عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Dec-2017

فرصة أوروبا في 2018

 الغد-آنا بالاسيو

مدريد- أصبح من قبيل الابتذال أن نعلن في كل كانون الأول (ديسمبر) أن العام المقبل سيكون حاسماً بالنسبة للاتحاد الأوروبي. والنمط معتاد ومألوف: حيث ينتظر أوروبا 12 شهراً من الاضطرابات، المدفوعة بأحداث لم تكن مستعدة لها، فترد باستجابات غير مدروسة، وتعلن عزمها على معالجة القضايا البنيوية الأعمق. ثم يصل العام التالي، ومرة أخرى تطغى الأحداث على أوروبا فتربكها، وتصبح عالقة مرة أخرى في وضع الاستجابات قصيرة الأمد للأزمات. فهل يكسر العام 2018 هذا القالب؟
الإجابة القصيرة هي أن هذا ربما يكون وارداً. فبعد ما يقرب من عشر سنوات من الدراما القاسية -الكارثة المالية التي أعقبها الغزو الروسي لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، وأزمة الهجرة، والتصويت لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب رئيس أميركي شَكَّك في العلاقات بين ضفتي الأطلسي- تَدخُل أوروبا العام 2018 وهي في وضع مستقر نسبياً.
وليس الأمر أن الأفق خال من أي أزمة على حدود أوروبا فحسب؛ بل وعلى الرغم من النمو الهزيل، تبدو التوقعات الاقتصادية مستقرة أيضاً. والأمر الأكثر أهمية هو أن الانتخابات في الاقتصادات الأوروبية الثلاثة الأكبر حجماً في العام 2017 لم تنتج المزيد من التمردات الشعبوية. فالآن تحظى فرنسا برئيس مؤيد لأوروبا في شخص إيمانويل ماكرون؛ وفي ألمانيا ينشأ ائتلاف كبير مؤيد لأوروبا؛ كما تمكنت القيادة البريطانية، على الرغم من انقسامها العميق، من الاتفاق مع شركائها في الاتحاد الأوروبي على مشروع الطلاق الذي يخدم كمنصة للمفاوضات المتواصلة. وإيطاليا هي الدولة الوحيدة الرئيسية في الاتحاد الأوروبي التي من المقرر أن تعقد انتخابات في العام 2018.
الآن تواجه أوروبا فرصة ذهبية سانحة لتأكيد أسبقية صنع السياسات في الأهمية لأي ممارسات سياسية، وملاحقة الإصلاحات التي تحتاج إليها لإرساء الأساس لمستقبل أكثر ازدهاراً وأماناً وديناميكية. ولا يملك أحد ترف إهدار الوقت: فالآن بدأ 2019 يتشكل بالفعل بوصفه عاما معقداً؛ حيث من المقرر أن يشمل انتخابات أوروبية، وتعيين مفوضية أوروبية جديدة، فضلاً عن حلول الموعد النهائي لاتفاق الخروج البريطاني.
وهذا يعني أن أمام أوروبا 12 شهراً لإحراز التقدم في ما يتصل بمجموعة متنوعة من المجالات، بما في ذلك الدفاع المشترك، والتجارة، وإنشاء اتحاد الطاقة، وإصلاح اتفاقية شنغن، وإقامة الاتحاد المصرفي. لكن الجهود المتضافرة تشكل أهمية خاصة في ثلاثة مجالات -أحدها داخلي، والثاني إقليمي، والثالث عالمي- على مدار العام المقبل.
يتلخص المجال الأول في ضرورة إحراز تقدم ملموس في بناء السوق الرقمية الموحدة. في العام 2015، أطلق الاتحاد الأوروبي "استراتيجية السوق الرقمية الموحدة"، بهدف دفع عجلة القطاع الرقمي في أوروبا. ومنذ ذلك الحين، جرى إحراز بعض التقدم -وخاصة إلغاء رسوم التجوال من قِبَل مقدمي خدمات الهاتف المحمول، وهو القرار الذي حظي بشعبية سياسية كبيرة.
لكن خلق بيئة تسمح للشركات الأوروبية بتوسيع نطاق أعمالها والتنافس على المستوى الدولي، في حين تواجه في الوقت نفسه محاولات الاستيلاء على السوق من قِبَل عمالقة الصناعة، يتطلب قدراً أكبر كثيراً من العمل. ولأن ولاية رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر من المقرر أن تنتهي في العام 2019، فإن هذا العام المقبل هو الوقت المناسب للقيام بذلك.
يتعلق المجال الثاني بعلاقة أوروبا بأفريقيا. فقد أبرزت أزمة الهجرة ارتباط مستقبل القارتين على نحو لا ينفصم -ومدى انعدام فعالية السياسة التي تنتهجها أوروبا في التعامل مع أفريقيا حتى الآن. والواقع أن سجل أوروبا حافل بوعود تغيير النهج الذي تتعامل به مع أفريقيا -وكسر هذه الوعود.
الخبر السار هنا هو أن هناك من الأسباب ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن مثل هذا التغيير، وإقامة علاقة مثمرة وموجهة نحو تحقيق النتائج، ربما يكون وشيكا أخيراً. والآن أصبح لدى أوروبا مصلحة واضحة في هذا الصدد: فما لم تعمل على خلق الفرص لتثبيت استقرار الحكم في أفريقيا، فسوف تستمر الضغوط التي تفرضها الهجرة وتزداد حدة وقسوة. وقد أثبتت المصلحة الذاتية في كثير من الأحيان كونها حافزاً أقوى كثيراً من الإيثار.
ويتطلب تحقيق النجاح التحول بعيداً عن نهج الماضي الأبوي وتأكيد التعاون المتكافئ. فمن الأهمية بمكان أن تعمل أفريقيا وأوروبا معا، وعلى قدم المساواة، لتجاوز الحلول القصيرة الأمد التي تركز على منع تدفقات الهجرة، واعتماد نهج يعاجل أسبابها الجذرية -بما في ذلك سوء الإدارة في المقام الأول.
في القمة الأخيرة التي جمعت بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، كان بوسع المرء أن يستشف بدايات مثل هذا النهج في خطة تهدف إلى حفز الاستثمار الخاص -وليس المعونة- من خلال تقديم الضمانات إلى حد كبير. والسؤال هو ما إذا كانت أوروبا مستعدة أخيرا للوفاء بوعودها، واستثمار الوقت والجهد ورأس المال السياسي في تعميق المشاركة وتحقيق إصلاح الحكم الحقيقي.
يتمثل المجال الثالث في العمل نحو إحراز تقدم ملموس في العام 2018 في ما يتصل باستعادة دور أوروبا كرائدة عالمية في إدارة السياسة المناخية. والواقع أن الاحتفال المناخي الصاخب الذي اختتمه ماكرون للتو بعث برسالة إيجابية، ولكنه أكد أيضا الرغبة، وخاصة بين دوائر مجتمع الأعمال، في تولي قدر أكبر من الزعامة العالمية في مجال العمل المناخي في وقت حيث تتجنب الولايات المتحدة التعاون الدولي، وخاصة في ما يتعلق بالمسائل البيئية.
ويتعين على أوروبا أن تشغل الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة. ولكن الآن وقد أصبح اتفاق باريس للمناخ (الذي انسحبت منه إدارة ترمب في وقت سابق من هذا العام) في المرحلة الحاسمة المتمثلة في تحديد القواعد، يتعين على أوروبا أن تسارع إلى العمل، حتى يتسنى لها ضمان قدر معقول من التعاون. وعلى وجه التحديد، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعمل بتواضع على بناء تحالفات متنوعة، وهو يضع في الحسبان الأخطاء التي تُوِّجَت بقمة المناخ الكارثية في كوبنهاغن العام 2009.
سوف يجلب العام المقبل معه أحداثاً وعوامل تشتيت غير متوقعة. ولكن تبقى الحقيقة أن 2018 يبدأ على المسار الصحيح ليكون عاماً من الهدوء النسبي في أوروبا، والذي من شأنه أن يتيح فرصة نادرة للاتحاد الأوروبي لإحراز تقدم حقيقي في التصدي لتحديات أكثر عمقا وأطول أمداً. ولا ينبغي له أن يهدر هذه الفرصة.
 
*وزيرة سابقة للخارجية الأسبانية، ونائبة سابقة لرئيس البنك الدولي، وعضو مجلس الدولة الإسباني، ومحاضرة زائرة في جامعة جورج تاون.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات