عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jun-2018

شعراء بأسماء مستعارة *خيري منصور

 القدس العربي-تلك ظاهرة قديمة وإن كانت لها تجليات معاصرة، إذ غالبا ما حمل الشعراء ألقابا هي أشبه بالأسماء المستعارة، ومنهم من اختاروا لأنفسهم ألقـــابا ذات دلالات فنية أو نفســـية أو تاريخية، مقابل آخرين أطلق النقاد عليهم ألقــابا من باب التصنيف على طريقة طبقات فحول الشعراء، وعلى سبيل المــــثال فإن أسماء كالفــــرزدق والأخطل والشــنفرى والمتنبي وديك الجن وتأبط شرا وأبي نواس، ليست الأسماء الحقيقية لهؤلاء الشعراء ولكل اسم مستعار منها دلالته اللغوية، وقابليته للتأويل، ولم تكن تلك الظاهرة حكرا على الشعراء العرب، ففي عصرنا نجد واحدا من أبرز الشعراء الفرنسيين هو سان جون بيرس قد غيّر اسمه الأصلي، وهو اليكسي ليجيه وكأنه أراد من ذلك فك الارتباط بين مهنته دبلوماسيا وعمله شاعرا.

وإذا كانت دلالات الأسماء المستعارة بالنسبة لشعرائنا القدامى تبقى في نطاق التوصيف، فإن الأسماء المستعارة للشعراء المعاصرين تحمل بعدا قيميا، ومنها تسمية أحمد شوقي أمير الشعراء، وحافظ إبراهيم شاعر النيل، وقد أطلق النقاد ألقابا على شعراء من باب التعظيم وتمييزهم عن أبناء جيلهم، فالجواهري حمل لقب الشاعر الأكبر تمييزا له عن الكبير، وكأن صفة الشاعر وحدها لا تكفي، وهذا يندرج في خانة ما يسمى الانتحاء في اللغة، بحيث لا تعود الصفات مكتفية بذاتها والعرب يميلون بالفطرة إلى الإفراط في إطلاق الألقاب، سواء تعلق الأمر بالشاعر أو الزعيم، وهناك رؤساء عرب حملوا عشرات الألقاب، وتنافس فقهاء السلطة في نحت الألقاب، بحيث بدت الحاجة إلى عدة أشخاص لاقتسامها، على الأقل بالطريقة التي أشار إليها سارتر عندما زار القاهرة عام 1966 وقدمه أحد المضيفين بستة ألقاب، ما دفعه إلى الاحتجاج، ونادى على أحد مرافقيه قائلا له: إحمل عني بعض هذه الألقاب، فأنا أنوء بها، والحقيقة أنني مجرد إنسان يقرأ.
ويبقى اختيار الشاعر علي أحمد سعيد للقب أدونيس أقرب إلى الاستثناء في هذا السياق، لأن أدونيس بدلالاته الأسطورية، وما يرمز إليه من الخصب والانبعاث هو في الصميم من الشعر، خصوصا في خمسينيات القرن الماضي، عندما ترجم جبرا إبراهيم جبرا فصولا من «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر، وأصبح موضوع الخصب من أكثر الموضوعات الشعرية جذبا، لأن المرحلة كانت في أعقاب الحرب العالمية الثانية غسقية بامتياز،، وكان احتلال فلسطين أحد أهم الدوافع للبحث عما تبقى من نبض في جسد يحتضر. 
والفارق بين أسماء الشعراء المستعارة في عصرنا والأسماء التي برزت في العصور العربية القديمة، هو أن الأسماء في تلك المرحلة كانت تقتصر على مواصفات عضوية، فالفرزدق هو الرغيف النيئ المستدير والممتلئ الذي لم تمسه النار، والأخطل هو كبير الأذن، وتأبط شرا هو الذي روي عنه أنه قتل غولا وعاد متأبطا رأسه بعد أن قطعه، والشنفرى صفة لشفاه غليظة تشبه شفتي البعير، أما المتنبي فإن لقبه كما هو معروف جاء من ادعائه النبوة.
هكذا نجد أن أسماء الشعراء القدامى في معظمها جاءت تعبيرا عن ملامح جسدية وذات دلالات عضوية، وأحد أسباب ذلك هو العيش بالقرب من الحيوان، وأن امرئ القيس يشذ عن هذه القاعدة، فقد حمل لقب الملك الضليل، لأنه سليل أسرة ظفرت بالمُلك زمنا، وحين أراد استعادة مجد أسلافه دفع الثمن، والقيصر الذي لاذ به من أبناء عمومته طلبا للثأر أهداه ثوبا مسموما أدى إلى تقرح جلده وأخيرا موته في سفح جبل عسيب.
ولو قام باحث معاصر بتقصي ظاهرة الألقاب في مختلف مجالات حياتنا لانتــــهى إلى نتيجـــة حاســمة تذكرنا ببيت شعر طريف هو قومي رؤوس كلهم، أرأيت مزرعة البصل؟ فالزعيم ملهم ومعصوم وقادم من المستقبل ومجترح معجزات، حتى لو كانت سيرته السياسية والعسكرية سلسلة من الهزائم. وهناك روائيون عاديون بكل المعايير النقدية قد يتقدمون بالشكاوى إلى القضاء على ناقد يقتصر وصفه لهم بأنهم روائيون فقط، وليسوا كبارا أو استثنائيين. 
وما أطلق من صفات على ديستويفسكي وبلزاك ومارسيل بروست وهمنغواي وفولكنر وغيرهم لم يتجاوز وصفهم بأنهم روائيون، لأن الإبداع لا يقبل توصيفات سيمترية، منها الروائي الصغير والمتوسط والكبير، والإلحاح على إضافة ألقاب يعني بالضرورة التشكيك في الصفة الحقيقية وهي من صميم الكتابة، خصوصا حين لا ترتكز التوصيفات وتحديد القامات على أسس نقدية وجمالية، بقدر ما ترتهن للسائد الإعلامي . وما قاله سارتر عن نفسه مكتفيا بصفة إنسان يقرأ، لا يختلف كثيرا عما قاله نيلسون مانديلا عن حياته كلها، فقد طلب أن يكتب على قبره هنا يرقد رجل حاول القيام بواجبه.
إن الإفراط في البحث عن الألقاب لا يغير من الحقيقة شيئا، خصوصا إذا تعلق بالشعر، وهناك عبارة شهيرة ليوجين يفتشنكو تختصر المسألة كلها هي، أن الشاعر في نهاية المطاف حاصل جمع قصائده، لا أكثر ولا أقل.
 
٭ كاتب أردني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات