عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-May-2018

الشاعر المصري رفعت سلاّم: أسعى للاشتباك مع العالم من خلال القصيدة

 القدس العربي-حاوره: عبدالدائم السلامي

في الحوار مع الشاعر المصري رفعت سلاّم، لابد من أمرين: الأوّل منهما هو قدرةُ الشِّعرِ على الصَّبر: صبره على إيلام مؤسّسات الواقع له، وصبره على كسلِ العالَم في فهم المعنى، وصبره على ذاته بوصفه فنًّا منذورًا لأن يكون خارج المألوف، وبالتالي لأن يعيش وحيدًا. والأمر الثاني هو أنّ الشاعر الذي ينسى قراءة (نصّ الواقع، ونصّ التاريخ، ونصّ الأفكار) لن تقدر كتابتُه على أن تتصالح مع نفسها، فتظلّ هجينة، بلا طعمٍ ولا آفاقٍ. ولعلّ القارئ واجدٌ في إجابات الشاعر رفعت سلام على الأسئلة التي توجّهت بها إليه صحيفة «القدس العربي» ما يؤكّد لديه هذين الأمرين وقد يرقى بهما إلى مراقي الحقيقة.
 
غابة من الأشجار
 
■ يصدر لك في منتصف العام الحالي، العمل الشعري الجديد «أرعى الشياه على المياه».. وهو يحمل بعض السمات الخاصة، الخارجة على السياق الشعري العام..
□ منذ وقت مبكر، في ما قبل صدور ديواني الأول «وردة الفوضى الجميلة» (1987)، وأنا أحس بأن الصفحة ضيقةٌ علَيَّ، والقصيدة ضيقة علَيَّ. فأنا مزدحم بأصوات وكائنات العالم المتضاربة المتشابكة، الصاخبة والهامسة، الحقيقية والفانتازية، اللاعنة الملعونة والرومانتيكية؛ صراخ وبوح وسباب ورجاء، عمًى وبصيرة؛ هو الجحيم الذي ما وعد الله به أحدًا. وقصيدة «تنحدر صخور الوقت إلى الهاوية»- في ذلك الديوان الأول- أراها الآن، وقد يراها آخرون، تعبيرًا عن محاولة زحزحة قضبان القفص الحديدي الذي ورثناه من شعرائنا السابقين، بما قدمته من شكل مغاير في توزيع الكتابة على بياض الصفحة، وتعدد «فونتات- أنماط الخط» في الكتابة. كأني محشور في ثقب إبرة، لا أستطيع النفاذ منه كالخيط؛ كأنني حبل سميك- كحبال السفن- يحاولون تمريره من ثقب إبرة صغيرة. فهل تكمن المشكلة في الحَبل أم في الإبرة؟
هكذا، كانت الأعمال الشعرية التالية صراعًا مريرًا مع الصفحة والقصيدة. وفي العمل التالي، «إشراقات رفعت سلام» (1992)، وجدتُ نفسي أهرب من سجن «القصيدة» بتقاليدها الثابتة المعروفة منذ بداية الخمسينيات، إلى رحابة «العمل الشعري». لا قصائد، بعد اليوم. هو العمل الشعري المباح تأسيسه من الصِّفر، على غير مثال سابق، لا «ديوان» يتألف من قصائد منفردة، متتالية، مكتوبة على مدًى زمني معين، بفواصل زمنية متفاوتة، يتم جمعها وإصدارها معًا كل فترة زمنية؛ بل هو العمل الشعري الذي يُكتب دفعةً واحدةً، في بنية واحدة مركبة متراتبة، يمتزج فيها الشعري بالنثري (التفعيلي بالنثري) أو لا يمتزجان، والفانتازي باليومي، والفظاظة المباشرة بالحُلم، والانكسار بالفرح، والتراثي الديني أو الشعري بالمعاصر، إلخ بما يتخطى الشكل الطباعي المألوف للصفحة الشعرية. ذلك ما تواصل على مدى الأعمال الشعرية التالية، وصولاً إلى «أرعى الشياه»؛ لأن السؤال ظل معلقًا في فضاء الكتابة، عصيًّا على الاصطياد بشباك الخيال الشعري.
وفي «أرعى الشياه» وجدتُ الصفحة تنقسم على نفسها إلى عمودَين غير متساويين، وتفسح مكانًا- وسط الأعمدة، فضلاً عن الهوامش المحيطة بالأعمدة، والشذرات الشعرية – للرسوم العفوية والرموز الهيروغليفية والشذرات الشعرية المتقطعة، فتصبح الصفحة غابةً من الأشجار المتشابكة المشتبكة، التي تجمع «اللغوي» و«التشكيلي» معًا، متقاطعين، منفصلين متداخلين متعاركين.. بلا قصد مسبق. وجدت الزمن ينفتح لي عن «شكاوى المصري الفصيح» المزمنة، التي لم تعرفها البرديات المكتشفة، وأصوات الألم الإنساني في محنة حياة قاصمة، إلى صوت مقبل من أزمنة الدم والهمجية، إلى أصوات أقرب إلى المعاصرة، تكتنز تاريخًا من العذابات والأحلام المكسورة شظايا في فضاءات غائمة.. بلا انتهاء.
 
رحلتي مع ريتسوس
 
■ تصدر لك- في النصف الثاني من العام الحالي- الترجمة الجديدة لريتسوس «سوناتا ضوء القمر»، بعد كتابين سابقين لأعمال الشاعر.. هل يمكن الحديث عن إضافةٍ ما؟ عن خصوصية ما لهذا العمل؟
□ هي ترجمتي الأخيرة لريتسوس (بعد عملين سابقين: «اللذة الأولى» (1992) و«البعيد» (1997). وتضم أعمالاً لا يحتويها العملان السابقان. ماراثون طويل قطعته مع الشاعر اليوناني الذي يشبه قارة شعرية تكتنز جميع المناخات والجغرافيات والتواريخ والأساطير، بدون استنفاد. أكثر من ألف صفحة من الشعر الذي يغوص في أعماق الروح الإنسانية على مدى الزمن، مضيئًا جنباتها المعتمة، وأسرارها الملتبسة، ووجوهها الأسطورية والتاريخية، ومسائلاً الحضور الإنساني منذ جذوره الأولى حتى الراهن الأسيان. قصائد تغطي أشكال الكتابة الشعرية المختلفة لدى ريتسوس، من القصيدة القصيرة، إلى الملحمية، إلى «المونولوج» الشعري، إلى الحوارية؛ منذ ديوانه المبكر الذي أرسى اسمه في القائمة الذهبية لشعراء اليونان «إبيتافيوس»، إلى ديوانه الأخير الذي توفي قبل صدوره «في آخر الليل»، مرورًا بـ«هيلين» و«أجاممنون» و«فيلوكتيت» و«سوناتا ضوء القمر» و«شجرة السجن والنساء» و«اثنتا عشرة قصيدة إلى كفافيس» و«إيروتيكا»، فضلاً عن مئات من قصائد الدواوين الأخرى، مما لم يسبق ترجمته إلى العربية. هو ختام رحلتي الطويلة مع ريتسوس التي بدأت في الثمانينيات من القرن الماضي، وأسفرت في نهايتها عن ترجمة عشرين عملاً شعريًّا في نصها الكامل، ومئات أخرى من القصائد القصيرة الموزعة على بقية أعماله الشعرية. ووصلت- بهذا الكتاب- إلى ألف وسبعمئة صفحة من الشعر والمقدمات. عُمرٌ من الحب والشعر الفاتن الجميل، الذي كان يطاردني حتى في رحلاتي الخارجية، فأسعى بحثًا عنه في مكتبات العالم.. ولا أستريح إلا باقتناصه، بهذه اللغة أو تلك.
 
الأديب هو عدو العالم
 
■ بعد نصف قرن من الشعر (كتابةً له وترجمة)، كيف يمكن أن تعرفه؟
□ ذلك أصعب ما يمكن أن يواجه شاعر: تعريف الشعر، أو تحديد الماهية. وما أكثر التعريفات في تراثنا النقدي، وتراث الآخرين. وما أعجزها- في الوقت نفسه- عن الإحاطة بماهية الشعر، بما هو إبداع مركب متعدد الأبعاد والأعماق والطبقات والظلال؛ وربما كان المختفي فيه أكثر وأهم من الظاهر التي يأخذ شكل كلمات مطبوعة. فهل نُعرف الظاهر أم الخفي؟ وإذا كان الظاهر عصيًّا على التحديد، فما بالك بالخفي؟ فتحديد ماهية الإبداع (خاصةً الشعر) – بصورة جامعة مانعة- مستحيل. وكل تعريف- في الماضي- سرعان ما تتبين نسبيته وقصوره، سواء في زمنه نفسه، أو في أزمان أخرى تالية. فكل تعريف هو- في النهاية- فخ، أو شَرَك. ولا يليق بي الآن أن أنصبه لنفسي، أو للقارئ. إذن، فليكن الشعر.
■ كيف؟ 
□ لا أدري. تلك مسؤولية الشاعر؛ أن يمنحنا ما يستعصي على التعريف والتحديد والإحاطة. أن يضعنا في قلب الشعر، في ماهيته، حتى لو كنا عاجزين عن القبض عليه بأفكارنا العادية. فذلك هو المهم.
■ هل أوصلك الشعر إلى الحقيقة، أم إلى الرَّيب؟
□ لم أكن أسعى إلى الحقيقة – إن كان لها وجود مطلق- من خلال الشعر؛ بل ربما كنت أسعى للاشتباك مع العالم من خلال الشعر. فالعالم نفيٌ للذات، والشعر إثباتٌ لها. العالم هو النقيض المطلق لحُلم الشاعر العصي. هو ما يجعل حلم الشعراء أبديًّا، تتوارثه الأجيال، جيلاً وراء جيل، بلا انتهاء.. لأنه حُلمٌ عصي على التحقيق، بحكم كينونة وماهية العالم. ولهذا، فأتفق مع بودلير في أن «الأديب هو عدو العالم»، وأن «الأمم لا تنجب العظماء إلا مُرغمة. فلن يكون المرء عظيمًا، إذن، إلا إذا انتصر على أمته كلها». ففي البدء، كان الرَّيب. ولا مكان لحُسن النية. وإن لم يكتشف الشاعر ذلك من تلقاء ذاته، فسيكتشفه بعد صدمة أليمة. فلا مصالحة ولا هوادة. كأن هناك ثأرًا ما يريد العالم أن يقتص له من الشاعر.
■ هل لأن الشاعر موكولٌ بفضح فساد العالم وتهرئه؟ بتعريته من المساحيق والبرقشات والأقنعة؟ بالكشف عما يسعى العالم إلى إخفائه والتواطؤ عليه؟ وإلا.. فما سر عداء العالم للشاعر منذ هوميروس إلى دانتي إلى بودلير إلى بوشكين ومايكوفسكي (القتيلين) إلى صلاح عبدالصبور؟
□ وإلا.. فما معنى أن أفتح عينيّ ذات صباح قديم- وأنا في العشرين، طالبًا في الجامعة (1972)- لأجد نفسي في الزنزانة رقم 6 في معتقل القلعة المصري الشهير، وأكتشف- بعد خروجي- أنهم صادروا دفتر أشعاري البريء؟ فليست الأعمال بالنيات. والقوانين صارمة بما يتجاوز التأويلات التفصيلية، حسنة النية.
 
للشعر جمهور خاصّ
 
■ كيف ترى مصير الشعر العربي الراهن، وهو يواجه زعزعةً عنيفة لقداسته، بسبب انفجار الرواية، وطغيان النثر الفج على أغلب نصوصه؟
□ نعم، هناك انفجار للرواية العربية، غير طبيعي. وأعداد المتقدمين إلى الجوائز الخليجية الروائية – كل عام- مذهل وخيالي. وتسأل نفسك: ألدينا حقًّا كل هذه الأعداد من الروائيين؟ والأمر يحتاج إلى التأمل العميق. لكن من السهل اكتشاف أنها ظاهرة عابرة في الزمن العربي، تقف وراءها لترسيخها- وفق حسابات سياسية – مؤسسات خليجية بفوائض الأموال النفطية الهائلة.. بقدر ما تسعى إلى ابتذال الشعر (الذي ظل لقرونٍ فن العربية الأول)، من خلال مسابقات للقدرة على «النظم» التقليدي، تبتذل الشعر وتحول الشبان الملهوفين على الشهرة والأموال الفادحة إلى مجرد «أراجوزات» في سيرك غريب. وأظن أن نضوب هذه الفوائض، أو استشعار الخطر بنضوبها، سيؤدي إلى الانسحاب من المجال الأدبي (على نحو ما رأينا في إلغاء أحد المهرجانات السينمائية الخليجية الكبرى مؤخرًا). وعلى مدًى ما، سيعود الوضع الأدبي إلى التوازن الطبيعي. أما «قصيدة النثر» العربية، فظني أنها الآن ضحية شَرَكين تتخبط فيهما، بلا وعي من شعرائها، أو كتابها: النمطية والنثرية. فالغالبية العظمَى من القصائد هي إعادة إنتاج- بشكل أو آخر، بلا جديد. فهناك وصفة جاهزة، سائدة منذ التسعينيات الماضية، لكتابة قصيدة نثر «نموذجية»، بلا تمايز بين الشعراء، ولا بين الشاعر ودواوينه المختلفة. «إن القصائد تشابهت علينا»، وانغلق أفق قصيدة النثر على حالة من الركود والسكونية المضادة لماهية الإبداع والشعر. حالة من الكتابة الميكانيكية، البيروقراطية، بلا وعي أو وهج أو حرارة، يصبح من الطبيعي فيها أن ينزلق الشاعر/الكاتب إلى النثرية الفجة، فقيرة الخيال، بائسة اللغة، مكتفيًا بتقطيع السطور على طريقة قصيدة التفعيلة، للإيهام بالشعرية. هو مأزق عام تتخبط فيه القصيدة منذ نحو عقدين من الزمان العربي المختلط. ولا ينجو منه إلا آحاد الشعراء، هنا وهناك. وهؤلاء «الآحاد» هم من يصنعون جوهر القصيدة أو العمل الشعري. وهم الموكولة إليهم مسؤولية تخطي المأزق الراهن- طويل الأمد- للشعرية العربية.
■ هل يمكن الحديث عن انتفاء جماهيرية الشعر؟
□ يمكن الحديث عن تحــول الشعر إلى نوع من الفنون الجميلة، كالفنون التشكيــــلية والموسيقى الكلاسيكية والأوبرا. ومثل هــــذه الفنون لها جمهورها النوعي الخاص، لا الجمهــــور العام الذي يهيــــمن عليه – منذ عقود- لاعبو الكــــــرة والمطــــربون والممثلون، وأحيانًا المشايخ المنتجون للفتاوى. وهو تحول ظل يتبلور في النصف الأول من القرن العشرين، بالتوازي مع تحولات القصيدة العربية من النص العام – لدى شوقي مثلاً- الذي يخاطب الغريزة الجمعية، ويهيمن على المتلقي بالوزن والقافية والنزعة الخطابية، إلى النص الخاص، ابتداءً من الخمسينيات، بكسر أدوات التلقي «المشترك» التقليدية، وبداية تحول القصيدة إلى نص مقروء، على انفراد، لا ضمن مجموع.
فالنص لم يعد موجهًا إلى قارئ عام، بل خاص؛ قارئ يقيم علاقة خاصة بالنص، ويبحث في النص عن ذاته الفردية. فلم يعد الشاعر صوت القبيلة أو الجماعة المعبر عنها (فالتعبير عن الجماعة الحديثة موكولٌ إلى آخرين)، بل المعبر عن عذابات الذات الإنسانية وأحلامها وانكساراتها المتوالية؛ مخاطبًا ومتفاعلاً مع الحميمي فيها، السري أو شبه السري. فالعلاقة بين الجمهور والشعر علاقة موضوعية، يتداخل فيها ما هو ثقافي وما هو اجتماعي عام. فحتى تطور الشعر يخضع لسياقات عامة، لا لإرادات فردية لبضعة شعراء. وذلك كله شكَّل جمهورًا خاصًّا للشعر، وأبعد الجمهور العام عنه، إلى سياقات أخرى، غير تخصصية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات