عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jul-2018

إنهم قوم جدليون... إنهم يلوكون الماء ويمضغون الهواء *حسني عايش

 الغد-“ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور في قلبه يتسم دائما بالإثم، فملأ قلبه الأسف والحزن لأنه خلق الإنسان. وقال الرب: “أمحو الإنسان الذي خلقته عن وجه الأرض مع سائر الناس والحيوانات والزواحف وطيور السماء، لأني حزنت أني خلقته. أما نوح فقد حظي برضى الرب”.(سفر التكوين: 6 : 8).

وفي نقاش إبراهيم مع الرب يقول له: “أيها السيد الرّب أي خير في ما تعطيني وأنا من غير عقب ووارث... إنك لم تعطني نسلاً، وها هو عبد مولود في بيتي يكون وارثي”، فأجابه الرب: “لن يكون هذا لك وارثاً، بل الذي يخرج من صلبك يكون وريثك”. (سفر التكوين: 15 : 4).
وقال له: “أنا هو الرب الذي أتي بك من أور الكلدانيين لأعطيك هذه الأرض ميراثاً”، فسأل: “كيف أعلم أني أرثها؟” (سفر التكوين: 15 : 7).
في ذلك اليوم عقد الله ميثاقاً مع أبرام قائلاً: “سأعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات”. (سفر التكوين: 15 : 18).
ولما صمم الله على تدمير سدوم وعمورة لأن الشكوى ضد مظالمهما قد كثرت، وخطيئتهما قد عظمت جداً. اقترب إبراهيم من الرب وقال: “أتهلك البار مع الآثم؟... فقال الرب: “إن وجدت في سدوم خمسين باراً فإنني أصفح عن المكان كله من أجلهم”. ثم سأل إبراهيم الرب وقال: “ماذا لو نقص الخمسون باراً خمسة؟ أفتهلك المدينة كلها من أجل الخمسة؟” فأجابه: “إن وجدت خمسة وأربعين باراً لا أهلكها”. فخاطبه إبراهيم ثانية: “وماذا لو وُجد هناك أربعون باراً فقط؟”. فأجابه: “لا أهلكها من أجل الأربعين”. وقال إبراهيم – وكأن الرب غضب -: “لا يغضب المولى، بل دعني أتكلم، ماذا لو وجد هناك ثلاثون باراً؟” فأجابه: “لا أهلكها إن وجدت ثلاثين”. وقال إبراهيم: “ها أنا قد استرسلت في الكلام أمام المولى، فماذا لو وجدت هناك عشرين باراً؟” فقال: “لا أهلكها من أجل العشرين” فقال إبراهيم: “لا يغضب المولى، فأتكلم مرة أخرى: ماذا لو وجد هناك عشرة؟” فأجاب الرب: “لا أهلكها من أجل العشرة”. وعندما فرغ الرب من محادثة إبراهيم مضى، ورجع إبراهيم إلى مكانه. (سفر التكوين: 18/ 20-33) .
وليس هذا فحسب، فالتوراة تعتقد أن يعقوب صارعه إنسان حتى مطلع الفجر، “وعندما رأى أنه لم يتغلب على يعقوب، ضربه على حق فخذه، فانخلع مفصل فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال له: “أطلقني، فقد طلع الفجر”، فأجابه يعقوب: “لا أطلقك حتى تباركني”. فسأله: “ما اسمك؟” فأجاب: “يعقوب”. فقال: “لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب، بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت”. فسأله يعقوب: “أخبرني ما اسمك؟” فقال: “لماذا تسأل عن اسمي؟” وتركه هناك. (سفر التكوين: 32/ 24 - 30).
وفي تفسيرهم لهذا الأمر يرى كثيرون من الحاخامات أن المصارع هو الله، فيما يرى آخرون أنه ملاك، وآخرون: إنه صراع إبراهيم مع ضميره. فيما تقول أقلة قليلة إنه صراع بين الله (الدين) والعلم (روبرت ونستون).
ويتكرر الجدل بين الله وموسى فعندما ذهب موسى ليستطلع النار في وسط العليقة ليستطلع: لماذا لا تحترق مع أن النار مشتعلة فيها، ناداه الله من وسط العليقة قائلاً: “موسى”. فقال: “ها أنا”. فقال: “لا تقترب إلى هنا اخلع حذاءك من رجليك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة”. ثم قال: “أنا هو إله أبيك إبراهيم، وإله إسحق، وإله يعقوب”. وبعد أن بين له أنه سينقذ شعبه من العبودية في مصر فيخرجهم منها إلى أرض كنعان قال له موسى: “من أنا حتى أمضي إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر؟ فأجاب: “أنا أكون معك...” فقال موسى لله: “حينما أقبل على بني إسرائيل، وأقول لهم: إن إله آبائكم قد بعثني إليكم وسألوني: ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟” فأجابه الله: “أهيه الذي أهيه” ومعناه: أنا الذي هو أنا...
فقال موسى: “ماذا إذا لم يصدقوني ولم يصغوا إلي وقالوا: إن الرب لم يظهر لك؟” فسأله الرب: “ما تلك التي بيدك؟” فأجاب: “عصا”. فقال: “ألقها على الأرض” فألقاها فإذا هي حية، فهرب منها موسى. فقال الرب لموسى: “مد يدك واقبض عليها من ذيلها” فمد موسى يده وقبض عليها، فارتدت عصاه في يده.
ثم قال الرب أيضاً: “أدخل يدك في عُبك”. فأدخل يده في عبه. وعندما أخرجها إذا بها بيضاء كالثلج. وأمره الرب: “رد يدك إلى عبك ثانية” فرد يده إلى عبه ثانية ثم أخرجها من عُبه، وإذا بها قد عادت مثل باقي جسمه...
فقال موسى للرب: “اصغ يا رب، أنا لم أكن في يوم من الأيام فصيحاً، لا في الأمس، ولا منذ أن خاطبت عبدك. إنما أنا بطيء النطق عيي اللسان”. فقال الرب له: “من هو باريء فم الإنسان؟ أو من يجعله أخرس أو أصم أو كفيفاً؟ ألست أنا الرب؟ فالآن انطلق فألقن فمك النطق، وأعلمك ماذا تقول”. لكن موسى أجاب: “يا سيّد، أتوسل إليك أن ترسل من تشاء غيري”، فاحتدم غضب الرب على موسى وقال: “أليس هارون اللاوي أخاك؟ أنا أعلم أنه يحسن الكلام... فيخاطب الشعب عنك ويكون لك بمثابة فم وأنت تكون له بمثابة إله، وخذ بيدك هذه العصا لتصنع بها المعجزات. (سفر الخروج: 3: 1 -22 ، 4: 1-17).
ثم يخاطب الرب موسى وهارون فيقول لموسى: “أنا جعلتك كإله لفرعون، وهارون أخوك يكون كنبي لك”... وهكذا أوقعا سبع ضربات في مصر بدءاً من ضربة الدم، فضربة الضفادع، فغزو البعوض، وسراب الذباب، وإهلاك المواشي، والدمامل المتقيحة، وسقوط البرد فالتهديد بالضربة الأخيرة التي تعني قتل جميع الأبكار من المواليد، التي فتكت بمصر ليجبرا فرعون على إطلاق اليهود منها.
وهكذا هرب بنو إسرائيل من مصر بعد أن شقّ موسى البحر بعصاه، وهناك في سيناء تم اللقاء بين الرب وموسى على قمة جبل سيناء بعد أن ناداه الرب ليصعد إليه، مطالباً له بتحذير الشعب من اقتحام الجبل ليروه، كيلا يهلك كثيرون، فقال موسى للرب: “لا يقدر الشعب أن يصعد إلى جبل سيناء، لأنك أنت قد حذرتنا قائلاً: أقم حدوداً حول الجبل وقدّسه”. (سفر الخروج: 19/20 - 23).
وهكذا نجد أنبياء اليهود و(بالتالي اليهود) في جدل مع الله كما يقول الطبيب والمفكر اليهودي روبرت وينستون في كتابة:The Story of God, 2005 بدءاً من إبراهيم مروراً بموسى وانتهاء بأيوب الذي ظلّ يتجادل مع الله على ما أصابه من كوارث، ويطلب من الله تفسيراً لها واصفاً ما دار بينه وبين الله (يهوى) بمصارعة إلهية (Divine Wrestling Match). ويضيف: ان هذا التفكير الجدلي صفة نادرة أو خاصة باليهود / اليهودية، فنحن لا نعلم عن أي دين آخر في العالم يتعرض فيه الله للمساءلة والفحص والإختبار “.
إنها عقلية يهودية مختلفة عن أي عقلية أخرى تكونت عبر الأيام والسنين بالتربية التوراتية التي شكلتهم وبالتلمود الذي يعكس الخلق اليهودي في الجدل أكثر مما تعكسه التوراة.
ولأننا لا نقرأ توراتهم وتلمودهم ولا نطلع على أدبياتهم وفكرهم، فإننا لا نعرفهم جيداً، معتبرينهم مثلنا – إجمالاً - في العادات والتقاليد والفكر، مع أنهم يلوكون الماء ويمضغون الهواء ويملكون النفس الطويل، بينما تقوم ثقافتنا/ فكرنا على السمع والطاعة والنفس القصير. ولأننا لم ولا نفهمهم فإننا نقع في مطباتهم الكثيرة.
أنصح كل مسلم، وكل مثقف بالإطلاع على التوراة والتلمود والإنجيل ليفهم ويفسّر..
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات