عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-May-2017

أسرى الحرية والكرامة يعتقلون السجّان* موسى برهومة

الحياة-جرّب بعض المتعاطفين مع إضراب أسرى الحرية والكرامة، خوض التجربة، فشربوا ماءً وملحاً، ومنهم من وثّق الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنّهم وجدوا أنفسهم بعد مضي الوقت يتضوّرون جوعاً وألماً، وثمة من وصف التجربة، بعد ثلاثين ساعة، بأنها اقتراب حقيقي من حافة الهلاك!
 
ولعلها تجربة تستحق أن تُخاض لمن يملك إلى ذلك عزماً وصلابة، فهي أكثر ما يدفع إلى إدراك معنى الألم، وتخيّل ويلات المكابدة التي يخوضها زهاء 1500 أسير في سجون الكيان الصهيوني المتوحّش.
 
ويطالب الأسرى المضربون، وعددهم ألف وخمسمئة، بإنهاء سياسة الاعتقال الإداري، ووقف سياسات العزل ومنع الزيارات العائلية، كما يطالبون بإنهاء سياسة الإهمال الطبي، والشروع بعلاج الأسرى وذوي الاحتياجات المرضية، وإيجاد آلية لتواصل الأسرى مع عائلاتهم، وكلها مطالبات مشروعة وطبيعية، لكنّ سياسة الإرهاب والقمع الإسرائيلية تحرم الأسرى من هذه الحقوق، إمعاناً في إذلالهم وتحطيم إرادتهم، وتجريدهم من إنسانيتهم.
 
وتعتقل إسرائيل، وفق إحصاءات رسمية، حوالى 6500 فلسطيني، بينهم 57 امرأة وثلاثمئة طفل، في 24 سجناً ومركز توقيف.
 
من سجنه، وجّه القيادي الأسير الذي يقود حركة الإضراب، مروان البرغوثي، رسائل كثيرة جاوزت تلك التي أرسلتها السلطة الفلسطينية! وخصّ بإحداها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية. وطالب فيها العالم والبرلمانيين وطلاب فلسطين، والضمير الكوني بأن يساند معركة الكرامة والحرية التي عدّها البرغوثي مقدمة يتوجب على الشعب الفلسطيني بعدها خوض «أكبر حركة عصيان وطني ومدني شامل في مواجهة نظام الأبارتهايد في فلسطين والاستعمار والاحتلال».
 
تضامنَ أحرار العالم هنا وهناك مع أبطال معركة الأمعاء الخاوية. كان التضامن واسعاً منذ انطلاقة الإضراب في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني في 17 نيسان (أبريل)، لكنّ ما يثير الخشية أن يتم التعامل مع الإضراب كحدث اعتيادي، وأن ينصرف النّاس إلى شؤونهم، كما فعلوا في الانتفاضة الأولى، أو مع حرب غزة، أو مع المأساة السورية، وسواها من الكوارث التي تسيّج تاريخ هذه المنطقة المنذورة للموت والعذاب.
 
كلّ يوم يمرّ على الأسرى أشدّ فظاعة من الذي سبقه. ولعل «الضمير الكوني» ينتظر أن يتساقط الأسرى شهداء، كي يستعيد حيويته، وينهض من غفوته، وهو رهان فظيع يجعل حياة هؤلاء البشر أشبه ببورصة لا ترتفع أسهمها إلا بعدد الأكفان!
 
أغبط البرغوثي على تفاؤله وثقته بأنّ «وفاء الأسرى لبلادهم وشعبهم ووطنهم سيقابل بالوفاء، وأنّ هذه المعركة هي جزء لا يتجزأ من معركة شعبنا من أجل الحرية والعودة والاستقلال والكرامة». ولعلّي لا أرتكب إثماً إن ساءلته عن مصدر ذلك الأمل الكبير المشعّ في قلبه. لعلها سنوات الاعتقال والمرارة التي ناهزت الخمس عشرة، هي ما يضيء قلبه بالعزم والتصميم والرجاء، مع أنّ الوقائع على الأرض اختلفت كثيراً منذ انتفاضة الأقصى، وجرت مياه كثيرة تحت قنطرة القضية التي كانت ذات زمان منقرض «قضية العرب الأولى».
 
ما يتعيّن إحناء الهامات له، بعيداً من عقل التشاؤم، هو أنّ إضراب الأسرى الأحرار، درسٌ عظيم في الكرامة، فهو يمنح البلاغة والأشعار والأفكار أجنحة حقيقية للتحليق. إنّ هؤلاء الأسرى المتضوّرين جوعاً، المبصِرين حتفهم، القابضين بسواعدهم المترهلة على أمعائهم الخاوية، يصنعون كبرياء الإنسان، ويشحنون إرادته بالتحدي.
 
وبلا ريب سينتصر أولئك الأسرى الأحرار على سجّانهم المقيّد بأصفاده وأوهامه ومخاوفه وعنصريته وحقده. نيل الأماني البعيدة لا يتحقق بالدعاء والابتهال وانتظار السماء أن تمطر ذهباً، ولكن بقهر المستحيل، والذهاب إلى ضفة الخطر القصوى. هناك تكمن لذة الانتصار حتى لو كان ثمرة الموت. الأجساد فقط هي التي تموت، أما الأفكار العظيمة فيحفظها التاريخ عن ظهر قلب!
 
 
 
 
 
* كاتب وأكاديمي أردني

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات