عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Apr-2017

المسدسات على موائد المفاوضات*عيسى الشعيبي

الغد-ليس اكتشافاً عبقرياً القول إن المفاوضات الخاصة بحل النزاعات الساخنة، كانت تجري في كل الأزمنة والأمكنة تحت ظلال المسدسات، بمعناها الرمزي وبعدها الإنذاري. وليس خارقاً للمسلّمات المستقرة القول أيضاً إنه كلما تعادلت قوة الرصاصات المحشوة في بيت النار، جنح المتقابلون على جانبي الطاولة، أكثر فأكثر، إلى الجسر بين المواقف المتباعدة، والبحث بدأب على المشتركات بين المصالح المتضاربة، ومن ثم تحاشي الوقوع في إغراءات القوة غير المتكافئة.
 ولعل نظرة سريعة الى الوراء، واستعراض ما طال أمده، وتفاقم من صراعات بين الدول المتجاورة والقوى المتجابهة، تؤكد ما ذهبنا اليه من استنتاج بالغ البساطة والوضوح، وهو انه كلما احتشدت المسدسات فوق موائد المفاوضات، ورجحت اوزانها النسبية، كان الوصول الى التفاهمات اسهل، وكان عقد المساومات اسرع، فيما يشير غياب هذه الاداة الترهيبية عن المائدة، وذهاب طرف ما الى المفاوضات وهو خالي الوفاض، الى استمرار الاوضاع على حالها.
 كان هذا الاستهلال ضرورياً، لمعاينة المشهد الاقليمي القائم، والتعرف على درجة حرارة الموقف الدولي الراهن ازاء القضايا المتفجرة في هذه المنطقة، تمهيداً لطرح افتراض ما يزال بعد في طور التشكّل، مفاده ان زيادة عدد المسدسات الموضوعة على الطاولة الشرق اوسطية الكبيرة، وازدحام قاعتها بمفاوضين جدد، كانت مقاعدهم فارغة، قد دفع بالقضايا التي استهلكت طاقات المتحاربين وجهاً لوجه، نحو نقطة تحوّل محتملة في المدى الوسيط.
 واحسب ان بدايات مثل هذا التحول المحتمل في مجرى صراعات المنطقة، قد انطلقت بعد فترة وجيزة من تولي دونالد ترامب مقاليد البيت الابيض في واشنطن، وانها اخذت في التراكم الكمي غداة الضربة الصاروخية الاميركية لمطار الشعيرات السوري، في السابع من هذا الشهر، وذلك لما انطوت عليه هذه الضربة، المحدودة في الزمان والمكان، من انعطافة نوعية في مسار التطورات التي وقفت منها ادارة الرئيس الاميركي السابق موقفاً ملتبساً، أدى إلى اطالة امد الحرب واحتدامها اكثر.
 بكلام آخر، فقد كان توازن مائدة المفاوضات الشرق اوسطية مختلاً الى ابعد الحدود، ليس جراء فراغ احد المقاعد الكبيرة حولها من اللاعب الاكبر فقط، وانما ايضاً بفعل عدم تعادل المسدسات الموضوعة فوق هذه المائدة الافتراضية، حيث بدت روسيا صاحبة الحل والعقد، تختلق موائد جانبية موازية (استانة مثلاً) وتحدد هويات المدعوين وتعيّن الرعاة، حتى إن كانوا من المتورطين في الحرب (ايران تحديداً)، الامر الذي جعل من هذه اللعبة القائمة على ساق واحدة، عبثاً تفاوضياً لا طائل من ورائه.
 المتغير الذي بدأت مقدماته في برهة الاسابيع القليلة الماضية، تمثل في اشهار راعي البقر، من الغرب الاميركي الاوسط، لمسدسه سريع الطلقات، على مقربة قريبة من المائدة المنصوبة في الشرق الاوسط، ناهيك عن التلويح به على المائدة الاخرى البعيدة في جنوب شرق آسيا، وهو مسدس بوزن صواريخ "التوما هوك" هنا، وحاملة طائرات هناك في بحر الصين على مرمى حجر من كوريا الشمالية، وحدث ولا حرج عن ام القنابل التي اسقطتها القوات الاميركية على كهوف تورا بورا الافغانية.
 نخلص من كل تلك المؤشرات التي لا تخطئها العين، الى الاستنتاج دون تهويل او تهوين، ان المشهدين؛ الاقليمي والدولي، قد باتا في عهدة تحول من طبيعة استراتيجية مختلفة، يشي بتوازنات جديدة، وينذر بمخاطر شديدة، ويحمل على ضرورة القيام بمقاربات مغايرة، لا سيما من جانب روسيا المخاطبة في المقام الاول، بعودة اللاعب الدولي الاعظم الى قلب هذه الساحة الواسعة، التي كانت مستباحة في زمن الرخاوة والانكفاء اللذين ميّزا عهد باراك اوباما غير المأسوف عليه.
 تأكيداً على صحة كل ما سلف ذكره، فإنه يكفي التأمل فيما آل اليه حال القضية الفلسطينية على مدى العقود الطويلة الماضية، جراء الخلل الواضح في موازين القوى حول المائدة المهجورة معظم الوقت، اي الافتقار الى مسدس عربي فلسطيني يناظر المسدس الاسرائيلي الثقيل، حتى نرى رؤية العين المجردة حقيقة انه في غياب عنصر القوة، ورمزها هنا المسدس، لا معنى لأي مفاوضات مستقبلية محتملة، ولا فائدة ترجى من وهم الحركة غير المسنودة بما يكفي من عناصر التوازن، حتى لا نقول عناصر الغلبة.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات