عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Apr-2018

أيها النظام العالمي الليبرالي: ارقُد بسلام

 الغد-ريتشارد ن. هاس

القرار الذي اتخذته أميركا بالتخلي عن الدور الذي اضطلعت به لأكثر من سبعة عقود من الزمن يمثل نقطة تحول. ومن غير الممكن أن يتمكن النظام العالمي الليبرالي من البقاء بمفرده، لأن آخرين يفتقرون إلى الاهتمام بدعمه أو السبل اللازمة لدعمه. وسوف تكون النتيجة هي العيش في عالم أقل حرية، وأقل ازدهارا، وأقل سلما، للأميركيين وغيرهم على حد سواء.
*   *   *
نيودلهي - ذات يوم، قال الفيلسوف والكاتب الفرنسي فولتير ساخرا: "بعد مسيرة اقتربت من الألف عام، لم تعد الامبراطورية الرومانية المقدسة المضمحلة مقدسة ولا رومانية ولا امبراطورية. واليوم، بعد مرور نحو قرنين ونصف القرن من الزمن تقريبا، نستطيع أن نقتبس من فولتير فنقول إن النظام العالمي الليبرالي المضمحل لم يعد ليبراليا ولا عالميا ولا نظاما.
أنشأت الولايات المتحدة، من خلال العمل الوثيق مع المملكة المتحدة ودول أخرى، النظام العالمي الليبرالي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكان الهدف ضمان عدم عودة الظروف التي أفضت إلى نشوب حربين عالميتين في غضون ثلاثين عاما إلى النشوء مرة أخرى أبدا.
لتحقيق هذه الغاية، شرعت الدول الديمقراطية في إنشاء نظام دولي يتسم بالليبرالية في استناده إلى حكم القانون واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها. وكان المفترض أن تحظى حقوق الإنسان بالحماية. وكان يجب تطبيق كل هذا على كوكب الأرض بأسره؛ وفي الوقت نفسه، كانت المشاركة مفتوحة وطوعية للجميع. وبنيت المؤسسات لتعزيز السلام (الأمم المتحدة)، والتنمية الاقتصادية (البنك الدولي) والتجارة والاستثمار (صندوق النقد الدولي وما أصبح بعد سنوات منظمة التجارة العالمية).
كان كل هذا وأكثر مدعوماً بالقوة الاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، وشبكة من التحالفات عبر أوروبا وآسيا، والأسلحة النووية التي خدمت كرادع للعدوان. وهكذا، لم يكن النظام العالمي الليبرالي قائما على المثاليات التي تعتنقها الديمقراطية فحسب، بل وأيضا على القوة الصارمة. ولم يفت أي من هذا على الاتحاد السوفياتي الذي لم يكن ليبراليا بكل تأكيد، والذي كان تصوره مختلفا بشكل جوهري لما ينبغي أن يشكل النظام في أوروبا ومختلف أنحاء العالَم.
مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، بدا النظام العالمي الليبرالي أكثر قوة من أي وقت مضى. أما اليوم، بعد مرور ربع قرن من الزمن، فقد أصبح مستقبل هذا النظام موضع شك. والواقع أن عناصره الثلاثة -الليبرالية، والعالمية، والحفاظ على النظام ذاته- تواجه اليوم تحديات لم يسبق لها مثيل في تاريخه الممتد طوال سبعين عاماً.
الليبرالية الآن في تقهقر. وتستشعر الديمقراطيات التأثيرات المترتبة على النزعة الشعبوية المتنامية. وقد كسبت أحزاب سياسية متطرفة الأرض في أوروبا. ويشهد التصويت في المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي على خسارة النفوذ النخبوي. وحتى الولايات المتحدة تشهد هجمات غير مسبوقة من رئيسها على وسائل الإعلام في البلاد، والمحاكم، ومؤسسات إنفاذ القانون. وأصبحت أنظمة استبدادية، ومنها الصين وروسيا وتركيا، أشد استبداداً. ويبدو أن بعض الدول مثل المجر وبولندا لم تعد مهتمة بمصير ديمقراطياتها الفتية.
أصبح من الصعب على نحو متزايد أن نتحدث عن العالَم وكأنه كل متكامل. فنحن نشهد ظهور أنظمة إقليمية -أو بشكل أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط فوضى إقليمية- وكل منها تحمل سمات خاصة. وتُمنى المحاولات لبناء أطر عالمية بالفشل. كما أصبحت نزعة الحمائية في ازدياد؛ ولم تبلغ الجولة الأخيرة من محادثات التجارة العالمية مرحلة الإثمار قَط. ولا تحكم استخدام الفضاء السيبراني سوى قِلة قليلة من القواعد.
من ناحية أخرى، يعود الآن تنافس القوى العظمى. فها هي روسيا تنتهك أبسط معايير العلاقات الدولية عندما استخدمت القوة المسلحة لتغيير الحدود في أوروبا، وانتهكت سيادة الولايات المتحدة من خلال الجهود التي بذلتها للتأثير على انتخابات العام 2016. واستهزأت كوريا الشمالية بالإجماع الدولي القوي ضد انتشار الأسلحة النووية. ووقف العالَم موقف المتفرج إزاء الكوابيس الإنسانية في سورية واليمن، ولم يفعل شيئا يُذكَر في إطار الأمم المتحدة أو أي إطار آخر في الرد على استخدام الحكومة السورية لأسلحة كيميائية. وتحولت فنزويلا إلى دولة فاشلة. واليوم، أصبح واحد من كل مائة شخص في العالم لاجئاً خارج بلده أو نازحا داخلها.
الأسباب عديدة وراء كل هذه الأحداث، ولماذا تحدث الآن. كان صعود النزعة الشعبوية في جزء منه استجابة للدخول الراكدة وخسارة الوظائف، وهو ما يرجع في الأغلب إلى التكنولوجيات الجديدة، ولكنه يُعزى على نطاق واسع إلى الواردات والمهاجرين. وأصبحت النزعة القومية أداة يستخدمها القادة بشكل متزايد لتعزيز سلطتهم، وخاصة في ظل ظروف اقتصادية وسياسية عصيبة. وفشلت المؤسسات العالمية في التكيف مع موازين القوى والتكنولوجيات الجديدة.
لكن إضعاف النظام العالمي الليبرالي يرجع في المقام الأول إلى تغير موقف الولايات المتحدة. ففي عهد الرئيس دونالد ترمب، قررت الولايات المتحدة عدم الانضمام إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ والانسحاب من اتفاق باريس للمناخ. كما هددت بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية والاتفاق النووي مع إيران. وفرضت الولايات المتحدة من جانب واحد تعريفات الصلب والألمنيوم، مستندة في ذلك إلى مبرر الأمن القومي الذي قد يستخدمه آخرون، فيُصبِح العالَم عُرضة لحرب تجارية. كما أثارت التساؤلات حول مدى التزامها بمنظمة حلف شمال الأطلسي وغير ذلك من علاقات التحالف. وهي نادرا ما تتحدث عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان. ومن الواضح أن شعار "أميركا أولا" لا يتوافق مع النظام العالمي الليبرالي.
ليس المقصود من كل هذا أن أخص الولايات المتحدة بالانتقاد. ذلك أن القوى الكبرى الأخرى في العالَم اليوم، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، والهند، واليابان، تستحق الانتقاد بسبب ما تفعله، أو تمتنع عن فعله، أو الأمرين معاً. لكن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة أخرى. بل كانت المهندس الرئيس للنظام العالمي الليبرالي وداعمه الرئيسي. كما كانت أيضا المستفيد الرئيسي منه.
لذلك، فإن القرار الذي اتخذته أميركا بالتخلي عن الدور الذي اضطلعت به أكثر من سبعة عقود من الزمن يمثل نقطة تحول. ومن غير الممكن أن يتمكن النظام العالمي الليبرالي من البقاء وحده، لأن الآخرين يفتقرون إلى الاهتمام بدعمه أو السبل اللازمة لدعمه. وسوف تكون النتيجة الحياة في عالَم أقل حرية، وأقل ازدهاراً، وأقل سلماً، للأميركيين وغيرهم على حد سواء.
 
*رئيس مجلس العلاقات الخارجية، شغل سابقاً منصب مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية (2001-2003) ، وكان المبعوث الخاص للرئيس جورج دبليو بوش إلى أيرلندا الشمالية ومنسقًا لمستقبل أفغانستان. وهو مؤلف كتاب "عالم في الفوضى: السياسة الخارجية الأميركية وأزمة النظام القديم".
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات