرفة مثل "داعش".
وتقول نيمي غوريناثان، الأستاذة في كلية كولن باول للقيادة المدنية والعالمية في نيويورك، والخبيرة في الجماعات النسائية المسلحة: "إن فكرة كون المرأة عنيفة صعبة جداً على القبول في تلك المجتمعات، بل وحتى في المجتمعات الغربية".
وتضيف الأستاذة غوريناثان: "يُنظر إلى النساء اللواتي يلتحقن بالمجموعات المتشددة على أنهن مُعتلات اجتماعياً، مريضات. ويعزز المجتمع فكرة أننا نستطيع أن نعيد المرأة من هذا النوع إلى الإنسانية مرة أخرى بتذكيرها بأنها امرأة -بتزويجها وتشجيعها على إنشاء أسرة".
تقول العديد من النساء اللواتي أجرت "المونيتور" مقابلات معهن عن بعد من خلال تطبيقات الرسائل وبوساطة أطراف ثالثة، إن لديهن أسباباً متشابهة للانضمام إلى "داعش": الدفاع عن المسلمين السُنة من النظام السوري، ومحاربة إيران والغرب، والعيش في ظل ما يزعم "داعش" أنه قانون الشريعة الإسلامية.
وقالت كثيرات منهن إنهن تصرفن بدافع الأزمات الحقيقية في المنطقة: الحرب في سورية، والصراع العربي-الإسرائيلي، وتنامي النفوذ الإيراني -وكلها عوامل تفاقمها عدم قدرتهن على امتلاك صوت سياسي في الوطن. وبدلاً من الفكرة السائدة عن تجنيدهن، تقول هؤلاء النساء إنهن سعين إلى "داعش" بأنفسهن، كمتحولات أيديولوجيات حقيقيات.
السرد الذي يعتبر النساء "ضحايا" بدلاً من كونهن لاعبات مدفوعات سياسياً هو واحد تتبناه وتعززه عائلات النساء اللواتي انضممن إلى "داعش" بينما تضغط هذه العائلات وتحشد من أجل عودتهن ودفع الدول إلى العفو عنهن.
يقول محمد إقبال، من جمعية إنقاذ التونسيين العالقين في الخارج، وهي جماعة مناصرة لأسر الرجال والنساء الذين غادروا للانضمام إلى المجموعات الجهادية: "إننا ننظر إلى هؤلاء الشباب والنساء كضحايا، إنهم يتعرضون للخداع والإغواء".
ومع ذلك، وفقاً للخبراء، فإن إحدى نتائج المفاهيم الخاطئة لأسباب انضمام النساء إلى المجموعات المتشددة مثل "داعش"، كانت اتخاذ الدول والمنظمات غير الحكومية "النهج الخاطئ" المتمثل في إعادة دمجهن في المجتمع. وتترك العديد من الدول العربية للمجتمعات مهمة إعادة إدماج نساء "داعش"، في حين تعرض منظمات المجتمع المدني التي تطبق برنامج "نزع السلاح، والتسريح من التنظيم، وإعادة الدمج" تقديم ماكنات الخياطة والمشاريع المنزلية المدرة للدخل، والتي يفترض أنها ستعزز لدى العائدات "هويتهن الأنثوية".
وتقول غوريناثان: "بالنسبة للنساء، يبدو الأمر كما لو أننا سنأخذهن من 2017 ونعيدهن إلى الخمسينيات، ونعتقد بأن ذلك سيتكفل بحل مظالمهن السياسية العميقة".
الأحكام المتساهلة
لكن خبراء الأمن والناس يشيرون إلى عقبة أكبر من مجرد صعوبة الرقابة الشرطية: الأحكام المتساهلة.
في كثير من الأحيان، وبسبب الضغط من العائلات والتعاطف العام مع النساء اللواتي يُنظر إليهن كضحايا، أصدرت الدول عبر منطقة الشرق الأوسط أحكاماً متساهلة أو عفواً عن النساء اللواتي التحقن بتنظيم "داعش" –حتى أولئك اللواتي ربما تلطخت إيديهن بالدماء.
في السعودية؛ حيث لعبت النساء دوراً نشطاً في التجنيد والتخطيط للهجمات، حسب الروايات الرسمية ورأي الخبراء، كان نظام العقوبات الصارم عادة في المملكة متساهلاً بشكل غير عادي معهن.
في أيار (مايو) 2016، حُكم على امرأة عمرها 27 عاماً بتهم الانضمام إلى "داعش" وتشجيع الهجمات على أجهزة الأمن السعودية من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، بحكم سجن مخفض -ثلاث سنوات بدلاً من ست. وحُكم على نساء أخريات متهمات بالانتماء إلى "داعش" بفترات سجن من سنتين إلى أربع سنوات.  وفي تونس، كانت فترات احتجاز عشرات النساء اللواتي إما مُنعن من مغادرة البلد للانضمام إلى "داعش" أو عدن منه قصيرة جداً، ومن دون توجيه تهمة.
وفي الأردن، تم العفو عن عشرات الشابات اللواتي عدن من تركيا بعد محاولتهن دخول سورية والانضمام إلى "داعش"، من دون قضاء حتى يوم واحد في السجن.
لا تكاد الأحكام التي تصدر على النساء تذكر مقارنة بالأحكام التي تصدر على الشبان في الأردن، الذين عادة ما يُحكم عليهم بخمس سنوات، فقط لمجرد نشر مشاركة متعاطفة مع "داعش" على "فيسبوك"، أو في تونس، حيث يمكن أن يواجه الشباب قضاء سنتين في السجن حتى قبل أن يُعرضوا على قاضٍ.
وبالإجمال، يقول الخبراء إن العديد من عشرات النساء اللواتي يعدن من سورية أو يغادرن السجن، هن ناشطات مدفوعات أيديولوجياً ومن غير المرجح أن يتخلين عن آرائهن المتطرفة من دون عملية إعادة تأهيل مكثفة -وهو نوع من الدعم غير متوفر في العالم العربي.
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How cultural biases obscure women's true role in ISIS

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات