عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2018

هذا الخبر أحزنني! *بلال فضل

 القدس العربي-سيكتمل إدراكك لملامح الأسى الذي كان يعيشه المناضل محمد فريد في منفاه، حين تقرأ ما كتبه لأخيه أحمد، الذي وافق على العمل في تشريفات الخديوي عباس حلمي الثاني، بعد أن تصالح الخديوي مع الإنكليز وأظهر العداء لفريد وحزبه، كان أحمد قد أرسل خطاباً لأخيه في برلين، مبرراً قراره بأنه أراد خدمة الوطن وتشريف أخيه بالعمل مع الخديوي، فرد عليه محمد بخطاب مرير يندهش فيه من قبوله المنصب، بعد أن قال له أكثر من مرة إن الاشتغال مع هذا الرجل مستحيل «لعدم إخلاصه وتذبذبه»، مضيفاً بغضب مرير: «نعم إني أعلم من مدة ميلك إلى الوظائف والترقي، وهذا أمر طبيعي على شرط أن يُشرِّف، ولا يُحط بقدر الإنسان كخدمة عباس باشا، هذا الخبر أحزنني كثيرا لأنه أضر بسمعتك لدى جميع المصريين على اختلاف ميولهم… أكرر الأسف وأطلب من الله ألا تصلك عدوى هذا الرجل وبطانته النتنة، وأن تخرج من هذه البؤرة طاهر الذيل كما دخلتها».

لم تكن الصورة التي يتلقاها محمد فريد من رفاقه لما يجري في مصر أفضل حالاً، فها هو الدكتور إسماعيل صدقي أحد قيادات الحزب ـ لا علاقة له بالطاغية إسماعيل صدقي باشا ـ يرسل إليه بتاريخ 16 أغسطس/آب 1912 متحدثاً عن أوضاع جمعية السلام التي وقف فريد خلف إنشائها، لعلها تبعث الحياة في عروق العمل الوطني: «إن الأسف يخالجني بأشد تاثيره كلما رأيت الضعف قد تغلب على تلك الهِمم التي كانت عمادنا في القيام بمأموريتنا وتنفيذ مبادئنا على اختلاف أشكالها، رأيتم اجتماع مجلس إدارة الجمعية، ولم أر غير وجوب ذلك، وقد جاهدت في أن يتم ذلك فكانت النتيجة مضاعفة الأسف، إذ لا يوجد من الأعضاء من يوافقنا في الظروف الحاضرة، ولا أخفي عنكم أنني حاولت تكوين الجمعية طبقاً للقانون من سبعة أعضاء، فلم أوفّق وقد وصل بنا الإهمال إلى عدم تلبية دعوة اللجنة الإدارية للنظر في حالتنا الحاضرة، وحالتنا المالية خصوصا التي تحتاج إلى الإسعاف السريع، وبالجملة يا سيدي الرئيس فالحالة هنا لا تتناسب مع حسن ظنكم».
لم تنته سريعاً تلك الحالة التي لا تتناسب مع حسن ظن محمد فريد، فها هو تلميذه أحمد وفيق من فاقوس في الشرقية، يرسل إليه في 13 يونيو/حزيران 1914، ليحكي له عن الصراعات التي نشبت داخل الحزب الوطني بعد سفره، لكنه بحماس الشباب يلقي اللوم على فريد لأنه رفض تكرار تجربة السجن المريرة التي خاضها من قبل، وقرر السفر إلى الخارج ليعمل في خدمة القضية الوطنية بعيداً عن بطش الإنكليز: «إننا عدد قليل جداً، وبكل أسف لا نعمل عملا مطلقا والحركة نائمة وتغط في النوم… وإذا سمحت لي أن أقول إن النوم ابتدأ بعد مفارقتكم لهذه البلاد التعسة، وإني أقسم لك أني لو علمت أن مصير حركتنا سيكون كذلك بعد هجرتكم، لكنت أول من ألقى القبض عليك لتمضي السنة، ثم نخرج بعدها كما خرجت عقب الأشهر الستة، وإن أدى ذلك السجن إلى التنقل في الشوارع».
كان طبيعياً في ظل ذلك المناخ، أن يسقط محمد فريد ضحية للمرارة وخيبة الأمل، فيصب غضبه على الجميع، بمن فيهم رفيقه مصطفى كامل وشقيقه علي فهمي، ليكتب عنهما في مذكراته عبارات هجوم قاسية، قبل أن يقوم بشطبها بعد ذلك، لأنها كانت وليدة معلومات خاطئة وردت إليه وهو في منفاه، لكن تلك العبارات ـ كما يكشف صبري أبو المجد ـ بقيت محفوظة لدى البعض، ليتم استخدامها بعد ثورة يوليو/تموز 1952 من شخصيات راغبة في التسفيه من شأن كل ما جرى قبل يوليو، لتستخدم أيضاً عبارات كتبها فريد في ظلمة منفاه المريرة، للطعن في شخصيات وطنية من أهمها طلعت حرب، لتكتمل الدراما بعد ذلك، حين يتعرض محمد فريد نفسه للتشويه في ذكرى رحيله الخمسين، حيث استخدم بعض مهاويس يوليو لتشويهه، ذكريات سيدة فرنسية اسمها مدام روشبرن ادعت أنها تزوجته، في حين يقول أبو المجد أن محمد فريد في مذكراته كشف أنها كانت جاسوسة للخديوي عليه، مقابل ثلاثين جنيها شهرياً، بينما تضيف آراء أخرى أن الخديوي كان بريئاً من تجنيدها، لأن تلك السيدة كانت تعمل في خدمة المخابرات الفرنسية والإنكليزية معاً، وكان من بين مهامها تتبع كل من محمد فريد والخديوي عباس حلمي الثاني في المنفى.
على أي حال، لم تنجح محاولة تشويه محمد فريد التي أحزنت أسرته، بل على العكس، بيع من كتاب صبري أبو المجد عن محمد فريد، ما لم يسبق لسلسلة (كتاب الهلال) أن باعته من قبل، ليشكل ذلك الرواج مفاجأة لمسؤولي دار الهلال، الذين ظنوا أن أحداً لن يرغب في القراءة عن محمد فريد وعصره. ولم يكن تفسير رواج الكتاب صعباً في رأيي، فقد كان المزاج الشعبي يمر بحالة غضب عارمة على النظام المسؤول عن هزيمة يونيو/حزيران، تجلّت في المظاهرات العارمة التي اندلعت عقب الأحكام الهزيلة التي حصل عليها قادة الطيران، والتي أدت تداعياتها إلى صدور بيان 30 مارس/آذار ومحاولات إصلاح التنظيم السياسي الحكومي، ليستوعب تحركات الطلاب والعمال الغاضبة، وكان طبيعياً في ظل مناخ كهذا، أن يقبل الكثيرون على قراءة سيرة حياة بطل شعبي لم ينل حظه من التقدير والإنصاف.
ولعل ذلك ما جعل دولة يوليو تسمح لحليفها الكاتب فتحي رضوان ـ أحد مناضلي الحزب الوطني القدامى ـ بإقامة حفل كبير لتكريم ذكرى محمد فريد في دار الأوبرا، كان الأول من نوعه كما يقول أبو المجد، لست متأكداً ما إذا كان تنصيب تمثال محمد فريد في منطقة عابدين قد تم في الفترة نفسها، أم أنه تلا ذلك، لكن المؤكد أنه تم بعدها التوسع في إطلاق اسم محمد فريد على عشرات الشوارع والميادين والمدارس في مدن وقرى مصر، وأصبح حضوره أكبر في الإعلام الرسمي ومناهج التعليم، ولكن بدون أن تسلط الأضواء على تفاصيل دوره العمالي البارز، وبدون أن يتم التركيز على ما تعرض له من ظلم ونكران، طارده حتى اللحظة الأخيرة التي لقي فيها ربه، بعيداً عن أرض مصر.
وإذا كان التبجيل والتقدير قد صار مقترناً بذكرى محمد فريد بدلاً من التجاهل والتهميش، فمن المؤسف أن لا تتم بشكل موسع وجاد، مناقشة تجربته السياسية، هو ورفيقه مصطفى كامل، وسابقهما أحمد عرابي، والتابعون لهم مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس وغيرهم من السياسيين البارزين، بعيداً عن فرقعات الدجل الإعلامي التي يمارسها معدومو الضمير من المثقفين المنتفعين بعطايا السلطة العسكرية، وأيضاً بمعزل عن طنطنات التهليل العُصابية التي تدفع للاحتفاء بالأسماء والأشخاص بدون فهم الأفعال والتجارب، وهما منهجان يكرسان، رغم تضادهما، جهل الأجيال الجديدة بتجارب سابقيها، لعلها تفهم واقعها بعيداً عن ثنائيات اليأس والأمل والخيانة والبطولة، وهو ما لا يمكن بدونه أن تتغير تلك الحالة المأساوية التي «لا تتناسب مع حسن ظنكم».
…..
ـ «سنوات ما قبل الثورة» الجزء الأول ـ صبري أبو المجد ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات