عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Mar-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظلهّ... مذكراتتحسين قدري(1889–1986 م )

 دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة التاسعة عشرة
الراي - عوني عبد الهادي مع الأمير فيصل في باريس: تابعنا في الحلقة السابقة كيف اشترك عضو عربي جديد في الوفد العربي إلى فرساي وهو عوني عبد الهادي، وسنستعين بمذكراته إلى جانب مذكرات الدكتور أحمد قدري، لسدّ الثغرات التي بدت لنا في مذكرات تحسين قدري، ولأن مذكرات عوني عبد الهادي تناولت هذه الأيام التي عايشها وأصبح فيها ممثل وفد الحجاز، ورافق الأمير فيصل في باريس وفي لندن أيضا، فسنعتمد على بعض ذكرياته التي سجلها عام 1966 م، أي بعد مرور ثمان وأربعين عاما على هذا الحدث التاريخي الكبير، والذي استمع فيه العالم للمرة الأولى إلى أمير عربي يعرض مطالب العرب بالتحرر والاستقلال.
مقابلات الأمير فيصل في باريس قبل فرساي:
ذكر عوني عبد الهادي أن ( الأمير فيصل قابل في 7 كانون الأول عام 1918 م رئيس الجمهورية هنري بوانكاريه ، وحضر الجلسة قدور بن غبريط التونسي المعروف ليقوم بالترجمة بينهما ، على رغم انه كان في وفد سموه من يحسن اللغة الفرنسية
والعربية أكثر من غبريط نفسه ، غير أن الجلسة لم تدم أكثر من دقائق معدودات ، عشرين دقيقة ، والحديث الذي دار بينهما لم يتجاوز الكلمات الترحيبية والتمنيات الطيبة لسموه ، مما يدل على أن فرنسا لا تستقبل سموه كسياسي حضر لباريس ليمثل والده الشريف حسين في مؤتمر السلم ، ولكن كأمير حجازي ، وفي اليوم التالي دعا وزير الخارجية المسيو بيشون سموه لتناول طعام الغداء في وزارة خارجية فرنسا ، كما دعاه لحفلة شاي في أحد متنزهات الشانزليزيه الجميلة في مساء ذلك اليوم ، وقد حضر سموه مع وفده وأنا منهم ، هاتين الحفلتين اللتين لم يتخللهما أي حديث سياسي ، مما يؤكد إصرار الحكومة الفرنسية على استقبال سموه كزائر ممتاز وليس كسياسي ، الأمر الذي أثر تأثيرا سيئا في نفس الأمير فيصل ، ومما زاد هذا التأثير سوءا في نفسه منظر الراقصات اللواتي قمن بألعابهن في بهو حفلة الشاي ، وقد لاحظت سموه مطأطئ الرأس لم يقع بصره عليهن طوال قيامهن بالألعاب ، وأذكر أن سموه قال لي ونحن نغادر المكان: (أيظن الفرنسيون أنهم يغروني براقصاتهم..؟ أنا لم أحضر لفرنسا للهو واللعب ولكن لأخدم بلادي ).
ذاكرة تحسين قدري عن الأمير فيصل في باريس:
لم يهتم تحسين قدري بمتابعة مجريات مؤتمر باريس كما فعل شقيقه الدكتور أحمد في مذكراته ، وكان للملحوظات التي أوردها نكهة خاصة ، ومنها أحداث تدل على حياة الأمير وشخصيته ، يقول في نهاية المذكرات التي تتوقف عند مؤتمر فرساي:
( لقد كان لشخصية الأمير فيصل وزنها في الأوساط السياسية الأوروبية والأمريكية ، فهو كان يرتدي الزي العربي دائما ، وأول بدلة مدنية أوصى عليها من الخياط الشهير ( لارسن بلاس فاندروم ) والرداء الذي أوصى به لكي يلبس تحت العباءة كان يشبه « الدككله « العراقية ، وكان عوني عبد الهادي يرجوه أن تقصر قدر الإمكان ، ولكن هذا لم يطل أمده ، وتطور بسرعة ، وأصبح يلبس اللباس المدني بأناقة فائقة ، بسبب رشاقته التي كانت تساعد على أن يكون من أشيك رجال الغرب بالأناقة والرشاقة والذوق السليم..) ومثل هذه الملحوظات لا يمكن أن نجدها إلا عند مرافقه الخاص ، ومن هنا تأتي خصوصية بعض ما ورد عند تحسين قدري من ملحوظات لها خصوصيتها ، والتي بالتأكيد لا نجدها عند غيره ، والتي يحب القارئ أن يعرفها عن الأمير.
شخصية الأمير كما عرفها تحسين قدري :
كان تحسين قدري مع الأمير في كل مكان ذهب إليه ، فهو مرافقه الخاص والعسكري ، يقول عن الفترة التي قضاها معه في باريس: ( كان يشتغل بتحضير المذكرات وغيرها من الأمور السياسية من الصباح الباكر إلى المساء ، ولا يهتم بأن يريح نفسه من تعب الذهن ، وكنت أوثر فيه في بعض الأحيان لنذهب إلى « أوتيل ريتس « لشرب الشاي ، وذات يوم حينما كنا هناك ، قدم له المضيفّ « الكارسون « رسالة كانت موضوعة في صحن من الفضة ، لكنه لم يقبل فتحها وسلمها لي ، وهي مرسلة من « كونتيسه « من الأسر المعروفة في باريس ، تدعوه فيها على الشاي ، لم ترق له هذه الرسالة ، وتركنا صالة الشاي وخرجنا ، وقال لي: « إنني لست الرجل الذي يروق له اللهو « اللغة الفرنسية والأمير فيصل: يقول تحسين قدري بأن الأمير فيصل لم يكن يعرف اللغة الفرنسية ، إلا القليل جدا منها ، وأنا كنت أترجم له ، ولكن بدأ بالاجتهاد في أخذ الدروس بالفرنسية بكل جدّ ونشاط ، وكان ينكب على دراستها إلى منتصف الليل ، والغريب أنه بعد مدة قليلة جدا ، أصبح يتكلم بطلاقة ، بل ويخطب فيها...! ، وهي شهادة جميلة من مرافقه الخاص الذي يتقن الفرنسية منذ أن دخل مدرسة الفرير في يافا وهو في سني دراسته الأولى.
الأمير فيصل يسافر إلى لندن للبحث عن رسائل الحسين – مكماهون:
يذكر تفاصيل السفر إلى لندن كل من الدكتور أحمد قدري وعوني عبد الهادي ، يقول عوني عبد الهادي:
( في 9 كانون الأول / ديسمبر عام 1918 م استقل سموه ووفده وأنا معهم القطار إلى مرفأ بولون في طريقه إلى لندن ، ولشد ما سرّ سموه بلورنس الذي جاء لاستقباله في بولون ، إذ إن سموه لم يكن يعرف أحدا بالعاصمة الإنجليزية يومذاك ، سوى لورنس ، ومما يذكر بهذه المناسبة أنه حينما حضر الأمير فيصل إلى ميناء مرسيليا في 26 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1918 م ، لفت نظر الفرنسيين الكولونيل لورنس الذي حضر من لندن لاستقبال سموه وعلى رأسه الكوفية والعقال والخنجر الذهبي في وسطه ، لباس أمراء العرب ، ويظهر أن مظهر لورنس كعربي لم يعجبهم ، فأشاروا إليه بمغادرة فرنسا على الفور ، وكان ذلك كما علمت بإيعاز من وزارة الخارجية نفسها...!).
الأمير فيصل في لندن: حسب ما ورد في مذكرات عوني عبد الهادي ، لمجريات رحلة الأمير ووفده إلى لندن
قبل عقد مؤتمر فرساي ، يرد أنه ( استقبل الأمير فيصل في لندن بحفاوة كبيرة ، واستضافته الحكومة البريطانية هو وأعضاء الوفد الذي صحبهم وهم نوري السعيد ورستم حيدر وأحمد قدري وأنا في فندق كارلتون اكبر فنادق لندن حينذاك ، وفي صباح اليوم التالي دعاه الملك جورج الخامس إلى زيارته في قصر بكنجهام ، فلبي الدعوة وذهب إلى قصر بكنجهام بمرافقة الكولونيل لورنس بلباسه العربي الأمر الذي أثار الدهشة من الجميع... لقد كان الأمير فيصل موضع احترام وتكريم الإنجليز من طبقاتهم المختلفة ، كانت كل أبواب المقامات مفتوحة أمامه ، كما كان بابه مفتوحا لجميع من يرغب في زيارته ، كان كبار الشخصيات الإنجليزية تتسابق للقائه.. وتقيم لسموه المآدب الفخمة في قصورهم ، وكان يلبي هذه الدعوات على كره منه وامتعاض ، وكثيرا ما كان يثور بعد أن يعود من تلك المآدب ويقول: « ولكن أنا لم أحضر للندن من أجل أن آكل وأشرب واستمع إلى الكلمات الترحيبية التي يلقيها بعض الشخصيات الإنجليزية في ختام حفلاتهم..!«.
العودة إلى باريس:
عاد الأمير فيصل من رحلته إلى لندن دون ان يحصل على صورة الرسائل المتبادلة بين والده الشريف حسين ومكماهون ، فقد ماطلت وزارة الخارجية البريطانية في الرد على طلبه ، يذكر عوني عبد الهادي أنه عند عودة الأمير إلى باريس نشرت صحيفة الطان مقالة تحدثت عن رسائل الحسين – مكماهون ، فطلب الأمير من عوني عبد الهادي السفر مرة أخرى إلى لندن والحصول على نسخة من الرسائل ، عن طريق وزارة الخارجية البريطانية ، يقول عوني عبد الهادي ( ص 66 » :( وذهبت في اليوم التالي إلى لندن ، وكم كانت دهشتي كبيرة حينما تسلمت من وزارة الخارجية نسخا باللغة العربية عنها !..»
ويذكر عوني عبد الهادي تفاصيل للفترة التي قضاها الأمير فيصل مع الوفد في باريس انتظارا لعقد مؤتمر فرساي ، يقول: ( نزلنا في قصر الكونتيس « دو كلرمان تونير « الذي استضافته فيه الحكومة الفرنسية ،في ميدان الشانزليزيه وهو من أعظم قصور فرنسا... و تعرف الأمير إلى رجال الثقافة في فرنسا ، يقول: ( كانت هذه الجموع تتزاحم للقاء سموه لإعجابهم به وبملابسه العربية الزاهية ، وشكله المحبب الجميل.. ولما رأوه في ملامحه من الوداعة واللطف والسماحة ، مما يوحي إليهم بعظمته ، وتوثقت عرى الصداقة مع الكثيرين ، وكان أناتول فرانس الأديب العظيم أكثر من يزور سموه لإعجابه بوجهه الذي يشبه المسيح ، ولباسه الجميل الفريد.. وكثيرا ما كان يدعوه لتناول طعام الغذاء أو العشاء في مصحته في « بل فو « ويدعو معه كبار رجال الصحافة ورؤساء تحرير صحف الطان والديبا والماتان والفيغارو ، وكان اناتول فرانس هو المتحدث.. وكثيرا ما كان يتطرق في حديثه إلى القضية العربية التي حضر الأمير لأوروبا من أجل الدفاع عنها ، وكان يطلب من رجال الصحافة تأييده في مطالبه الوطنية.. وتمّ لقاء آخر بين فيصل ورئيس جامعة باريس ، حيث استمع لفيصل ساعة أو تزيد عن القضية العربية وحق الشعوب العربية أن يعترف مؤتمر السلم بحقها في الاستقلال ، وفي اليوم التالي نشرت صحيفة الديبا المعروفة مقالة لرئيس جامعة باريس ، تكلم فيها عن مقابلته للأمير فيصل ، وأيده في طلب الحرية والاستقلال للشعوب العربية..)
ويؤكد عوني عبد الهادي أن هذه اللقاءات والاجتماعات التي شهدها قصر فيصل ، وما صاحبها من مناقشات ،أوحت إلى سمو الأمير أن يتعلم الفرنسية ، فكنت أخلو بسموه ساعة في صباح كل يوم ، لنقرأ معا بعض الكتب الفرنسية ليزيد من معرفته باللغة وكان راغبا بتعلمها ، وانه اختار لسموه بعض كتب رجال التاريخ الذين نهضوا بشعوبهم ، خاصة وأنه هو في طريقه إلى إنشاء الدولة العربية المنشودة.. ويشهد عوني عبد الهادي بأن « سموه كان شديد الذكاء ، شديد الرغبة في تعلم هذه اللغة حتى يستطيع أن يتحدث إلى زائريه.. « وهو ما شهد له فيه مرافقه تحسن قدري والذي أبدى إعجابه بسرعة تعلم الأمير للغة وإتقانها حتى أنه أصبح يخطب فيها...!
فيصل بن الحسين وغموض الموقف الفرنسي بشأن فرساي:
يقول عوني عبد الهادي بأنه رغم اقتراب موعد عقد مؤتمر السلم في فرساي ، فإن الأمير لم يتلق أي موافقة رسمية من الحكومة الفرنسية بتخصيص مقعد للأمير فيصل ، وقد قابله الوزير المفوض بوزارة الخارجية الفرنسية بحضور عوني عبد الهادي ، وأخبره بأن فرنسا ترحب به ، إلا أنها لا تستطيع أن تخصص مقعدا له في فرساي ، بحجة أن دول الحلفاء لم تعترف بعد بدولة الحجاز ، وقد أجاب الأمير الوزير الفرنسي المفوض بوزارة الخارجية الفرنسية بأنه « لا يعتقد بأن من حق الحكومة الفرنسية أن تمنع دولة الحجاز التي سبق لها أن اعترفت هي وبريطانيا بها ، وأنه سيبلغ جلالة والده بموقف فرنسا الحليفة نحوه ، وينتظر الأوامر التي تصدر إليه من جلالة والده..». وقد لعب لورنس دورا في الحصول على موافقة بريطانيا بتخصيص مقعد للأمير ، وأخبره بذلك في مساء اليوم نفسه مؤكدا له حسبما نقل عوني عبد الهادي: ( سيدي المستر لويد جورج يهديك سلامه ويطمئنك بان للحجاز في مؤتمر السلم مقعدين وليس مقعدا واحدا..». خطاب الأمير فيصل في مؤتمر فرساي:
لا يرد عند تحسين قدري تفاصيل ذات بال ، في حين كانت مادة مذكرات الدكتور أحمد قدري وافية ، يقول: ( في 6 شباط ، بسط الأمير مطالب العرب ، وهاجم بشدة تقسيم بلادهم وفق معاهدات سرية ، وجعلها مناطق نفوذ للدول العظمى ، وطالب باستقلالها ووحدتها ، ثم بإرسال لجنة لاستفتاء أهلها بعد أن اتفق على ذلك مع الوفد الأمريكي ،... وفي 14 شباط عقدت جلسة علنية قبل فيها ميثاق عصبة الأمم ، وعندما بحث هذا الميثاق ، اعترض السيد محمد رستم حيدر مندوب العرب الثاني في المؤتمر على كلمة الانتداب الغامضة طالبا تحديد معناها ، كما تعرض لمعاهدة سايكس - بيكو وتقسيم بلادنا إلى مناطق نفوذ ، وانه نتيجة للاتفاق السري الذي لم يؤخذ فيه رأي الأهالي.. ويعقب الدكتور احمد على ذلك بقوله :
- ولكن مرافعته القوية ذهبت صرخة في واد ، إذ لم يجب عليها أحد...!
ونظرا للتفاصيل الدقيقة التي يوردها عوني عبد الهادي للجلسة ، سنوردها عنه بتمامها ، يقول عوني عبد الهادي: ( ص 61 – 64 ( والذي كان من ضمن الوفد الذي حضر
خطاب الأمير:
( عرض فيصل القضية العربية في 6 شباط / فبراير عام 1919 م لدى مؤتمر العشرة المؤلف من الدول الخمس ، الولايات المتحدة ، والمملكة المتحدة ، وإيطاليا وفرنسا والصين ، وسمي مؤتمر العشرة لأنه كان يمثل كلا من الدول الخمس رئيس الوزراء ووزير الخارجية عدا الولايات المتحدة التي مثلها الرئيس ويلسون ، وقد حضر الجلسة بصحبة الأمير أعضاء وفده: نوري السعيد ورستم حيدر وعوني عبد الهادي ورافقه الكولونيل لورنس ببذلته العربية بوصفه مترجما ، وبعد أن قدم المسيو كليمنصو رئيس وزراء فرنسا ورئيس الجلسة سموه إلى أعضاء المؤتمر ، تلا سموه بيانا مطولا كان توسيعا للمذكرة التي قدمها « لكتابة المؤتمر العام « المؤرخة في 29 كانون الأول / يناير 1919 م ، والتي طالب فيها بصفته ممثلا لوالده قائد الثورة العربية ضد الترك ، بريطانية وفرنسا بالاعتراف « بالشعوب العربية الناطقة بالعربية في آسيا « اعتبارا من خط الاسكندرون – ديار بكر وحتى المحيط الهندي جنوبا – كشعوب مستقلة السيادة ، بضمان من عصبة الأمم ( باستثناء الحجاز التي سبق وأصبحت دولة مستقلة ، وعدن التي هي محمية بريطانية ) وذلك للأسباب الآتية :
- إن هذه البلاد كانت مهد مدنيات عظيمة ولا يزال أهلها ذوو استعداد للقيام بواجباتهم نحو العالم المتمدن.
- سكان هذه البلاد كلهم ينطقون بلغة واحدة هي اللغة العربية.
- لهذه البلاد حدود طبيعية تفرقها عن غيرها وتؤكد وحدتها وتحفظ استقلالها.
- سكان هذه البلاد ينتمون كلهم إلى عنصر واحد وهو العنصر السامي ولا يتجاوز عدد العناصر غير السامية واحدا في المائة.
- منافع هذه البلاد الاجتماعية والاقتصادية كانت ولا تزال متحدة ، وقد ازداد هذا الاتحاد قوة بازدياد الوسائط النقلية وسيزداد أيضا كلما ازدادت تلك الوسائط.
- وإنه ليصعب أن نجد أمة في العالم تضاهي أمتنا في وحدتها الجنسية وتوفر جميع هذه الصفات والمميزات.
ويضيف عوني عبد الهادي إلى أن فيصلا انتهي في خطابه إلى ما يأتي: ( إن الدول المتحالفة وعدت الأمة العربية بحريتها واستقلالها عند انتهاء الحرب ، وها قد خرجت من هذه الحرب ظافرة ، فينبغي أن تبر بمواعيدها ، وأنا واثق بأن الدول الكبرى ستولي عناية كبرى لحياة الشعوب العربية أكثر من اهتمامها بمصالحها المادية ، والأمة العربية تنتظر ذلك بحق وجدارة ، ومطالبها القومية منطبقة تمام الانطباق على مبادئ الرئيس ولسون التي صادقت عليها كل الدول.
ويضيف عوني عبد الهادي الذي حضر هذه الجلسة التاريخية ، بأن مذكرة الأمير فيصل في 29 كانون الثاني / يناير 1919 م ألحقت بالمادة الثانية من خطاب الرئيس ولسون في مونت فرنون في 4 تموز / يوليه 1918 م ، والتي تنص على: ( إن تسوية أية مسألة سواء أكانت مسألة إقليم أو سيادة أو تنظيمات اقتصادية ، او علاقات سياسية ، ستبنى على أساس القبول الحرّ لهذه التسوية من قبل الشعوب المعنية مباشرة ،
وليس على أساسا مصالح مادية او منافع لأي أمة قد ترغب بتسوية مخالفة من اجل نفوذها او سيادتها).
وقد دارت مناقشات بعد كلمة الأمير مع أعضاء المؤتمر ومنهم المستر لويد جورج والرئيس ولسون ، والذي سأل الأمير إن كان يرغب في انتداب دولة واحدة أو أكثر ، وكان ردّ الأمير فيصل: (.. انا جئت إلى باريس لأمثل والدي في مؤتمر السلم ، وأطالب باستقلال ووحدة البلاد العربية المنسلخة عن تركيا كاملة غير مجزأة ) وطلب الأمير من المؤتمر إرسال لجنة تحقيق دولية لاستشارة أهلها عن نوع الحكم الذي يريدونه تنفيذا للمادة 22 من ميثاق العصبة ، وقال:
( إن الرئيس ودرو ولسون سبق وذكر في المبدأ الثاني عشر من خطابه في مونت فرنون تأييد حق الشعوب بتحقيق رغائبها في حكم بلادها ، كما سبق وأصدرت الحكومة البريطانية تصريحا للرجال السوريين السبعة جوابا لطلباتهم ، وسمي هذا التصريح بالتصريح للسبعة ، أكدت فيه بأنها ترغب في أن يكون حكم البلاد العربية المنسلخة عن تركيا قائما على ما يرضاه أهلها ، وأن السياسة هذه ستظل مؤيدة من حكومة جلالته ، كذلك فإنني أستند بطلبي الوحدة والاستقلال على التصريح المعروف بالتصريح الإنجليزي – الفرنسي في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1918 م الذي أعلنت الدولتان فيه أن همهما الوحيد أن يتحقق بمعونتهما ومساعدتهما المفيدة ، إقامة الحكومات والإدارات التي يختارها أهل سورية والعراق ، وقد وزعت نسخ من هذا التصريح على أهالي المدن والقرى في جميع البلاد العربية..).
لقاء فيصل بكليمنصو:
حضر عوني عبد الهادي لقاء الأمير فيصل بكليمنصو في وزارة الحربية الفرنسية في16 ابريل / نيسان  عام 1919 م ، ونقل عن كليمنصو قوله للأمير: « أريد منك يا سموّ الأمير أن تثق بأن فرنسا الصديقة القديمة لسورية ليس لها أي مطمع استعماري بسورية ، وأن كل ما ترغب فيه مدّ يد المساعدة لها ، والدفاع عن حرياتها واستقلالها ، وأريد منك يا سمو الأمير أن تعلم إني عدو للاستعمار ، وأني حاربت الاستعمار خمسين عاما ، وأن ما كتبته من مقالات وكتب كثيرة تشهد بصدق ما أقول.. فأنا أريدك يا سمو الأمير أن تضع يدك بيدي ونسير معا بخدمة سورية «.
فأجابه الأمير فيصل قائلا: ( عدني يا سعادة الرئيس أنك ستبقي رئيسا للأبد ، رئيسا لوزارات فرنسا ، وأنا أمدّ يدي في الحال وأسير معك إلى حيث تريد ، بدون شرط أو قيد ، ولكني أخشى أن يستولي غيرك على رئاسة وزراء فرنسا ، ولا يكون هذا الرئيس مثلك عدوا للاستعمار...!!!!).
وكانت تفاصيل اللقاء تؤكد رفض الأمير فيصل لأي تدخل أجنبي في سورية ، فقد قال للرئيس الفرنسي: ( لا يا سعادة الرئيس إن سورية في غير حاجة إلى جيوش أجنبية لحمايتها..!!! )
ونجح الأمير فيصل في تحقيق وصول لجنة كنغ – كرين الأمريكية إلى سورية لاستفتاءالأهالي بشكل  الحكم الذي يريدونه وذلك في 10 حزيران / يونيو 1919 م ، وعاد الأمير فيصل إلى سورية يحمل أحلامه التي أنهتها معركة ميسلون الفاجعة.. وأنهت أجمل تجارب العرب في بناء أول دولة عربية يتحقق فيها شروط المواطنة والحرية والاستقلال. وأخيرا...!
خاتمة هذه الحلقة تبدو دامعة.. فقد عاد فيصل وهو يحمل أحلام أحرار العرب الذين حاربوا معه وحققوا الحرية لبلاد العرب ، وذهب يحمل أماني العرب في المشرق بالوحدة والاستقلال.. لكنه رأى بوادر الشرّ الذي تخططه الدول العظمى لاستعمار المشرق العربي واقتسامه.. صحيح أن لجنة كنغ – كرين كانت فسحة أمل طالب أهالي بلاد الشام من خلالها بحريتهم ووحدتهم.. لكن المخفي في دهاليز السياسة كان اكبر من كل شيء.. وكانت نهايات دامعة في معركة ميسلون.. ويبدو ان تحسين قدري لم يحتمل ان يكتب هذه النهايات فتوقف عندها.
إلى اللقاء في الحلقة الأخيرة من مذكرات تحسين قدري في الأسبوع القادم.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات