عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Apr-2017

سرد الثورات العربية ... من قريب ومن بعيد* شيرين أبو النجا

الحياة-كلما اقتربنا من الصورة ضاعت التفاصيل، كانت هذه الفرضية مسلماً بها، فاعتدنا دائماً أن ننتظر مرور العاصفة ليبدأ الكاتب في سرديته ولنقرأ نحن رؤيته. كيف يمكن الكتابة عن العاصفة/ الثورة/ الحرب في لحظة وقوعها؟ لابد من مسافة زمنية وأحيانًا جغرافية لتأمل ما خلفته العاصفة، حجم الدمار، المسار الذي اختارته لنفسها، وأخيراً ما فعلته في أرواحنا، ما إذا كانت منحتنا الأمل أم اليأس أم أنها أجبرتنا على إعادة صياغة رؤيتنا لأنفسنا والعالم.
 
بعد اندلاع الثورة المصرية في 2011، وبعدما استيقظنا من حلم وردي قصير، طُرح سؤال عن «أدب الثورة»، ولم يكن لديّ ما أقوله. لم أفهم كيف يتوجب على ثمانية عشر يوماً من الاعتصام أن تنتج في شكل مفاجئ لغة سردية مختلفة. لكنّ آخرين كانت لديهم أجوبة عميقة، أجوبة أبهرتني بقدرتها على التنظير لما هو غير كائن ماديًا. وكانت النتيجة ظهور روايات تُعيد رصد تفاصيل ما وقع فعلياً، ولا أقول إن الرصد غير مهم، بل ما أدهشني هو استعداد الكاتب للتضحية بالتخييل السردي من أجل رصد واقع معيش. نجح القلائل في تجنب السقوط في هذا الفخ، وكان منهم عز الدين شكري الذي تجاوز ما وقع في 2011 وأكمل سنوات بعدها في روايته «باب الخروج».
 
تخف الدهشة عندما ندرك أنّ ما وقع في 2011 كان له سحر جمعي خاص لن يغيب أبدًا، فلم يكن أمام الكاتب أي اختيار سوى تسجيل ما حدث. بعد مرور ما يزيد عن ستة أعوام يمكننا أن نتلمس ظهور روايات الديستوبيا حثيثاً في العالم العربي، وهو جنس أدبي يؤشر إلى أننا بدأنا نوسع مجال الرؤية، عدنا إلى الخلف خطوات عدة لنرى في شكل أوضح، ما يسمح للكاتب باستشراف المستقبل أو إعادة صياغة واقع قمعي في شكل رمزي، وهو ما فعله المصري محمد ربيع في «عطارد»، والعراقي أحمد سعداوي في «فرانكشتاين في بغداد».
 
أما الحرب الأهلية اللبنانية، التي اتخذ منها دائماً نموذجاً لتغيير المشهد الأدبي، فكانت مختلفة نوعاً ما، بحيث دارت رحاها على مدار فترة زمنية طويلة، ولم يتردد أي لاعب سياسي محلي أو دولي في المشاركة فيها. لكنها أنتجت بعد فاصل زمني كبير أدبًا راسخًا، متأملاً في ذاته وكاشفاً عن هواجسه ومخاوفه، وربما يكون الجيل الروائي الراسخ في لبنان الآن هو ببساطة ذاك الجيل الذي عاش الحرب، وجهاً لوجه، سقطت قذائفها بالقرب من أذنيه، وربما يكون فَقَد من يعرفهم في قتلٍ على الهوية أو خطف من أجل الفدية. هو جيل مازال يتأمل في ما وقع ولا يزال لديه الكثير في جعبته. وهو الجيل الذي ترد عليه سحر مندور بوضوح في روايتها «32»، فتطرح رؤية جيل يتنصّل من كل شبهات الطائفية الدينية والسياسية.
 
قد تكون الظروف الموضوعية متشابهة بين لبنان والعراق، تحديدًا من ناحية البعد زمنياً عن الحدث، وإن كان المشهد الروائي العراقي قد سجل ما وقع في 2003. إلا أن السرديات الأخيرة التي تظهر من العراق تنتمي في شكل أو آخر الى «أدب النوار»، وهو جنس يعتمد على تتبع جريمة، ما يكشف الكثير من الفساد المتغلغل في المؤسسات. فالسردية التي تنتمي الى هذا الجنس تستحيل شكلاً من المقاومة عبر الكشف والفضح. ويمكن اعتبار «فرانكشتاين في بغداد» سردية نوار، لكونها كشفت عن السوس الذي ينخر جسد السلطة المتواطئة مع الاحتلال، وذلك عبر البحث عن فرانكشتاين. وأيضاً، رواية «مقتل بائع الكتب» لسعد محمد رحيم (ضمن القائمة القصيرة للبوكر)، التي قدمت مدينة بعقوبة الى القارئ العربي، تلك المدينة التي اقترن اسمها في نشرات الأخبار بالتفجيرات والسيارات المفخخة. إنها رواية يقوم فيها صحافي شهير بتأليف كتاب عن بائع كتب تم اغتياله في مدينة بعقوبة، وعبر البحث عن تفاصيل حياة الرجل تتكشف العديد من الأطراف التي ساهمت في اغتيال الشعب العراقي معنوياً وثقافيًا، لم يكن قد تعرف عليها إلاّ في نشرات الأخبار.
 
أكثر ما يلفت النظر في المشهد الروائي العربي هو السردية السورية، التي انطلقت بقوة في أثناء الحدث- الذي لا يزال شاهراً أسلحته وعدد القتلى- فهذه الثورة المغدورة لم تنتظر انتهاء أي شيء، ولم تتراجع خطوتين إلى الخلف، بل انطلقت عبر السرد لتقدم مجموعة من أمتع ما قرأت. كأن الكاتب السوري والكاتبة السورية كانا محملان بشحنة سردية محبوسة في قمقم، خرج المارد ولم يتوقف حتى هذه اللحظة.
 
يلحظ القارئ الفارق بين ما أنتجته الثورة المغدورة في سورية وما أنتجته الثورة المبتورة في مصر. تلك الأخيرة استمدت سحرها من التلاحم الجمعي، استمدت قوتها من هدم الحواجز بين الأفراد، فتألقت الجماعة كجسد واحد. وما كان يُمكن الكاتب أن يقدم سردية تضع الفرد في المركز، كان لابد من إعادة الاعتبار للجماعة وهو ما يعني تسجيل خبرات الكاتب الذي التحم بهذه الجماعة ما أضعف عنصر التخييل.
 
أما الثورة السورية- المغدورة- فدفعت الفرد إلى ايجاد خلاصه اليومي من جحيم مستعر، فجاءت السرديات السورية معتمدة على شعور الفرد- الذي احتل مركز السرد- ووعيه، ورؤيته الى العالم المتداعي من حوله، على خلفية التخييل الذي ينهل من الواقع ثم يفارقه. بذلك تحفر السردية السورية مكاناً للفرد الذي فقد كل العالم الذي يعرفه. تتحول الكتابة إلى مكان لإعلان الوجود المادي والمعنوي، بالإضافة إلى كونها مساحة إعلان المواقف وإعادة النظر في كل ما وقع. لقد ساعد على تواجد العديد من الكتاب والكاتبات السوريين في المنافي، فكانت مهمة السرد هي الحفاظ علي ذاكرة مكان، وإعادة تشييد ما تهدم. أنجزت الرواية السورية هدفاً مزدوجاً، فقد انطلقت وهي قريبة وكتبت وكأنها بعيدة.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات