عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Mar-2017

قراءة فنيّة في ديوان «ويجرحني الناي» للشاعر عمر أبو الهيجاء

الدستور-نضال القاسم 
 
عن الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة عمّان صدر مؤخراً ديوان جديد للشاعر عمر أبو الهيجاء بعنوان (ويجرحني الناي) وهو العمل العاشر في مسيرة شعرية، يميزها التنوع والتلامس بعمق مع نهر الحياة، والاقتراب بلغة الشعر من الحياة اليومية بقصائد متنوعة وأصوات مختلفة وألوان متدرجة في القوة والإيحاء.
وتعتبر تجربة أبي الهيجاء من التجارب الشعرية الملفتة للنظر خلال السنوات الماضية، وتشعرك مجموعته الشعرية الأولى «خيول الدم، 1989» أنك أمام شاعر يمتلك السيطرة على اللغة والموسيقى، وقد تميز صوته بالتنوع والطموح نحو التجديد، فهو صوت مغاير لا تهمه مقاييس اختيار الجملة الشعرية كما استقرت في الاستخدام السائد، فهو يتعامل مع الكلمة من حيث هي مفردة دون وصف لها بالشعرية وغيرها ثم يقيم علاقات الغرابة باعتبارها عالمه الخاص. ولعل المقارنة بين ديوانه الأول «خيول الدم» الذي ظهر قبل أكثر من ربع قرنٍ ودواوينه الأخرى التي ظهرت عقب ذلك، وهي «أصابع التراب» و»معاقل الضوء» و»أقل مما أقول» و»قنص متواصل» و»يدك المعنى ويداي السؤال» و»شجر اصطفاه الطير» و»أمشي ويتبعني الكلام» و»على مهلك أيها الليل» و»بلاغة الضحى»، تكشف عن مدى الجهد الشعري الخلاّق المتطور في تجربته وبناء شخصيته الشعرية المستقلة إلى أبعد حد يقدر عليه, في سياق التجربة الشعرية الأردنية.
وعلى الرغم من اعتيادية عنوان المجموعة الشعرية (ويجرحني الناي) فإنه في حقيقة الأمر يمثل أفقاً جمالياً صادماً على عدة مستويات نصية وخارج نصية. فمن المعروف أن عمر أبي الهيجاء واحدٌ من أبرز الأصوات الشعرية التي تكتب قصيدة النثر بانحياز مطلق لكل مقولاتها الجمالية، وبإخلاص دءوب لكل أشكالها التجريبية ونماذجها المجددة، ولعل أحد توجهات التجديد وأقربها منالاً هي أن يكون العنوان على قدر معقول من الحداثة، كما نرى في عناوين دواوين أخرى للشاعر مثل: «خيول الدم» و»أصابع التراب» و»معاقل الضوء» و»أقل مما أقول» و»قنص متواصل» و»يدك المعنى ويداي السؤال» و»شجر اصطفاه الطير» و»أمشي ويتبعني الكلام» و»على مهلك أيها الليل» و»بلاغة الضحى».
ولعل عنوان الديوان هو شفرة لقراءة القصائد والإبحار معها، وإذا تأملنا دلالة العنوان في ضوء المنجز الشعري الكلي لعمر أبي الهيجاء سنستعيد فكرة «الحداثة» مرةً أخرى؛ إذ يبدو مدهشاً إذا نظرنا إلى (ويجرحني الناي) كعنوان مختلف عن بقية عناوين الدواوين الأخرى من حيث النزوع التجريدي وعدم الإحالة إلى دلالات بصرية، كما نرى في «خيول الدم» أو «شجر اصطفاه الطير»، أو دلالات تخييلية، كما نرى في «أقل مما أقول» أو «يدك المعنى ويداي السؤال»، لأن شعره نثري في إطار سوريالي، يعيد تشكيل علاقات الأشياء ودلالاتها السيميائية، ويقيم علاقات جديدة، توظّف معانيْ وصوراً غير مألوفة، وتعتمد أسلوب الدهشة في مجانسة الكلمات غير المتجانسة.
وقد بنى عمر معمار أغلب القصائد في ديوانه بناءً مقطعياً عبر صوغها في  مقاطع معتمداً فيها على نهج الترقيم دون نهج العنونة، لكي لا يختزل حالاته الشعرية السردية في كلمات قد تمتص الرؤية الإبداعية وتعوقها عن الإشعاع المبتغى والإيحاء الفاتن.
ومن ثم فإن ذلك الأمر سيجعل القارىء يدخل وجهاً لوجه متدرعا بخبرته الجمالية ليقابل الدفقات الشعرية التي تتحرك بحريَّة تامة، دون أن يستهدي بلافتة العنوان التي قد تقوم بدور المرشد المعين الذي يقف في بداية كل مقطع؛ ليبلور الرؤية ويهيء لسهولة التواصل الجمالي واختزاله في الآن ذاته، وهو سلاح ذو حدين على أية حال.
وأول ما يلفت النظر عند مطالعة المتن الشعري ذلك التفاوت النسبي في حجم المقاطع على المستوى الكمي، إذ قد يطول المقطع ليصل إلى صفحتين، وقد يكثف تماماً ليصبح أبيجراماً شديد الاختزال، كما في المقطع السادس من قصيدة (عطش البحر، ص104) والتي يقول فيها الشاعر:- (أرتبكُ أمام المرآة/ حين أرى صورتي نااااقصة/ دُونك) مما يؤكد منطق الدفقة الشعرية المتحررة من الأطر المقيدة.
وقد اختار الشاعر الترتيب الموضوعي والمعبر عن إيقاعات الذات الشعرية لذلك لم يعتمد على الترتيب الزمني لقصائد الديوان، واختار الانطلاق في وضع القصائد حسب المناخ النفسي والشعوري فقط.
وأول ما يميز ديوان (ويجرحني الناي) هو هذه الحساسية الجميلة واللغة الذاتية حيث أن الشعر وجدان في المقام الأول، وتعكس قصائد الديوان هذه الوجدانية الخالصة في إبحار داخل عالم الكلمة وأجواء الصورة ومسرح الأخيلة والاشعارات. والشاعر يملك أدواته الجميلة وهدفه كشف هوى الذات وتعلقها بصور الجمال ومظاهر الحياة والتعلق بالقيم والغناء على قيثارة الشعر لنقل الذات إلى عالم الكلمة الحية المتجددة.
تجربة عمر الشعرية في هذه المجموعة الجديدة لا تبتعد كثيراً عن قصائد مجموعاته السابقة، إن شعره عفوي الصياغة، مطبوع العبارة، قوامه الرمز والصورة، وإن كان هنا قد نجح في تقديم هواجسه اليومية، وبلاغات عشقه بأدوات بسيطة وعميقة في الوقت ذاته، هي قصائد بوح تذهب إلى غاياتها القصوى مزدانة بالصورة الشعرية وما تحمله من حضور له مذاق الغياب وقسوته وسطوته على الروح، وقراءة القصائد تضعنا مباشرة في قلب العاصفة الروحية لشاعر يسكنه الوطن، تماماً مثلما يسكنه الشعر.
وتعكس قصائد الديوان بأصالةٍ واضحة ولغة عذبة وصور مجنحة اهتمام الشاعر بما يجري في العالم من أحداث وقضايا، وتعد قصيدة (كن...ما تكون) والمهداة إلى الشهيد حمزة أبو الهيجاء أفضل تعبير عن إدراك الشاعر لقضايا أمته وما تركته من بصمات على الوجدان الإنساني كله، فنراه يرسم صورة المشاعر ويلونها بألوانه التي تأتي في غالبيتها قاتمة ومزدحمة بالسواد، كقوله في المقطع الثامن من القصيدة:-
(كنْ يا حمزة/ كنْ ما تكون/ كنْ يقظةَ الضوءِ على جثةِ العاطلين عن صداقةِ السلاح/ كن جمراً يتناسلُ من ضفةِ القلب/ في انتفاضة النشيد/ وأشعل في حضرة الفراغِ الأصابعَ/ وهذي الفصولْ/ كنْ يااااا حمزة/ كنْ ماااا تكون.....الديوان، قصيدة: كن...ما تكون، ص83).
وتمثل قصيدة (ويجرحني الناي) مرتكز الديوان، فهي تضم إيقاعات قوية وتعبر عن قدرة الشاعر وصوته الشعري المتميز واستخدام الصور القوية والتي تملك العديد من الدلالات والاشارات.
وتبرز في الديوان دعوة أخلاقية نابعة من الود الانساني، ويرى عمر أن الشعر يملك العلاج لأمراض البشر القادمة من الحقد والكراهية، وأن البديل هو الصداقة والمحبة والوفاء. يقول الشاعر في قصيدة (صداقة التراب):-
(الآن/ بعد أكثر من بُعدٍ/ أرى نشيداً يمرُّ على فمٍ/ خانته الصدفةُ المارقة/ وبكى بوجهٍ مرتبك/ خزانة العمر/ الآن/ بعد أكثر من قصيدةٍ/ أحجُّ إلى البيت الأول/ في مخدع الدمع/ وأنادي عليّ/ من غير سوء/ أيها الشاعر الذي يعوي/ في جرار الحزن/ خذني إلى صداقة التراب.....الديوان، قصيدة: صداقة التراب، ص45-46).
ويحفل الديوان بأسماء وأمكنة، غير أن ما يربط قصائده في إطار شعوري واحد هو نفس الشاعر ووجدانه الذي يرسم على مياه الوعي والذكريات أحداث الناس وتراجم الحياة، في عمل يضم الفن الشعري الجميل المعروف عن أبي الهيجاء المغرم بالتراكيب السلسة والصور المعبرة والأخيلة التي تبرز مهارة الصنعة الفنية عندما تلتحم بنفس شعرية مطبوعة على الإبداع. كقوله في قصيدة (ونصعد الجبل):-
(هي رقصةٌ واحدة/ ونصعدُ قاسيون/ نباركُ ياسمين الشام/ نَطْمَئنُ على الحمامِ الأمويِّ/ ونلقي عليه المرحبا./ هي رقصةٌ واحدةْ/ نغذُّ الخطى/ حاملينَ زوّادةَ عشقٍ قديم/ نحجُّ إلى الغوطةِ/ والسبع بحراتْ/ نمضي لفلسطينَ واليرموك المخيمْ/ تعلو جراحاتنا قصيدة/ وغناء مُتيما./ أوقفني/ ظلي على باب توما/ في ساحة المرجة/ في القابونِ/ في المَّزةِ والميدانْ/ أوقفني في إدلبَ وحَماة/ أوقفني في الشاغور في دمشق/ حمص والعباسيين/ أوقفني وقال:/ « زيِّنو المرجة والمرجة لِينا/ شامنا فرجة وهيِّ مزينةْ»/ هي رقصةٌ واحدة/ أوقفني/ في صفحة منفاي/ ولم يزلْ يكملُ إيقاع اللغة/ ممتلئاً بالخيول/ ملتحفاً هذا الياسمين/ هي رقصةٌ واحدة/ يا بردى...الألم/ ونصعدُ الجبل.....الديوان، قصيدة: ونصعدُ الجبل، ص15-17).
وتعبر قصائد الديوان من ملامح إنسانية وتجارب شعورية في رحلة الحياة والتأمل في سنوات العمر الجميل. وقد تعددت الأصوات الموسيقية لشعره، غير أن السمة الرئيسية هي التركيز على قصائد فيها الوجد الذاتي والتوهج الشعوري الانساني، وثمة قصائد في الديوان تعكس حديث الذات وتأملها في محيط الحياة والناس والعواطف والرؤى الانسانية. ومن الأمثلة على ذلك قصيدته (نثر الحياة) التي يقول فيها:-
(لا... لم أرَ/ غيرَ زحامِ الطرق/ انكماشَ عشبِ الجسدِ في مِفرِق الترابِ/ كنتُ أنصتُ طويلاً/ لرنّات القلبِ/ حينَ يَتملّكُهُ الحنينُ/ أستعيدُ كلَّ الدروبِ الكسلى/ الدروبِ التي مرّت بي/ كسحابِ الدمعِ الهطول/ وأُطلقُني/ في غناءٍ/ حبيسٍ/ في حقائب مريضةٍ بالرحيلِ/ كنتُ أحدِّثُ دهشةَ الطفلِ فيَّ/ عن أرصفةِ المخيمِ/ وضحكاتِ الظلامِ/ على مصاطب الليل....الديوان، قصيدة: نثر الحياة، ص23-24).
ويمتاز شعر أبي الهيجاء بهيمنة حكاية ما، أو بهيمنة حبكة سردية تتصف على الدوام بنوع من الغموض والضبابية، فالقصيدة تتحرك داخل أصوات متعددة على الرغم من بروز أنا غنائية واضحة ولكن هنالك أصوات أخرى تتداخل لتعمق حالة القلق، الغموض، الخوف، كل هذا يجري وسط نوع من العلاقات الإنسانية الصعبة.
وقصائد أبي الهيجاء مكتوبة بلغة حية تنبض، لغة شديدة الواقعية، لغة كثيفة، مبطنة، بينما تتحرر الكلمات التي استهلكها الاستخدام العادي من سجنها لتحيى استمراريتها مع الخارج المتعالق بها- أي الحياة خارج اللغة. فالصوت في هذه القصائد هو نوع من المرور المتعاكس بين اللغة والحياة في الخارج.
ولذا، فاللغة طيعة له يقودها كيفما شاء/ ويشكلها كيفما يشاء، بحس جمالي شعوري عميق، فهو يعبر بلغة شفافة، تثير القارئ بسلاستها، وعذوبتها، وإيقاعها الداخلي، وكأنها نغمات موسيقية تبث أنغامها بأصداء العبارة، لتحولها من نسق انسيابي إلى آخر، لدرجة يثير القارئ إلى الأبعاد الإيحائية التي تحمله الجملة الشعرية.
وقد يؤخذ على الشاعر إيثاره بعض الكلمات الغامضة، بالنسبة للقارئ العادي، كجدائل الحروف ورزنامة الروح، بيد أن براعته في خلق الجو الشعري تعوض من تلك الاهتمامات اللغوية وتجعل قصيدته قادرة على الإيصال، بوسائل متوازنة وأداء ملون، مبتكر، وقد يرقى به إبداعه في خلق الجو الشعري إلى درجة يكتفي فيها القارىء باستشفاف الصورة الشعرية وتذوقها من دون أن يعير أي اهتمام للألفاظ التي كستها وضمتها، على الرغم من جمال هذه الألفاظ وتناغمها وموسيقى حروفها، التي ساعدت، في الواقع، على خلق الجو الشعري المبتغى.
ويمتاز الشاعر بسلاسة الأسلوب وشفافية الرؤية والعاطفة الرائعة، لكن الغموض يلف التعبير بكامله، وينبثق من تعابير متضاربة بمعنى أن القصيدة لا تحمل شيئاً محدداً للقارىء، فالرسالة ملتبسة وهذا لا ينطبق على كل القصائد بل هناك قصائد واضحة المقصد.
أما من الناحية الشكلية فيمتاز شعر أبي الهيجاء بالاختزال، والاقتضاب، والاهتمام بالإيقاع، والصورة البلاغية، وهذا يقودنا بطبيعة الأمر إلى مفهوم جديد في الشعر، هو مفهوم (الجملة)، الجملة وقد حظيت بفضاء لازم لعمل تجريبي، منطقي، انصهاري إن جاز التعبير. فعلى الرغم من وجود أصوات متعددة في القصيدة إلا أننا نصل في النهاية إلى صوت خاص، يبدو أنه صوت غنائي، يود الشاعر الحفاظ عليه، كي يصل بنا إلى تخوم النص، دون أن يجازف بإسقاط الطابع الكلاسيكي للقصيدة من الناحية المعمارية.
وقد وجدتُ في قصائد هذا الديوان نوعاً من المعاصرة القصوى، حيث يبسط الشعر تنوعه داخل تجربة شعرية ذاتية، وتصبح الذات وهمومها عاملاً مزعزعاً للذاتية التقليدية. إنه شكل خفي لتطوير فكرة أنا الآخر، أو أنا اللاشخصي. هنالك صوت يتحدث، هنالك روح تتحدث، هنالك شيء يعلن عن نفسه، بل إنك تشعر بأن شيئاً ما يحصل، وبالتالي يتجلى العالم، ولكن لا وجود لشخص على الاطلاق.
القصيدة هنا هي تعبير عن الوجود بوصفه عالماً لا متناه، والشاعر هو ذات تنتج هذا العالم عبر انغلاق تكويني، فالشعرية هنا هي بنية تنتج مجالاً موضوعاتياً، مثل: أفق، إنسان، ولكن شعرية العالم هي التي تتحدث، والذات مسكونة بالحديث مثل الوسيط الروحاني، فهي ذات بلا ذاتية على الإطلاق.
وليس في ديوان (ويجرحني الناي) إلا الفصحى من العربية العذبة وكل مفردة من مفردات هذا الديوان تشهد للشاعر بسليقة تعبيرية غير مصطنعة ولا متكلفة بل تأتي متساوقة يشد بعضها بعضاً.
ويكشف الديوان عن سمة العناق غير المحدود بين الرمز والواقع، الصورة المجنحة في عمق الخيال والأطياف القادمة من شلالات الانتماء والحب للأرض وللناس. ويأتي هذا الديوان ليضم قصائد تتجلى فيها العاطفة، التي تمتزج بنهر متدفقٍ من المشاعر والأحاسيس، حيث الوطن هو الجمال والحب والانتماء. كما في قوله:-
(هي عمّانُ/ أستميلُ قلبَها/ مثل ضوءٍ توالد على جبلٍ مُعتَّق/ هي عشب الحكايات/ والنساء اللواتي دفنَّ جمالَ/ في الجبال السمر/ وأنشدن حرف العينِ في رحم المدينة/ وأطلقن ميم التجلّي/ في أكفِّ السماء/ وحملنَ ألِفَ التمني/ كشجرٍ موغلٍ في الحلم/ ونونِ النهاية/ مثل حجرٍ فاضَ/ ماااءً على العتبات/ هي عمّانُ/ تألفنا/ نمشي على عجلٍ/ كي نعتذر/ للجبالِ/ والأدراجِ/ والمقاهي/ وباعةِ الأرصفةِ/ والبيوت العتيقةِ/ نرسمُ كلاماً/ على جدران التوحُّدِ/ في عشبها الطليق/ في مآذن الليل./ هي عمّانُ/ اكتمالُ اللهفة/ ذاكرةُ الحنطةِ/ في سهل الروح/ هي عمّانُ../ هي عمّانُ....الديوان، قصيدة: هي عمّان، ص123-125).
هذه الصورة المكثفة تترجم هوية الديوان، حيث الوطن الحب اللانهائي والعطاء المتدفق، الذي لا نشبع منه أبداً، والعلاقة تقوم على العطاء الذي يتدفق بالحب، والأوطان العظيمة هي التي ترضع الأبناء حليب الحب فينمون أصحاء وأقوياء، يتغنّون بقيم الفضيلة والأخلاق.
والوطن تتجسد في صورته أشكال الهوى والعاطفة، وهو يجمع في داخله هذا الرابط بين مظاهر الامتزاج العارم في صورة الحب، حيث يصعب لدى الشاعر التفريق بين وجه الوطن وصورة الحبيبة، كقوله:-
(لكم قلتُ وطني/ وخيولي صاهلةٌ في صفحةِ الألم/ لكم كنتُ سابحاً في بحر الوقت/ أمشِّطُ شجَرَ المنافي بكفِّ الوجود/ علّني أفيضُ/ خفيفاً بماءٍ صوفيّ الهوى/ على خدِّ امرأةً صارت لي وطناً/ لكم أنا أتمشَّى مع صعاليك طيبين/ تركتُ زوّادة عُمرٍ في فيافيهم/ ولم أشعلْ في حضرتهم/ سوى قصائدي/ لكم ناديتُ/ وطني...الديوان، قصيدة: هي رقصة العارفين، ص135).
هذا التداخل ينبض من نفس تنظر للعالم الخارجي بنظرة حب روحي تعانق وجه الوطن والحبيبة معاً، حيث يحدث الحوار والامتزاج في شكل يفصح عنه نفسه عبر كلمات الشاعر وحروف قصائده.
ويتجسد ذلك في صورة بليغة تعبر عن نفسها في ما ينمو داخل الروح من امتداد ووجد يقاوم عوامل الغناء الزمني، حيث قيمة الحب تتجلى في مظاهر العناق البشري والطبيعي، يقول الشاعر:-
(قلبي/ لم يزل موصولاً بها/ هي نوافذ للروح/ موسيقى الغجر/ قمرُ الحزن البليغ/ خيلُ الحروفِ في اتساع الرؤى/ هي أحوال القلب/ أسئلةُ التوحُّدِ/ عرشُ العاشق/ هي امرأةٌ غير كل النساء/ قلبي/ انتفاضة الدهشةِ/ في محراب اسمها/ طفتُ كلَّ الصباحات الخجولة/ وطفت كلَّ هذا الليل/ كي أقرأ/.. عطشَ البحر/ في عينيها....الديوان، قصيدةعطش البحر، ص99-100).
وتأتي صور الشاعر قادمة من ينبوع داخلي، متدفق بالأخيلة الطبيعية التي تعانق مظاهر الأرض والحياة، وتتدرج مستويات التعبير من البسيط إلى المركب، وفي قصيدة (تأملات) تبدو ملامح التأمل العميق، حيث تنوع موسيقى الإيقاع الداخلي في نبضات وخفقات ترسم صورة بها الهمس والصخب والحنين الجارف:-
(الآن/ أنا الآن../ أتأمَّلُ كلَّ الوجوهِ التي مرّت بي/ أتأمَّلُ رخام القلب المثقوب/ أتأمَّلُ وقوفي في مسرح كيمياء الحياة/ أتأمَّلُ رعونةَ الأشياء في غموضِ الفكرةِ/ أتأمَّلُ غبشَ الطبيعة في عين الرسام/ أتأمَّلُ الصوفيّ في توحُّدهِ الكوني/ أتأمَّلُ قلبي حين يفرُّ لمضاجعة اللغة/ أتأمَّلُ الأرضَ وهي تتلمَّظ الأسماء/ أتأمَّلُ غيم الاغتراب في اكتمال العواصف/ أتأمَّلُ عمراً نسيتُهُ على مقاعد البرد/ أتأمَّلُ يدي وهي تطيرُ إلى حريقٍ موغلٍ في العناق/ أتأمَّلُ طريقاً تركتُ عليها مواعيدَ زائفة/ أتأمَّلُ أصدقاء يشبهون الأنبياء/ أتأمَّلُ بلاداً لم أنلْ منها غيرَ الانكسار/ أتأمَّلُ تاريخاً فضيّاً يُخرجنا من سِفر الهزيمة./ الآن/ أنا الآن../ أخلعُ كلَّ صفاتِ الحالم/ أُجالسني مع أصدقائي الموتى/ أُضاجعُ تراباً مبتلاً بمائي/ وأتأمَّلُ/ شكلَ الرحيلْ.....الديوان، قصيدة: تأملات، ص87-88).
وتمثل قصيدة (صداقة التراب) تلاقي المشاعر التي تلمس الحب في بعده المتنوع مع خطاب الحنين حيث تتحول الموسيقى إلى همس، ويخفت جرس الكلمات في (سوناتا) عذبة تعبر عن شوق النفس. يقول:-
(الآن/ بعد أكثر من بُعدٍ/ أرى نشيداً يمرُّ على فمٍ/ خانته الصدفةُ المارقةْ/ وبكى بوجهٍ مرتبك/ خزانة العمر/ الآن/ بعد أكثر من قصيدةٍ/ أحجُّ إلى البيت الأول/ في مخدع الدمع/ وأنادي عليّ/ من غير سوءٍ/ أيها الشاعر الذي يعوي/ في جرار الحزن/ خذني إلى صداقة التراب....الديوان، قصيدة، صداقة التراب، ص45-46).
ولا يكفي القول بأن هذا ديوان جميل، وإنما الترحال مع قصائد (ويجرحني الناي) رحلة في عالم الحب، ليس بشكله العابر البسيط، وإنما بعملية الكشف الداخلية في محيط النفس لإدراك معنى الوطن والشعور به والتمثل بقيمه والانطلاق في حقول امتداده.
وهذا ديوان يبني من عالم الكلمات صورة للوطن. تبرز من أرضه عيون المها وتطل من وجهه سمات الجمال والشوق والوصال. وعندما تقرأ قصائد هذا الديوان ترحل في عوالم من الصور الشعرية الآخاذة تكشف عن ثراء النفس الشاعرة وثقافتها ومواقفها.
ونستطيع القول إن كثيراً من قصائد الديوان التي صور فيها الشاعر نماذج بشرية عادية، أو مهملة أحياناً، أو نماذج من ظواهر الحياة اليومية، قد كتبت بشكل وجداني ذاتي متفاعل مع طبيعة موضوعه الشعري، وهذا ما أضفى على تلك القصائد بعداً إنسانياً هو أقرب إلى الغنائية المؤلمة التي تعتلج في أعماق الشاعر. ولنأخذ هذا المثال من قصيدة (حدائق الأمل):-
(صباحُ البلادِ/ صباحُ الذاهبين إلى أحلامهم بجمر الأسئلة/ لَهم في الحياةِ مقامُ الديارِ/ لغةُ الخلودِ في استواءِ النشيد/ وعلى مَرقدِ الحمامِ/ هناك نصوصٌ حجريةٌ/ إيقاعُ الأسماء في ثوب الأرض/ والفائضُ من الحنين/ هناك حكاية أرضٍ/ بوح النايات في التلال/ دمٌ طريٌّ في سريرِ الأرض/ هناك في أعلى القلبِ/ منازلٌ تقيمُ/ وشاعرٌ/ لم/ يزلْ/ يُربّي/ في قفصِ المنفى/ حدائقَ الأملْ.....الديوان، قصيدة، حدائقَ الأملْ، ص173-174).
أما الركن الهام من أركان الشعر لدى أبي الهيجاء، فهو الموسيقى، موسيقى اللفظ الذي تشي حروفه بصور ممتدة تحمل معناه، وتضيف إليه الحركة والحياة، تلك هي مبادىء الشعر كما نجدها لديه.
أما بنية القصيدة فإن شعره يثور على البنية التقليدية للقصيدة، لا من حيث الخروج على أوزان الخليل، المعروفة في الشعر، بلجوئه إلى الشعر الحر وقصيدة التفعيلة فحسب، وإنما في حرصه على اختيار الألفاظ الملائمة والتراكيب الشعرية المعبرة، وقدرته على انتقاء موضوعات شعرية، لا تكتفي بأن تعكس الواقع المشاهد، الملموس فحسب، بل تتجاوز ذلك، إلى استجلائه هذا الواقع، على نحو لماح، لأن الشعر لديه يقوم على الحدس أولاً وأخيراً، على الحدس الذي يوحد بين الذات والعالم، بغية استبطان الحياة كلها، من الداخل والخارج، ونفضها بكل ما تزخر به من متناقضات، لأن الطبيعة الحية قابلة للتشكيل، بريشة الشاعر الملهم، على نحو تلتقي فيه روحها بروحه، ويتاح للشاعر، آنئذ، أن يصوغ من هذا اللقاء المثير، أبجدية رمزية، يتوحد فيها الذات بالموضوع.
إن التجربة الشعرية للشاعر عمر أبي الهيجاء التي يعكسها هذا الديوان تمثل رمزاً لتجربة جيل من الشعراء الأردنيين الطامحين بحماسة شديدة، لا تخلو من جرأة، لخلق أجواء جديدة امام الشعر الأردني الحديث وتطويره بما يتماشى مع روح العصر شكلاً ومضموناً.
إن غالبية قصائد الشاعر جاءت أغنيات وجدانية زاوجت بين بساطة الصورة الدرامية وبساطة المعنى، ويمتاز الشاعر بالاختلاف في رصد تفاصيل الواقع وإعادة تقديم مفرداته وفق رؤيته الخاصة التي لا تقلل من أهمية التفاصيل المباشرة التي لها حضورها وأهميتها الفائقة في تراكيب قصائده بالغة الرهافة والخيال.
وتتوزَّع قصائد المجموعة بين نمطين من الكتابة الشًّعرية هما الشًّعرية الغنائية والتي يكون بها الشاعر هو الرّاوي الذي يتحدَّث عن معاناتهً وحزنه وأشواقهً وآلامه ورؤاه وطموحاته ..الخ، وتبرز هذه الغنائية في بعض قصائد المجموعة مثل:( تأملات، وجه أسطوري، عطش البحر، كتاب الشعراء،.. الخ ) .نقرأ مثلاً في المقطع الحادي عشر من قصيدة «عطش البحر»:-
(قل لي/ يا ليلَ قلبي/ على أيَّ أرض/ أُشرعُ نوافذ القصيدة/ لأطلقَ حشداً من نجوم اليد/ خلف امرأةٍ لا تعرفُ سوى خزائن العتمة/ قل لي/ يا ليلَ قلبي/ كيف أغمضُ جسدي/ وكلُّ الرياح تصفِّرُ في صحن الكلام/ أنا لغة الحالمين/ أعرج بموال الرؤى/ نحو قناديل المعنى/ وأصلي.....الديوان، قصيدة: عطش البحر، ص108).
النمط الثاني هو شًعريَّة الصورة المشهدية والتي تبرز في كثير من القصائد حتى في بعضً القصائد التي تم تصنيفها كغنائية تجد المشهدية كأداةْ شًعريَّة يستخدمها الشاعر للهروب من المُباشرة في الخطاب وفتح فضاء التَّلقي والكتابة على فضاءْ وأفقْ مشهديّْ واسعْ يسمح بقراءاتْ متعدًّدة للنص. نقرأ من قصيدة  في المقطع الثالث من قصيدة «نثر العائلة»:-
(امرأةٌ../ وفتى../ سَرقتهُما رحلةُ الشتاءِ والصيفِ/ رحلةُ نهرٍ ناعسً في الزحامِ/ تعانقا مثلَ فراشِ الوردِ/ في حضنِ العتمةِ/ نبتتْ في بياض عَزفهما/ نخلٌةٌ/ ونثرُ عائلةٍ/ في لحمِ الحبْ....الديوان، قصيدة: نثر العائلة، ص31).
ويشكل الغياب أحد «موضوعات» الشاعر الأثيرة، بل لعلّه الأشد حضوراً وسطوعاً لا في قصائد هذه المجموعة فحسب ولكن في تجربته الشعرية كلها، وهو غياب نراه باعثاً على التأمّل ورؤية العالم في جزئياته التي يقصد الشاعر أن يراها هكذا، وأن يعيد تركيبها كل مرة بحذر وانتباه بالغين.
رغم البعد الذاتي، الذي يبرز في كثير من قصائده، إلا أن البعد الجمعي حاضر دائماً، ويتمثل في الإسقاط السياسي الرمزي، الذي ينطوي على نقد شديد للواقع العربي، وإحساس مرّ بسقوط الذرائع، ودائماً يبدو الشاعر غير قادر على الانفكاك من تأثير الجو السياسي العام، حتى في قصائده الوجدانية، فترى الحرب والدم والظلم والقمع ساكنة في زوايا قصائده، مستفيداً من ظلال المناسبة ورمزيتها وألوانها في إعادة تقديمها في إطار سياسي إنساني أشمل. يقول في المقطع الثالث من قصيدة «ويجرحني الناي»:-
هنا قربَ الياسمين/ أرى ما ارى/ شآماً في الشآم/ عصافيرَ تفرُّ من قانصيها/ غباراً تكدّسَ في الصحف/ هنا قرب الروح/ فلسطينُ/ عراقُ/ كم من أندلسٍ أخرى نرى/ خوفي عليكَ يا عربي الحزن/ خوفي على فصلٍ ليس لنا/ خوفي عليكِ يا بلادُ....الديوان، قصيدة: ويجرحني الناي، ص149).
بقي لي أن أقول أن الكتابة عن شاعر له هذه التقنيات وهذا الطموح الفني لم ولن تكون سهلة بقدر ما له من بصمات في ساحة الأدب والإبداع الشعري في الأردن.
إن طموح هذه القصائد يكمن في قدرة الشاعر  على فهم ما تعانيه الحياة من مشكلات لها درجات متفاوتة ومتباينة من الخطورة ربما تكون مشكلات على الصعيدين المحلي والعالمي،وبرؤية الشاعر هي المشكلات الكونية التي يسيجها الإحساس العام بالخطر، وهذا الإحساس يحسه الشاعر بالتأكيد الدائم على إبراز حالة الخوف الذي يمثل منطلق معظم أو كل قصائد المجموعة كجرس الناقوس الذي يشير برهافة شديدة إلى مناطق هذا الخطر، وتحريك الدوافع بالإستثارات شديدة الحرص على التصدي، ودرأ  كل ما يتهدد العالم من آلام وأخطار ونزعات غير إنسانية.
ويبقى أن هذا الديوان خفقة شاعر متنوع يتميز بالعافية والثراء اللغوي والتألق في صوغ الصور الفنية، عشق الحياة فرأى العالم كله يسبح في بحيرة الحب والجمال.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات