عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Jun-2018

مارغريت دوراس والحُب في عالم بلا صفات

 القدس العربي-كه يلان مُحَمد

 مهما جنح الخيالُ بالأدباء والمبدعين، وحاولوا نحت صور وأشكال تعبيرية جديدة مُفارقة لما تربت عليه الذائقة، يصعب الخروج من أطر الواقع، والابتعاد عن مؤثراته، حتى ما يُسمى بالعبث والعدمية ما هو إلا تعبير عن معايشة المبدع لواقعه. لذا فإن الموجات التي تشهدها الحياةُ الأدبية انعكاسُ لسيرورة الواقع. 
وكانت الطليعة التي مثلت اتجاها جديداً في الرواية، أمثال آلان روب غرييه، ناتالي ساروت، ميشيل بوتور، تبلورَ في نتاجاتهم الإبداعية وتنظيراتهم، نموذجُ جديد من الكتابة الروائية، يخالفُ في تراكيبه ومكوناته السردية، ما شكلَ مرتكزاتِ أساسية في مُحترف أسلافهم. انتفضُ دعاة الرواية الجديدة على عناصر الحكاية والحدث والشخصية، إذ أعلنت ناتالي ساروت فقدان الشخصية للشيء الثمين الذي تتميزُ به، طباعها وحتى اسمها. 
يبدو أن الروائية الفرنسية مارغريت دوراس التي كانت محسوبةً على هذه الجماعة ترمي من خلال روايتها الموسومة بـ«الحب» تصميم مادتها بناءً على مواصفات الرواية الجديدة. بخلاف ما يجدهُ القارئ في «العاشق» التي فازت بجائزة (غونكور) حيثُ ضمنتها صاحبة «مرض الموت» سيرة حياتها، لاسيما مرحلة الطفولة التي عاشتها في فيتنام وتجربتها العاطفية مع الشاب المُنحدر من الهند الصينية، ومرارة الفقر، لاسيما عقب موت الأب، ما يعني انفراط عقد الأسرة، كل هذا يأتي في سياق النص الروائي. صحيح أنَّ المؤلفة في «العاشق» أيضا لا تُسمي شخصياتها ولا تبرزُ دور الحدث وما يستتبعه من التحولات، لكن يمكنك تحديد وظيفة شخصيات العمل، والانتقالات التي تمرُ بها الشخصية الأساسية، تتكفلُ بسرد الحكاية، مع التنوع في الصيغ السردية، وبالتالي فإن السردَ يتسلسلُ منتظماً مع توارد الإشارات إلى بيئة باريس وشخصيات فرنسية، والأهمُ من ذلك هو تعيين البنية المكانية والزمانية. بينما تختفي هذه الخصائصُ في رواية «الحب».
 
مُناخ غائم
 
يطالعك في بداية الرواية مشهد سكوني، إذ يكون الراوي مُراقِباً لرجلٍ واقف على الشاطئ يصفُ ملامحهُ وشكله مع ذكر عناصر الخلفية المَكانية، وهي عبارة عن الحفر وبقايا من المياه الراكدة، ومن ثُمَّ ينتقلُ إلى ما يقابله وهو شخص آخر على مرمى عين الراوي، بدون أن يتبينَ شكله بالوضوح، غير أنَّه يتحركُ في مسافة مُحددة جيئةً وذهاباً، ما يوحي بانقطاعه من محيطه. يستمرُ الراوي غير الظاهر في المتابعة ونقل ما يقع في حدود رؤيته. تُضاف شخصية أخرى إلى المشهد، وهي امرأةُ جالسةُ على يسار الشاطئ، إذ لا يلتقطُ القارئ ما يشير إلى وجود التواصل بين الأطراف الثلاثة، ولا يُهمَلُ رصدُ تعاقب أحوال الطبيعة، ويظلُ الصمتُ جاثماً على المكان، وما لا يتغيرُ هو حركة الشخص الذي لا يخرجُ عن مداره، لذا ينعتُه الراوي بالمجنون السجين، وما أن تُسْمَعُ صرخة حتى ينفتحُ مجال للتواصل بين المرأة والرجل الأول، إذ بعدما تتأكد بأن الصوت وقد تناهى إلى الرجل، تسأل الأخير عن توقيت وصوله إلى الشاطئ وتعقبُ بتوضيح عن اسم المكان، مشيرةً إلى أنه هنا يدعى أس. تالا. ومن ثُم ينضمُ الرجل المُنهمك في مشيته إلى الاثنين. ويتبادلُ الكلام مع المسافر سائلاً إياه عن مكان الإقامة، ولا يبحثُ عن الأجوبة لبعض أسئلته، كأنَّ ما يهمه هو مجرد الإحساس بأنَّه يتكلم، وما يأتي بعد ذلك هو لحظة مغادرة المسافرِ والمرأة للشاطئ إلى أن تتوقف كاميرا الراوي في غرفة المسافر، وهو يراقب الليل من النافذة تختفي الأشياءُ كلها في جوف الليل الساكن، ولا يوجد ما يلفتُ الانتباه سوى محاولة المسافر لكتابة رسالة مؤرخة بـ14 سبتمبر/أيلول. أس تالا صيغتها تكشفُ أنها موجهة لامرأةٍ المطلوب منها ألا تعودَ بدون معرفة هويتها والمكان الذي من الأفضل أن تغيبَ عنه. وبهذا يصبحُ مناخ الرواية غائماً كأنَّ ما يتراءى ما هو إلا أشباح أو آثار لزمن غابر.
 
الافتراض
 
يتبدلُ الإيقاعُ في مفصل آخر من الرواية بفعل توظيف تقنية الحوار، هنا يتوارى الساردُ وتقتصرُ وظيفته على تعليقات مختصرة والتمهيد للانتقال من مشهد إلى آخر. ومن الملاحظ أن المرأةَ تزدادُ حضوراً وتتخذُ غالباً دور المتسائل، أكثر من ذلك فهي تخبرُ المسافر بأنها تنتظرُ مولوداً، مع جهلها بمن حملت.ي ُشار إلى أنَّ مارغريت دوراس ترفق أجواء الرواية بمؤثرات صوتية وإيحاءات بصرية، الأمر الذي يقرب العمل إلى الأسلوب المسرحي أكثر. تطور العلاقة بين الرجل والمرأة تبوحُ الأخيرة بأنها تعرفه وتشيرُ إلى شخص آخر، قد سأل عنه وأراد معرفة انطباع المرأة حوله. وتسأل رفيقها المسافر عن سبب زيارته إلى أس. تالا هل جاء من أجلها أو ليقتلَ نفسه، هكذا يدور الحوار بين الشخصيات الثلاث مع إيراد المشاهد المتناثرة، إذ ترتفعُ صرخة امرأة مناديةً أطفالها عندما تدوي صفارات الإنذار، وتجرفُ الأمواج كلباً نفق على الشاطئ، تتداخل أحداث الماضي والحاضر في صور سديمية، ولا ينتظمُ التواصل بين الشخصيات نتيجة الريبة والتوجس من البعض، وبذلك تُفاجئك المؤلفةُ بعالم متلاش وشظايا الأشياء لا وجودَ لأثر المشاعر الإنسانية، سوى إيماءات تَنُمُ عن تعاطف ما يُعرفُ بالمسافر للمرأة التي استوطنت الشاطئ، وتعتبر نفسها ميتةً، إذ تتبدى الشخصيات التي يضمها العمل على شكل شبح لمن غادروا المكان. إنَّ الإحساس بهلامية ما يعومُ في عالم الرواية يتضاعفُ مع اختلاط الأصوات وطمر هوية الشخصيات، وانغمار الماضي في حاضر بلا ملامح، هنا يتساءلُ المتلقي لماذا اختارت الكاتبة «الحب» عنوانا للرواية؟ هل أرادت القول بأنَّ الإشياء ما تستعيدُ لونها وصفاتها الذاتية بدون انبعاث المشاعر والعواطف، التي لا يكون الإنسان إنساناً بدونها. هذا هو الافتراض الذي تتوصل اليه من قراءة الرواية.
 
٭ كاتب عراقي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات