عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Sep-2017

وليد الصراف: الشعر مدينة يتمشى فيها المتنبي حيّا وينام مُعاصرون في مقابرها

 «القدس العربي» منى حسن: يرى الشاعر وليد الصراف أن الشعر نار تنطفئ في الطريق بين لغتين، وترجمته مقصلة يدخل منها النص حيّا ويخرج منها جثة.

ووليد الصراف شاعر وقاص عراقي من مواليد الموصل 1964، يحمل درجة الدكتوراه في جراحة الأنف والأذن والحنجرة. يُعد من أهم وأبرز شعراء العراق المعاصرين. صدر له ديوان عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق بعنوان «ذاكرة الملك المخلوع» عام 1999. وله مجموعة قصصية بعنوان «قصص للنسيان»، وأخرى صادرة عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 2008 بعنوان «مع الاعتذار لألف ليلة وليلة»، كما أن له أكثر من ديوان مخطوط.
كتب عنه الكثير من النقاد والشعراء العراقيين والعرب، ونُوقشت عن شعره عديد من الرسائل الجامعية. في الحوار أدناه محاولة للدخول إلى عوالم الشاعر وليد الصراف الذي صرّح أن هنالك مافيا غير مرئية تحكم قوانين النشر والمنابر، وأن مسوّدة قصيدة مرفوضة قد تكون أهم من ملايين الصفحات المطبوعة.
 
■ حدثنا عن النشأة الأولى في أحضان الموصل، وأهم الروافد المعرفية التي اســــتقيت منها موهبتك؟
□ مادمت عشت طفولتي في الموصل فهي أجمل المدن، وحصاة فيها تلوح من نافذة الطفولة أهم من أي مكان على وجه الأرض، كل ما فيها رافد معرفي ساحر لقد عشت فيها أمسي بنهاره وليله، وقد تعلمت منها أن أعيـــش في لحظة واحدة الدهر كله، فعمري الذي هو حصتي من الدهر قليل. تعلمت أنني مادامت لي ذاكرة فقد عشت منذ آدم، ومادام لي حلم فلن أموت حتى تصيح الساعة، الموصل البيت العتيق، المدرسة الأولى، الحب العذري الأول، النهر، منارة الحدباء التي تتيه على المنارات أنها لم يدركها الشيب وأدرك منارات بعمر حفيداتها، حديقة الشهداء التي تلثغ فيها الحمامات باللهجة الموصلية، حتى القبور الدارسة جميلة فهي تمنح المدينة التي تمتد إلى مدى محدود في المكان مدى شاسعا في الزمان نستعيد به الأجداد ونحلم بأحفاد يشبهونه.
■ بعيدا عن الأسئلة التقليدية عن علاقة الطب بالقصيدة، أيهما يختزل الآخر فيك، ويطغى عليه، الشاعر أم الطبيب الجراح؟
□الإنسان جسد تكوّنه أعضاء علينا أن نعرف تشريحها، وهذه الأعضاء تعمل بآليات علينا أن نفهمها، وثمة أمراض تعطّل هذه الآليات علينا أن نتعرفها ونواجهها بحبة الدواء أو مبضع الجراحة. هنا ينتهي الطب ولكن هذا الجسد الفاني ينطوي على ما لا يفنى، ومن هنا تبدأ القصيدة، الطب عمر محسوب بالسنوات وجرعة دواء محسوبة بالمليغرامات، والقصيدة جناحان يحلّقان خارج الزمان والمكان. الشاعر والطبيب أنا كنتهما ولكنهما لا يختزلانني، بل أنا من يختزلهما، ووليد الصراف الاسم المجرد أهم في رأيي من الدكتور وليد والشاعر وليد، وأي لقب يضاف إليه لأنه هو من صنع هذه الألقاب وضاق بها حين اكتشف أنه يتعامل مع أمراض لم يصل الطب إلى علاج لها، ومع وسط أدبي لم تعد لفظة فاسد تدل عليه لأنها ضيقة، ولا تتسع جدران حروفها لمعنى فساده ولو ترامت اتساعا ونطحت السحاب علوا.
■ تألقت في برنامج أمير الشعراء في ابوظبي، فهل يمكن أن نعد أنه كان نقطة انطلاقك عربيا؟
□ شاهدني في الحلقة الأخيرة ثمانون مليونا، وهذا رقم أحس بامتنان كبير للمسابقة عليه، دخلت محطة بنزين في نواكشوط – وهذه يشهد عليها الصحافي السعودي زايد رويس- فرآني طفل موريتاني فقال هل أنت وليد الصراف؟ هذا فضل لن أنساه للبرنامج أنه أوصلني إلى أقصى المغرب العربي، رغم أنني غُبنت. المسابقة تتيح للسان شاعر أن تسمعه ملايين الآذان في مشارق الأرض ومغاربها، ويبقى علينا أن نضنّ بهذا المنبر ولا نطلق منه إلى الفضاء إلا ما يمكث في الأرض. ويبقى أن نعي الفرق بين الانطلاقة الإعلامية والانطلاقة الفنية. إعلاميا كان البرنامج انطلاقة لي وللكثير من الشعراء والشاعرات وأنتِ منهن. الإعلام يطلق العصافير من أقفاصها والمهم أن تحط هذه العصافير في قلوب الناس وأن تبني لها أعشاشا على أغصان المستقبل لا أن يبتلعها أفق النسيان.
■ أنت متهم بالتخندق في الكلاسيكية العمودية، حيث يلاحظ المتابع لك أنك تنتصر في قصائدك ومنشوراتك للعمود الشعري، وتتعصب له، فهل مازالت قناعاتك ثابتة؟
□ البيت الخليلي الذي يتوهمه البعض آيلا للسقوط هو بيتي الذي ورثته من أجداد أشاعوا فيه تقاليد عبر قرون. وأنا أؤثثه بأثاثي الخاص، وأفتح نوافذه على فراديسي. لا أحد يضيق بالجدران الحائلة الألوان والملابس القديمة ضيقي، فأنا لست شاعرا عموديا بالمعنى الذي يتوهمه الذين صدّقوا إشاعة أن الخليل مات بطعنة من السياب، أو بسمّ دسه له الماغوط، فهو مازال حيا وموته ليس بيد نازك الملائكة أو سوزان برنار. فأمس رأيته للمحة برق وأنا أكتب قصيدتي الجديدة! هذا وأنا أزور السياب والماغوط، بل درويش وأدونيس، وأُماشيهم في حقولهم، ولكنني لا أتبع أيا منهم.
■ بالنظر إلى المضمون يُلاحظ المتابع لك أيضا أنك ما زلت تستحضر اسم الحبيبة في نصوصك وتبكي على الأطلال في استحضار واضح للشعر الجاهلي، رغم توهج ثياب الحداثة التي ارتدتها الكثير من نصوصك فبم تفسر هذا؟
□ الدخول فحومل ليست مدينة أثرية كما يتوهم البعض، بل هي حي قائم في كل مدينة عربية. فنحن في مدننا بدو أكثر من البدو أنفسهم، وإذا كان الجاهلي يرحل حيث الماء والكلأ، مخلفا أطلالا يعود إليها دامعا مستوقفا صاحبيه، فنحن نترحل حيث يشاء الظرف السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فنخلف أطلالا نعود إليها دامعين ونستوقف عليها قراءنا. وإذا كان الطلل الجاهلي يعفو، فطللُنا يواجهنا بإسمنته وحديده حين نكون قد درسنا وأصبحنا طللا! ومحبوبتي ليست جاهلية ولا أموية. فمحبوبتي لم يطمثها إنس ولا جان ولا تشبه أيا من النساء منذ حواء حتى آخر امرأة تبلغ أنوثتها قبل أن تصيح الساعة بلحظة ونبض، وقلبي لا يعمل بالبطارية، بل يسابق الثواني حين ينفعل ويبلغ أزمانا لم تأت بعد. إن الشعر العربي نهر دمع يجري بين ضفتين من الأطلال، وأنا ربان للموج في هذا النهر، وحاديه إلى الإنسان ولست زورقا عابرا فيه، ولا غرّا لا يعرف السباحة.
■ هل ما زال للشعر دوره تجاه اللغة، من حيث كونه محافظا عليها ومجددا فيها؟ 
□ الشعر مدينة يتمشى فيها المتنبي حيّا وينام معاصرون في مقابرها، بإمكاني أن أصغي فأسمع رنين كأس أبي نؤاس وأرى الدمع الذي جرى بالكحل من عيني بثينة، وبإمكاني أن أتكلم فيسمعني من لم يولدوا وسيولدون بعد قرون، حيث أكون قد انقرضت وتحول المكان الذي أتكلم منه الى قاع صفصف، ما السر؟ إنه الشعر الذي يجعل من اللغة جسرا يصل الأجداد بالأحفاد هازئا بالزمان والمكان وبالموت نفسه.
■ كيف تشخص أزمة الشعر الآن، هل هي أزمة شعر أم نقد أم تلقٍ؟
□ الأزمة أزمة شعر، فالشعر حين يكون يكون معه التلقي، ويكون معه النقد، وما النقد إلا الإبداع في التلقي. دعك من التنظير الذي يقول للشاعر كيف تكتب، لا كان الشاعر الذي يلهث وراء مُنظّر يرسم له الطريق. القصيدة ملكة تمشي وتلهث خلفها التنظيرات، والمشكلة أن مافيا غير مرئية تحكم قوانين النشر والمنابر وتعطي انطباعا يوهم المواهب الجديدة أن هذا النمط الذي يتصدر الساحة هو الشعر، والمشكلة أن الشاب يسعى إلى النشر، ويفوته أنّ سبيكة ذهب في خزانة بخيل أثمن من الحلي المزيفة المعروضة في أرقى الفترينات. المشكلة أن الموهوب بدلا من أن يسعى لتطوير قصيدته في الظل حدَّ أن تتحول إلى شمس تضيء العالم كله وتخلق ظلالها التي تشاء، يذهل عن قصيدته ليجاري نموذجا تافها يتصدر الساحة ويتحول من مبدع إلى رجل علاقات عامة يقيم علاقات مع محررين ورؤساء مؤسسات ودور نشر. القصيدة الناجحة ليست ورقة امتحان يضع عليها محرر درجة، بل هي ورقة تقامر الزمن وتقهر المكان. إن مسوّدة قصيدة مرفوضة قد تكون أهم من ملايين الصفحات المطبوعة والمترجمة .
■ رشح اتحاد الأدباء في العراق الشاعر مظفر النواب لنيل جائزة نوبل، برأيك، ما هي معايير هذا الاختيار، وهل تتوقع أن تؤول إليه؟
□ أرى أننا نشغل أنفسنا كثيرا بنوبل، نوبل يمكن أن تكون جائزة في العلم، فالعلم واحد ونسبة السكر في الدم تنطبق على الملك والصعلوك والهندي والعربي. نوبل يمكن أن تكون جائزة في الرواية إلى حد ما، ولكن في الشعر لا يمكن! أنا دائما أقول إن الشعر نار تنطفئ في الطريق بين لغتين، وترجمته مقصلة يدخل منها النص حيّا ويخرج منها جثة. الشعر ليس قميصا ننقله من العراق إلى السويد بدون أن يتجعد كيف ننقل: «مرّينا بيكم حمد واحنا بقطار الليل» إلى أي لغة أخرى؟ النواب رمز لدى العراقيين والعرب وهذا يكفي، ونوبل لن تزيده قيراطا لدينا، ولن تُعرّف به أمما لها شعراؤها، كما أنها لم تنجح في تعريفهم لنا. ترجمة الشعر وهمٌ! قد ينجح نيرودا مثلا أن يصبح واقعا أو بودلير أو طاغور، ولكن النجاح بسيط ومؤقت ويشير إلى جهد المترجم أكثر مما يشير إلى جهد الشاعر. السياب كان يستحق نوبل بهذا المقياس ويوسف الصائغ والجواهري طبعا وعلي جواد الطاهر والنواب معهم، ولكنني أنا القارئ العراقي لا أعتقد أنها تستحقه ولا تجديه ولا تجدينا ولا تجدي العالم، وكان أولى بنا أن نكرمه نحن ومنذ عنفوان شبابه.
■ في زمن بات الشاعر يهتم لكتابة الجوائز التي تحصل عليها قبل أسماء دواوينه في سيرته الذاتية، كيف تقيم دور المسابقات الشعرية والأدبية في المشهد العربي؟ 
□ زمننا زمن المسابقات. في السابق كان بلاط الملك من يُعرّف بالشاعر، ومكرفونات القضية السياسية، وأصوات المغنّين، وأقلام النقّاد، أو صفحات مجلات كـ»الآداب» أو «شعر» على اختلافهما، في زمننا هذا المسابقات من يعرّف بالشاعر.
■ إلام تعزو التشابه الواضح في الشكل والمضمون لأغلب القصائد العمودية الشبابية في العراق، بحيث يكاد المتابع لا يميز أبا للقصيدة؟
□ إذا جاز لي أن ألبس ثوب الطبيب وأشخص هذا المرض وأشرح أعراضه فسأقول إنه مرض عربي وليس عراقيا فقط، أسبابه ضعف القدرة على النظم. نحن تعودنا احتقار النظم، وهو المحطة التي على طريق الشعر فلا نبلغه إن لم نبلغها. الحاجب على وادي عبقر لا يُدخل من لا يحمل جوازا مختوما من الخليل، شعراؤنا نسجهم مهلهل وقوافيهم ليست محكمة وعباراتهم ركيكة ويتوهمون أن فن الشعر كله هو فن رسم صورة جديدة غير مسبوقة. أي شخص يستطيع أن يدخل على مستفعلن فعلن ويرسم ولكن ماذا عن الرصانة؟ ماذا عن القافية التي هي اللمسة الأخيرة؟ ماذا عن أن الصورة خلية في جسد القصيدة الحي، وأن الشعر لعبة لها قواعدها؟ ثم إن أغلبهم بلا قضية والذي بلا قضية لا يحسن أن ينفعل، والذي لا يحسن أن ينفعل لا يحسن أن يكون شاعرا.
■ المشهد الشعري العراقي المعاصر، كيف تصفه لنا؟
□ لا أدعي أنني متابع جيدٌ، ولكن من القليل الذي أتابعه أقول: لا شاعر بمستوى الجواهري والسياب، ولا روائي بمستوى غائب طعمة فرمان، ولا ناقد بحجم علي جواد الطاهر، وأننا ننحدر متوهمين أننا نرتقي، وأن قعر الهاوية الذي ننحدر إليه نتوهمه قمة جبل بلغناه، وأننا نحتاج إلى ربيع عربي أدبي لا سياسي تكتسح عواصفه مسلماتنا الأدبية والإعلامية وتعيد تشكيلنا من جديد.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات