عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Apr-2018

كيف يمكن إعادة إحياء الديمقراطية *

 الغد-ريكاردو هاوسمان

لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية مستقرة في فنزويلا إذا كان يجب عليها أن تتعايش مع حزب سياسي شمولي، تنافسي وكبير عاكف على تدميرها، يعتمد تمويله على نخبة فاسدة تستفيد من غسل الأموال. ومن شأن هذا التعايش أن يحول دون الانتعاش الاقتصادي القوي أو الدائم، لأنه سيحد من مصداقية الحقوق الفردية. ولضمان ديمقراطية ليبرالية، يجب على فنزويلا أن تتخلص ليس فقط من النظام وأتباعه، بل أيضا النظرة العالمية التي وضعتهم في السلطة
*   *   *
كمبريدج - تبدو بعض الأشياء في الحياة واضحة عندما ننظر إلى الحقائق. ويتمثل التحدي الأكبر في فهم الأحداث والاتجاهات قبل حدوثها، وهو أمر مهم بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بنهاية الديمقراطية.
في كتابهما الجديد الممتاز "كيف تموت الديمقراطية"، استخدم أساتذا هارفارد، ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات، الخبرة الدولية لدراسة هذه المسألة. وفي الحالات الأخيرة، مثل هنغاريا وبولندا وتركيا وفنزويلا، أو في الحالات القديمة مثل إيطاليا وألمانيا والأرجنتين وبيرو، لم تمت الديمقراطية بسبب الإطاحة بحكومة منتخبة، وإنما ماتت بسبب عمل القادة المنتخبين.
يبدو أسلوب العمل متشابها إلى حد كبير. فالديماغوجي الشعبوي المنتخب يزيل أو يضعف آليات السيطرة والتوازن في سلطته من خلال تقويض استقلال القضاء والهيئات الأخرى، وتقييد حرية الصحافة، وتقويض مجال المنافسة لتسهيل الفوز في الانتخابات، ونزع الشرعية عن المعارضين السياسيين وسجنهم.
بشكل خاص، قدمت فنزويلا العديد من الدروس التي ذكرها ليفيتسكي وزيبلات: فقد انهارت ديمقراطيتها بالفعل. والسؤال المطروح هو كيف يمكن إعادة إحيائها -وهو تحد يزداد صعوبة بسبب التضخم الجامح والكارثة الإنسانية التي تمر بها البلاد. هل يجب على فنزويلا تأجيل إعادة تأسيس الديمقراطية والتركيز على الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو وإحياء الاقتصاد، أم ينبغي عليها إعادة تأسيس الديمقراطية قبل معالجة المشاكل الاقتصادية؟
يكشف هذا السؤال عن التناقضات الأساسية للديمقراطية الليبرالية، التي ناقشها داني رودريك مؤخرا. فبعد كل شيء، تقوم الليبرالية الكلاسيكية على الحماية المتساوية للحقوق غير القابلة للتصرف، مثل حق الحياة والحرية والملكية، في حين تقوم الديمقراطية على حكم الأغلبية، والتي يمكن أن تطغى على حقوق الأقليات، بما في ذلك الرأسماليين، ورجال الأعمال، وذوي المهارات العالية. وهذا ما فعله مادورو، مثلما فعل سلفه هوغو شافيز.
تاريخيا، سبقت الليبرالية الديمقراطية في أوروبا. وكما أوضح جان- فيرنر مويلر من جامعة برينستون في كتابه "مساومة الديمقراطية"، فإن الجمع بين هذين المبدأين، والذي حدث عندما تم توسيع حق التصويت في أواخر القرن التاسع عشر، أدى إلى توليد مجتمع غير مستقر. فمن جهة، هناك خطر مما أطلق عليه فريد زكريا "الديمقراطية غير الليبرالية": الحكومات المنتخبة التي لا تحترم الحقوق المدنية. ومن ناحية أخرى، هناك ما تسميه ياشا مونك من جامعة هارفارد، في كتابها المنشور حديثا، "الليبرالية غير الديمقراطية": الأنظمة التي تحمي الحقوق الفردية والمساواة القانونية، ولكن ذلك يفوض السياسات العامة إلى الكيانات التكنوقراطية التي لم يتم انتخابهم، مثل البنوك المركزية والمفوضية الأوروبية.
في معظم البلدان، تعتمد رفاهية الأغلبية على رغبة الرأسماليين ورجال الأعمال والإداريين والمهنيين الذين هم على استعداد لتنظيم الإنتاج وخلق فرص العمل. لكن من غير المرجح أن تقوم هذه النخب بذلك من دون حماية حقوقها المدنية وممتلكاتها. ومن خلال تنظيم الإنتاج عبر الدولة، يمكن تفسير الشيوعية على أنها محاولة عدم الاعتماد على هذه النخب. لكن استبعادهم سيؤدي إلى نقص في رأس المال المالي والمعرفة. ولذلك، فإن أحد المبادئ الأساسية التي تشكل جوهر الديمقراطية الليبرالية هو الاعتراف بالحقوق التي تقدّرها الأقليات الرئيسية والتي تعتبر أساسية لتوليد فوائد أوسع.
إن ما حدث في فنزويلا يمكن فهمه على أنه عملية من خطوتين، حيث تم تدمير الليبرالية أولاً، لإضعاف النخب المنتجة. وقد تحقق ذلك من خلال القضاء على حقوق الملكية في الممارسة، مما أدى إلى خروج مفزع لأولئك الذين يستطيعون تنظيم الإنتاج. وليس من قبيل المصادفة أن هذه العملية تزامنت مع طفرة نفطية ودين خارجي ضخم.
أقنعت وفرة الدولار الزمرة الحاكمة بأن الدولة يمكن أن تحل محل النخبة المنتجة، من خلال التأميم وغيره من أشكال الملكية الجماعية. وفي واقع الأمر، لم يكن ذلك ممكنا، لكن سيلا من الواردات الرخيصة أخفى عدم كفاءة إنتاج الدولة. وبينما استمر السراب، تمكن النظام من إجراء انتخابات تنافسية بشكل معتدل: فقد أصبحت البلاد ديمقراطية وغير ليبرالية.
ولكن، عندما انخفض سعر النفط في العام 2014، سقط القناع وانهار الاقتصاد. وبحلول كانون الأول (ديسمبر) 2015، انتخب المقترعون جمعية وطنية ذات أغلبية معارضة من الثلثين، مما يبين لمادورو وأتباعه أنه حتى الديمقراطية غير الليبرالية لن تكفي لإبقائهم في السلطة. وفي ذلك الوقت، أصبحت فنزويلا ديكتاتورية حقيقية.
وإذن، كيف يمكن إحياء الديمقراطية؟ نظراً للأزمة الإنسانية، تحتاج فنزويلا إلى انتعاش اقتصادي سريع، وهو أمر مستبعد ما لم تتم استعادة حقوق الملكية بشكل موثوق به. ولكن كيف سيكون هذا ممكناً في سياق حكم الأغلبية؟ ما الذي سيمنع أغلبية انتخابية في المستقبل من الاستيلاء على الأصول مرة أخرى بعد الانتعاش الاقتصادي، كما حدث في زيمبابوي أثناء وبعد اتفاق التعايش بين العامين 2008 و2013؟ وكيف يمكن للنظام أن ينشئ حقوق ملكية دائمة نسبياً من دون أن يحمي في نفس الوقت حقوق الغنائم التي اكتسبتها البرجوازية الفاسدة تحت حكم شافيز ومادورو؟
يحذر ليفتسكي وزيبلات أن الديمقراطية تتطلب من المنافسين السياسيين الامتناع عن التصرف بطريقة غير متعاونة للغاية. وقد تم إضفاء الطابع الرسمي على هذا النظام القائم على الاعتراف المتبادل والتسامح، في فنزويلا في العام 1958، من خلال معاهدة "بونتو فيجو"، التي أسست للديمقراطية لمدة 40 عاماً، إلى أن قوضها شافيز ودمرها. ولا تعترف مثل هذه الاتفاقيات بالمنظمات التي تعارض الديمقراطية.
اختفت الديمقراطية الأسبانية في الثلاثينات لأن نظام الاعتراف المتبادل بين الفاشيين والمحافظين والليبراليين والشيوعيين كان مستحيلاً. وبعد الحرب العالمية الثانية، كانت الديمقراطية في ألمانيا الغربية تتطلب عملية "نكران" لإلغاء النظرة العالمية التي أدت إلى الكارثة. كما يناقش فريدريك تايلور في كتابه "طرد إيرل هتلر"، فإن رفض الأيديولوجية النازية على مستوى المجتمع لم يحدث بين عشية وضحاها، وإنما تطلب عملا سياسيا متضافرا. وبعد كل شيء، في العام 1952، كان 25 % من الألمان الغربيين ما يزال لديهم رأي إيجابي بهتلر، و37 % كانوا يعتقدون أن بلادهم هي أفضل حالا من دون يهود.
وبالمثل، في فنزويلا اليوم، سيكون من المستحيل إعادة تأسيس الديمقراطية الليبرالية إذا سمح للنظام الحالي بالتراجع عن الديمقراطية ومصادرة الحقوق مرة أخرى. ويعتمد انتعاش فنزويلا على قدرتها على ترجمة الكارثة الحالية إلى مجموعة من المعايير الاجتماعية الجديدة على النحو التالي: "لن نعود أبدًا إلى..."
لن تكون هذه هي المرة الأولى التي تنشأ فيها تابوهات جديدة في أمريكا اللاتينية عن الآثار الاقتصادية. وفي البيرو، عززت دروس التضخم الجامح خلال فترة رئاسة ألان غارسيا الأولى لمدة 25 سنة الاستقرار الاقتصادي الكلي، على الرغم من بنية حزبية ضعيفة.
وفي فنزويلا، سيكون الدرس الاجتماعي من هذا النوع أكثر صعوبة مما كان عليه في ألمانيا. فعلى النقيض من هتلر، توفي شافيز قبل سقوط القناع الاقتصادي، الأمر الذي سهل إدانة مادورو من دون فهم العلاقة بين سياسات شافيز والكارثة الحالية.
وفي النهاية، لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية مستقرة في فنزويلا إذا كان يجب عليها أن تتعايش مع حزب سياسي شمولي كبير يعتمد تمويله على نخبة فاسدة تستفيد من غسل الأموال. ومن شأن هذا التعايش أن يحول دون الانتعاش الاقتصادي القوي أو الدائم، لأنه سيحد من مصداقية الحقوق الفردية. ولضمان ديمقراطية ليبرالية، يجب على فنزويلا أن تتخلص ليس فقط من النظام وأتباعه، بل أيضا من النظرة العالمية التي وضعتهم في السلطة.
 
*وزير التخطيط السابق في فنزويلا، وكبير خبراء الاقتصاد السابق في بنك التنمية الأميركي، وهو مدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد، وأستاذ الاقتصاد في كلية كينيدي بجامعة هارفارد
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات