عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Jun-2018

"مولعة" على الفيسبوك *احمد ابو خليل

 الغد-جرت العادة أن يسأل الناسُ الصحفيين والكتاب عن "الأوضاع"، غير أني جربت قبل سنوات وسألت والدي عن "الأوضاع"، وكان رحمه الله حينها في الخامسة والثمانين من عمره، فقال لي على الفور: "والله الأوضاع على التلفزيون كويسة".

كان والدي جاداً بالطبع ولم يكن يمزح. فبما أن سؤالي كان عن "الأوضاع" وهي شأن عام، فلا بد من الاستعانة بوسيلة تعرض ما هو عام، وأبرزها التلفزيون.
والدي للأسف لم يعش ليقيس الأوضاع على الفيسبوك. فهنا الأمور مختلفة كثيراً، فالتلفزيون أداة بث مركزية، ورغم تعدد القنوات لكنها تبقى مركزية، وفي العادة يكون للمتفرج الفرد قنوات أو مراكز بث عدة، مع فرصة للتخصص، فهذه للأخبار وتلك للمسلسلات وثالثة للأغاني.. إلخ. وعلى ذلك فإن "الأوضاع" على تنوعها كانت محدودة. أما في الفيسبوك فإن هناك عددا مفتوحا من "الأوضاع" وعليك أن تكون محدداً وواضحاً في السؤال والجواب.
في الأيام القليلة الماضية، لفتتني ظاهرة قد يكون فيها قدر من الطرافة أو البؤس (وفق زاوية النظر التي تختارها).
فقد ينشر أحدهم منشورا يعطي فيه رؤيته لـ"الأوضاع". وبسرعة متفاوتة من ناشط إلى آخر، يتشكل ما يشبه الرأي العام "الجزئي" يخص هذا الناشط صاحب المنشور وأصدقاءه وخصومه، وقبل أن ينتهي العمر الافتراضي للمنشور، يسارع أخونا إلى تطوير رؤيته أو تعديلها وفق ردود الفعل التي حصل عليها من الرأي العام الجزئي المنتهية ولايته، وتبدأ فورا عملية تشكل رأي عام جزئي جديد.
ويتيح الفيسبوك إمكانية تداخل أكثر من رأي عام جزئي معاً عبر عمليات المشاركة والنقل. وبالمزيد من النشاط، يرى كل ناشط أن "الأوضاع" عنده تحت السيطرة.
تتصارع الآراء العامة الجزئية لأن أصحابها لا يعترفون بأنها جزئية، فالواحد منهم ما إن تبدأ الإعجابات والتعليقات تصله، حتى يتصور أن العالم كله أصبح بين يديه.
في أحداث مماثلة تقريبا لما نعيشه الآن، أعني أحداث هبة نيسان 1989، كانت مراكز بث المعلومات والمواقف محدودة، فالحكومة لها رأي يتكرر في التلفزيون والإذاعة والصحف، والأحزاب السرية آنذاك أصدر كل منها بياناً واحداً، وبعض الجهات شبه السياسية فعلت الأمر ذاته، وكان النقاش العام يدور حول عدد محدود من الأفكار والمواقف، على أمل أن يحصل في المستقبل أن يتمكن طرف من هذه الأطراف من القول: "لقد أثبت التاريخ صحة موقفنا".
اليوم، بعض النشطاء يصدر ما لا يقل عن 20 بيانا مقتضبا حاسما باتاً خلال اليوم الواحد، وقد يطلب منك في البيان رقم عشرين أن تتذكر ما قاله، ولم لا؟ فقد أثبت الفيسبوك صحة موقفنا.
لكن لحسن الحظ، هناك ما هو جديد ونوعي على الفيسبوك، ففي خضم النقاش السياسي حول الإضرابات والاعتصامات والصراع، يفاجئك ناشط مختلف بمنشور مختلف، قد يكون مثلاً، صورة لبطيخة كبيرة مفتوحة على شكل أهلة (جمع هلال) فوق طبق كبير مع عبارة "جيرة الله"، وهو ما يعني أن "الأوضاع" هنا مختلفة جذرياً... وقس على ذلك في أوضاع وآراء عامة أخرى أكثر أو أقل أهمية من البطيخ.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات